طه عبد الرحمن: الطريق إلى حداثة إسلامية

«طه عبد الرحمن» الفيلسوف والأكاديمي المغربي المولود عام 1944، أحد ألمع الأسماء المشتغلة بالفلسفة عربيًا، تنال أعماله اهتمامًا أكاديميًا واسعًا، كما أخذت تجذب، مؤخرًا، أعدادًا متزايدة من القراء العرب.


إلا أن فرادة مشروعه الفلسفي وتعدد واتساع الحقول المطروقة فيه، بل مجرد امتلاكه مشروعًا جادًا بما يستلزمه من معجم فلسفي خاص متجدد وارتباط بنيوي بين المؤلفات السابقة واللاحقة، إلى جانب الثقة التي يتعاطى بها الفلسفة؛ صبغت جميعها مؤلفاته بإلغاز يلمسه القارئ الجديد، فصارت القراءة عن طه عبدالرحمن خطوة ضرورية قبل القراءة له.

 لكن الحق أن تغطية الحقول والأسئلة التي طرقها ذلك المشروع الجرئ مهمة عسيرة على الكاتب وقليلة الجدوى للقارئ. بيد أن تشابك وتداخل القضايا والمفاهيم سمة أصيلة في الاشتغال الفلسفي، بحيث يندر عرض موقف فيلسوف من مسألة معينة دون إفراد مساحة لموقفه ورؤيته الخاصة لعدد من المسائل الأخرى.


لذا اخترنا الحديث عن موقفه من الحداثة والتراث، إذ هما قضيتان متشابكتان تشغلان مكانة جوهرية في المشروع محل النقاش، مثلما تشغلان في الوقت نفسه مركز الاهتمام العربي المعاصر، يتبدى فيهما بوضوح تميز الفيلسوف المغربي عن جل معاصريه وسابقيه، ويعدان ركيزتي الحداثة الإسلامية التي أصل لها طه عبد الرحمن.


من الحداثة إلى روح الحداثةاستغرق هضم سؤال الحداثة سنوات طويلة من مسيرة طه عبد الرحمن، حتى صدر كتابه «روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس حضارة إسلامية» عام 2006 والذي يحمل رؤيته الخاصة والمتميزة. لا يرى طه عبد الرحمن الحداثة هدفًا ينال بمحاكاة الغرب، فالحداثة الغربية مجرد ترجمة واحدة لما سماه «روح الحداثة»، التي هي تجريد لأسس ومبادئ عامة ينبغي تطبيقها للنهوض بالحضارة الإنسانية أيًا كان الزمان والمكان، بل يرى أيضًا أن الحداثة الغربية ليست حداثة واحدة في حقيقتها، بل تتغير بين الثقافات الأوروبية ذاتها والحقول المعرفية، مما يجيز لنا الحديث عن حداثة فرنسية وحداثة ألمانية وحداثة سياسية وحداثة اجتماعية على سبيل المثال.

تقوم روح الحداثة،وفق طه عبد الرحمن، على ثلاثة مبادئ رئيسية: أولًا: الرشد، بمعنى إنهاء التبعية الفكرية للغير وانتهاج الإبداع. ثانيا: النقد، بمعنى الانتقال من الاعتقاد بغير دليل إلى حالة الانتقاد. وأخيرًا: الشمول، بمعنى التوسع في السلوك الحداثي بما يتجاوز محدودية المجال والمجتمع.

 بتطبيق تلك المبادئ، يمكن لكل أمة – على اختلاف خصوصيتها الثقافية – خلق حداثتها الخاصة، التي إن احتمل تشابهها مع الحداثات الأخرى في بعض الجوانب فمن الحتمي اختلافها عنها في جوانب أخرى.


لكن لا معنى للزعم بقبول الخصوصية الثقافية لكل أمة دون قبول مشروعيتها التراثية، مع استصحاب المبادئ المذكورة لروح الحداثة خاصة مبدأ النقد. بل إن الدعوة إلى القطيعة مع التراث واعتناق الفكر الغربي باسم الحداثة – في حقيقتها – ليست إلا دعوة إلى استبدال تراث بتراث آخر.


