الحاكمية لله وأمير المؤمنين

ورد المرسوم التشريعي رقم 16 الخاص بوزارة الأوقاف إلى مجلس الشعب السوري يوم الثلاثاء الماضي ولم يوزع نصه على النواب بعد !؟ وقد بدأ النواب الإسلاميون بالتحشيد له بين الزملاء ـ حسب ماوصلني ـ وبحسب النسخة التي حصلت عليها فقد حذف منها جملة واحدة تخص رقابة الوزارة على الإنتاج الثقافي والفني، غير أن ماتبقى من مواد القانون الذي يشتمل على 37 صفحة يخالف في بعض مواده قانون العمل والقوانين المالية والرقابية في سورية. إضافة إلى مخالفته المبدأ الأول في الدستور السوري الذي يقول بأن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات.. وبما أنه لايجوز لي نشر القانون كاملا قبل نشره في الجريدة الرسمية، سنقتصر في عرضنا هنا على بعض مواده المثيرة، مع التأكيد أن كلامنا هنا يخص القانون وليس الوزارة التي نحترمها كما نحترم باقي المؤسسات الدينية التي تزعم تمثيل طوائفها في سورية:
ورد في الباب الأول ( التعاريف): ـ مديريات وشعب الأوقاف: يعني مديريات وشعب الأوقاف في الوحدات الإدارية. وبتفصيل أكبر يرد في الفصل الثاني ـ المادة 97 الفقرة أ التي تقول: تحدث شعب للأوقاف في المدن والبلدات والبلديات والمناطق والنواحي بقرار من الوزير.. لتؤكد الفقرة ج: تتمتع كل شعبة من شعب الأوقاف بالشخصية الإعتبارية والإستقلال المالي..
 وبالطبع فإن كل شعبة سوف يرئسها مفتي في كل وحدة إدارية والتي يبلغ عددها  1355 وحدة، ولانعرف بعد الغاية من إحداث هذا العدد الكبير من الكانتونات السلفية في الوحدات الإدارية وماهو عمل المفتي فيها طالما أن العقارات الوقفية لاتحتاج أكثر من محاسب وجابي؟ هل الغاية من ذلك أسلمة المؤسسات والهيمنة على حياة المجتمعات السورية ذات التنوع الديني والمذهبي  ؟
ورد في الفصل الأول (مهام الوزارة واختصاصاتها) ـ الفقرة ط: اعتماد الفريق الديني الشبابي التطوعي في الوزارة أداة لتمكين وتأهيل النسق الشاب من الأئمة والخطباء ومعلمات القرآن الكريم ( التسمية التي يطلقها السيد الوزير على القبيسيات) !
ونحن نسأل ما هو المقصود بالفريق الشبابي هنا؟ وهل هناك علم ديني شبابي وإيمان شبابي وحج شبابي وصلاة شبابية !؟ نحن نظن التسمية للتعمية ونرى في هذه الفقرة شرعنه لعمل جماعة دينية "تدعو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " الأمر الذي يذكرنا ببدايات جماعة الإخوان في مصر قبل ثمانين عاماً.. كما أن هذه الفقرة مخالفة للمادة الثامنة في الدستور .
ورد في الفصل الأول ضمن مهام الوزارة الفقرة ـ ي: ضبط الفتوى والإشراف على شؤون القائمين عليها.. وبتفصيل أكبر ورد في الباب الخامس ـ الفصل الأول-المادة 51: يشكل في الوزارة مجلس يسمى مجلس الأوقاف الأعلى ويكون الوزير رئيسه ومعاونوه أعضاء، حيث يستولي فيها السيد الوزير على صلاحيات المفتي لعام للجمهورية (أيضا ورد في المادة 37) مخالفا بذلك تاريخ المؤسسة الدينية الإسلامية السنية في البلاد منذ الاستقلال ..وفي الواقع فإن هذا الباب يعلن خاتمة صراع السيد الوزير مع سماحة المفتي بالضربة القاضية..