ذلك أن المعرفة الغربية الحديثة، كما هو معلوم، تجد سندها في التراث الغربي، وتبقى حاملة لسماته وآثاره، ولو نسب إليها ما نسب من «الموضوعية» و«العلمية» و«العقلانية»*، لأن هذه المعايير نفسها ليست إلا قيما أنتجها هذا التراث الأجنبي، وليس لها من «الشمولية» أو «الكونية» إلا ما لهذا التراث نفسه؛ والعجب أن الذين يدعون إلى هذه القيم من العرب والمسلمين ما زالوا عاجزين عن تبيين جانب «النسبية» و«المحلية» فيها، ناهيك عن الدخول في نقدها وتصحيحها، بل لا يتصورون حتى إمكان وجود بدائل لها، هذا مع العلم أن واضعيها الأصليين أخذوا يشككون فيها ويبرزون حدودها.[2]لذا يتوجب على المسلمين خلق حداثتهم الإسلامية، لا تقليد نموذج حداثي آخر في مناقضة صارخة لجوهر الحداثة القائم على الإبداع، أو بعبارة المؤلف: إن «الذين يأخذون بواقع الحداثة الغربية من أبناء الأمة لم يحققوا مبدأ الرشد على الإطلاق، لأنهم ظلوا قاصرين ومقلدين لغيرهم».


يعتمد طه عبد الرحمن على النقد الأخلاقي للحداثة الأوروبية، الذي أفرد له كتاب «سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية» الصادر عام 2000، ورفض دعوى انفصال الأخلاق عن الدين، الذي أفرد له كتاب «بؤس الدهرانية: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين» الصادر عام 2014، إلى جانب رفض الادعاء بانفصال الحداثة الغربية عن الدين كلية بأدلة منها استمرار حضور المعاني الدينية في عدد من الفلسفات الحديثة والاهتمام المتزايد بالأخلاقيات التطبيقية في الغرب، مع معارضته القول الغربي بأن «الإنسان كائن عاقل» – انطلاقًا من نظرته لمفهوم العقلانية (راجع الهامش) – بادعاء أن «الإنسان كائن أخلاقي»، لينادي بحداثة إسلامية رشيدة – لها شروطها وضوابطها – قادرة على تجنب أخطاء الحداثة الغربية وأزماتها الكبرى، تعي أن كل تقدم مادي يتطلب تقدمًا روحيًا يفوقه، أو على الأقل يساويه، حتى يحصل الانتفاع به.
منهجية تقويم التراثلا شك أن موقف الفيلسوف المغربي من الحداثة، ومشروعه الطموح لإنتاج حداثة إسلامية، ومعجمه الفلسفي المستوحى من التراث العربي الإسلامي بوضوح، يستند إلى موقف خاص من ذلك التراث، الذي هو عنده «جملة المضامين والوسائل الخطابية والسلوكية التي تحدد الوجود الإنتاجي للمسلم العربي في أخذه بمجموعة مخصوصة من القيم القومية والإنسانية، حية كانت أم ميتة».


ليتبدى هنا جانب آخر من خصوصية المشروع الفلسفي. حيث يرى طه عبد الرحمن أن علاقة الفرد بتراثه ليست علاقة نظرية جامدة، ولا علاقة اختيارية، بل وجدانية اضطرارية. دون أن يقصد من ذلك قبولًا غير منضبط للمنقول أو رفضًا تامًا لمنهجيات نقد التراث.

 في الواقع، يقر طه عبد الرحمن بالفعل باستحالة قبول «كل ما في التراث على الوجه الذي كان به»، لما في ذلك من قطيعة مستحيلة مع الحاضر. معللًا مآخذه على أغلب نماذج التقويم المستخدمة بطبيعتها «التجزيئية» القاصرة، وفساد مسلماتها، وعدم تمكن أصحابها من أدواتهم. ليقدم في كتابه «تجديد المنهج في تقويم التراث» الصادر عام 1994 – حيث أورد نقده الشهير لمشروع «محمد عابد الجابري» (1935-2010) المفكر المغربي الراحل – «النظرة التكاملية إلى التراث العربي»، وهي «نظرية مستقلة في تقويم التراث حرصنا فيها أشد الحرص على أن تستوفي مسائلها مقتضيات المنهجية».