ورد في الفصل الأول مادة 2 فقرة م: تعزيز دور فريضة الزكاة، والعمل على تطوير سبل وآليات تحصيلها، والفقرة الأخيرة تجعل من الزكاة أشبه بالضريبة الإجبارية بدلا من أن تكون عملا خيريا يقوم به المسلم طواعية؟
في الفصل الثاني المادة 4: تتحدث عن اختصاصات الوزير على امتداد صفحة كاملة وتجعل من الوزير كما لو أنه الحاكم الواحد المستبد بأمره.. وهذا ليس من الديمقراطية في شيء.
معايير الخطاب الديني ـ  المادة 9 ـ البند الأول ـ الفقرة ب: الانتماء إلى الإسلام لا يتعارض مع الانتماء إلى الوطن والمواطنة.. وهي صياغة ضعيفة ومجاملة ..
أما الفقرة ب فتدعو إلى نشر ثقافة الاعتدال، دون تحديد ما المقصود بثقافة الاعتدال، طالما أن كل الجماعات الإسلامية تعتبر نفسها معتدلة وغيرها متطرف، حتى الإخونج باتوا يقولوا إنهم معتدلون بالقياس مع الوهابية.. وحبذا لو بينت الفقرة أن الإسلام المعتدل هو الذي يقتصر على مقاصد الإيمان دون تسييس الدين، إذ أن تسييس الدين، منذ اجتماع سقيفة بني ساعدة، قد خلق لنا كل هذه المذاهب المتناحرة والحروب العبثية ..
الفصل الثالث (شروط التكليف بالعمل الديني) المادة 12 – فقرة أ : يشترط في من يكلف بالعمل الديني أن يكون مسلما متمتعا بالجنسية العربية السورية أومن في حكمه، وللوزير أن يستثنى من شروط الجنسية من يرى تكليفه لضرورات المصلحة العامة !! والسؤال هل فرغت سورية من الاختصاصات الدينية حتى تستعين الوزارة بمدرسين غير سوريين؟
الفصل السابع (البدلات النقدية) الفقرة ب تمنح المكلفين بالعمل الديني تعويض غلاء المعيشة من الموازنة العامة للوزارة التي تأخذها الحكومة من ضرائب الشعب المسلم وغير المسلم.. أما الفقرة د فتسمح للمكلف بالعمل الديني الجمع بين أجره لقاء عمله والراتب الذي يتقاضاه من الدولة، أما المادة 29 فتعفي البدلات النقدية للمكلفين الدينيين من أية اقتطاعات ضريبية أيا كان نوعها ؟!
الباب الرابع ـ مادة 38: تحدث المدارس الشرعية الإسلامية للمرحلة ما قبل الجامعية بقرار من الوزير، هذا بالإضافة مجالس التعليم والتوجيه الديني الذي يتم في الجوامع والمساجد... ونذكر هنا أنه يوجد 103 مدارس شرعية قائمة في سورية، فهل نحتاج للمزيد؟
أيضا المادتين 45،46 تشكلان اختراقا سلفيا للمؤسسات التعليمية، إذ تقولان: تعد شهادتا الإعدادية الشرعية والثانوية الشرعية معادلتين لشهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة (الفرع الأدبي) اللتين تمنحهما وزارة التربية..كما يجوز انتقال الطلاب بين الصفوف المتماثلة في مراحل التعليم الأساسي .. 
المادة 89 تسمح لمجلس الأوقاف الذي يرأسه الوزير تأسيس شركات تجارية مملوكة له من نوع شركات الأموال تعمل وفق قانون التجارة والشركات..
وعلى أي حال فإن مجلس الشعب لديه صلاحية التصويت عليه دون مناقشة مواده ويحتاج هنا إلى رفض ثلثي النواب له كي لايتم إقراره ، أو مناقشته وحذف و تعديل المواد المتعارضة مع القوانين والدستور والمنطق الذي يقول أن زمن السلطات الدينية قد انتهى لتحل محله الحكومات المدنية ..

 

نبيل صالح