ويمكننا الحديث عن نموذج التقويم التكاملي في مقابل نموذج التقويم التجزيئي على أنه نموذج ذو مقصد منهجي لا مضموني، ينظر في الآليات التي أنتجت كل جزئية من التراث لا مضمون الجزئيات، ويقصد بالآليات هنا حزمة العلوم التراثية مثل علوم اللغة والفقه والحديث.


كما أنه نموذج ذو منهج عملي لا مجرد، لا يقحم آليات منقولة وضعت في الأصل لهدف مباين للمادة محل النقد، لأنها ستشوه بنيته وتظهره على غير صورته. ونموذج ذو منهج اعتراضي لا عرضي، يورد كل اعتراض جائز فيفحصه ويختبره لا يقرر الأحكام ويعممها على التراث. أو قل إن النظرة التكاملية إلى التراث العربي عند طه عبد الرحمن:


هي النظرة التي تتجه إلى البحث في التراث – آليات ومحتويات – من أجل معرفته من حيث هو كذلك، على اعتبار أنه كل متكامل لا يقبل التفرقة بين أجزائه، وأنه وحدة مستقلة لا يقبل التبعية لغيره.

إن المتأمل في مشروع طه عبد الرحمن الفلسفي الطموح، سيعجب – وإن اختلف معه – بثقته بنفسه. كما سيلحظ حتمًا عمق معرفته بالتراث وعلومه، إلى درجة الاجتهاد في تطوير بعضها، وتقديره لها إلى درجة المباهاة في أكثر من موضع، مثل حديثه عن سبق مصطلح علم الحديث للنقد التاريخي الحديث بقرون، أو عن الطبيعة الموسوعية للمنهجية الأصولية الإسلامية دون إنكار لواقعنا الثقافي والحضاري المخزي، وحاجتنا إلى نهضة شاملة تستلزم إعادة قراءة للتراث وللنصوص المؤسسة وعلى رأسها القرآن.


إذن لم يتردد طه عبد الرحمن بالإقرار بضرورة إنتاج قراءة حداثية له في سبيل الحداثة المنشودة. بينما يأتي رفضه للقراءات الحداثية المطروحة من المنطلق ذاته: إنها قراءات زائفة الحداثية. أو كما قال:


هؤلاء يقولون إنهم يريدون قراءة جديدة وحديثة للقرآن، فنحن نتفق معهم، حيث إننا نحتاج لنهوض الإسلام إلى تجديد قراءة القرآن، ولكن هذا التجديد ينبغي أن نُبدع فيه، يعني أن نأتي من عندنا بأدوات يحددها تاريخُنا ويحددها تراثنا وعلى أساسها نقوم بإعادة قراءة القرآن، وليس باستنساخ الأدوات الغربية وإسقاطها على النص القرآني، فهم يقولون بقراءات حداثية، ولكنها في الحقيقة هي قراءات مقلدة، وليس لها من الحداثة شيء.حيث ينبغي على أي قراءة أو نقد للتراث اتباع المنهجية التكاملية المناسبة، بتجرد حقيقي من التأثيرات القيمية النسبية، لا بهدف القطيعة مع ذلك التراث ونسخ التجربة الحداثية الغربية دون اعتبار لخصوصيتها وأزمتها القيمية، بل بهدف «إيجاد فلسفة تنبني على أصول إسلامية، فلسفة تكون مفاهيمها مأخوذة من التراث الإسلامي ومن المصادر الأصلية للإسلام وهي القرآن والسنة، لكن تكون لهذه الفلسفة عقلانية لا تختلف عن العقلانية للفلسفات الغربية المنقولة […] في الحقيقة نحن نريد أن ننشئ فلسفة من عندنا ومن تاريخنا ومن واقعنا».


* للعقلانية مفهوم خاص لدى طه عبد الرحمن، مؤداه إلى تعدد العقلانيات الممكنة، وقد قارن بين بعضها في أكثر من كتاب له. فالعقل ليس جوهرًا أو ذاتًا قائمًة بنفسها، بل فعل إنساني، لا يتغير مع اختلاف الحقب الزمانية فحسب، بل مع اختلاف المجال المعرفي والنسق المنطقي ومع تبدل أطوار الفرد خلال حياته أيضًا. بما يعني إمكانية صوغ عقلانية إسلامية خاصة.

 


إضاءات