قلبُ "دانكو" للكاتب الرُّوسي مكسيم غوركي

عاش في قديمِ الزَّمانِ في الأرض قومٌ.. كانوا أناسًا مرحين، أقوياءَ، شجعانًا. ولكن داهمَتْهُمْ ذات يوم أوقاتٌ عَصِيبَةٌ: فقد جاءهُم أعداءٌ أشرارٌ، أشدَّاءُ، وطارَدُوهم بعيداً إلى قلب الغابة، حيثُ يُوجَدُ مستنقعٌ و ظلامٌ، لأنَّ الغابةَ كانت قديمةً، وأغصانها متشابكة لدرجة أنَّها حجبتِ السَّماءَ عن النَّظر، فلم تكُنْ أشعَّةُ الشَّمسِ تنفذُ إلى هناك إلَّا بصعوبةٍ كبيرة، وكان إذا ما سقطتْ أشعَّةُ الشَّمس على مياهِ المستنقعاتِ تنبعثُ منها نتانةٌ تجعلُ النَّاسَ يمُوتُونَ الواحدُ تلوَ الآخر.
راحتِ النِّسوةُ والأطفالُ يبكون، بينما راح الرِّجالُ يفكِّرُونَ كيفَ يمكنُ الخروجُ من الغابة. كان هناك طريقان: أحدُهُما نحوَ الوراءِ حيثُ الأعداءُ الأشرارُ، والثاني إلى الأمام حيثُ تنتصبُ الأشجارُ العملاقةُ.. وكانَ الأمرُ يصبحُ أكثرَ رهبةً حينَ تعصفُ الرِّيحُ بقِمَمِ الأشجار، فتبدأُ هذه بالعويل كما لو أنَّها تتوعَّدُ هؤلاءِ النَّاسَ وتنشدُ لحنَ جنازتهم.
ومع أنَّهم كانُوا أناساً أشدَّاءَ وعلى استعدادٍ لأنْ يُقاتلوا حتى الموت، بيدَ أنَّهُ لم يكن بِوِسْعِهِم أن يموتوا في المعارك لأنَّهم كانوا يحمِلون وصايا، وإذا ماتوا فإنَّ تلك الوصايا سوف تموت. فكَّروا طويلًا.. ولكثرة ما فكّروا أصابَ الوهنُ عزيمتهم، ودبَّ الذُّعرُ بينهم . فأرادُوا التوجُّهَ للعدوِّ حاملين له حريَّتَهُم .
هنا ظهرَ الفتى الشُّجاعُ "دانكو"، الذي كان جميلًا وقالَ لرفاقه: ماذا ننتظرُ؟ لن نستطيعَ أن نزيحَ الحجَرَ من دربنا بالتَّفكير. لننهضْ.. ولْنَمْضِ قُدُماً في الغابة.. بعيداً بعيداً فيها.. فلا بدَّ أن تكونَ ثمَّةَ نهايةٌ للغابة.. إذ لكلِّ شيءٍ في الدُّنيا نهاية ! لنمضِ ...هيا
رنا الناسُ إلى هذا الشَّابِّ.. ورأوا كم هو أشجعُ منهم وأفضلهُم وأنه يستطيع إنقاذَهُم..
وصاحوا: قُدنا.. وقادَهُم "دانكو".
كان الدربُ وعرًا وصعبًا.. ساروا طويلاً.. والغابةُ حالكةٌ، والمُستنقعُ يفتحُ شدقَ عفونتهِ فَيَلتَهِمَ الأفرادَ، كما كانتِ الأشجارُ العملاقةُ تسُدُّ طريقهم بجدارٍ من جذوعها الضخمة. كان كثيرٌ منهم مسنِّينَ وعَجَزَة.. وكلَّما أظلمَتِ الغابةُ أكثرَ، كلَّما راحتْ قواهُمْ تخورُ أكثر؛ بدأ النَّاسُ يتذمَّرُونَ وشرعُوا القول: كيفَ أنَّ "دانكو" غرٌّ وقليلُ التَّجربةِ ومع ذلكَ فهو يقُودُهُم إلى المَجهولِ.. ولكنَّه مضى بشجاعةٍ مفعماً بالنَّشاط..
لكن عاصفةً قويةً هبَّت في أحد الأيَّام، فراحتِ الأشجارُ تتهامسُ بصوتٍ مخيفٍ وأصمَّ. وأصبحتِ الغابة أكثرَ ظلمةً كما لو أنها جمَعَتْ في ليلةٍ واحدة جميعَ الليالي. اصطخبتِ الغابةُ، وخاف الناسُ. كان القومُ متعبينَ ولكنَّهم كانوا يخجلُونَ منَ الاعترافِ بعجزهِمْ. وفي خِضَمِّ ضجَّة المطرِ والغابةِ، انهالَ النَّاسُ الغاضبونَ والنَّاقمُون يُحاكمُون "دانكو"، وراحوا يلومُونَهُ بأنَّه لم يُحسِنْ قيادَتَهُم ...
قالوا: أنتَ قدتنا في الغابة، وقد تعبنا.. والآن نحن نموتُ.. ولكنك ستموتُ قبلنا.. لأنك جلبتنا إلى هنا، وصرخ "دانكو": أنتم قلتم قُدْنا، وأنا فعلتُ.. أردتُ أن أساعدَكُم، أما أنتم فماذا فعلتم لأنفسكم؟ لكنَّ النَّاس لم يُصغُوا إليه، وصاحوا : سوف تموتُ... سوف تموتُ..
واصطخبتِ الغابةُ أكثرَ فأكثرَ.. نظر "دانكو" إلى النَّاسِ ورأى كم هُمْ وحوشٌ.. لقد أحبَّهم، وفكَّر أنَّهم قد يموتونَ من دونه.. وقلبُهُ يتحرَّقُ شوقاً لإنقاذهم.. وصاح بصوتٍ أقوى من الرَّعدِ: "ماذا سأفعلُ لأجلهم". وفجأة انتزع قلبَه من صدرِهِ، ورَفَعَهُ عالياً فوق رأسه؛ توهَّجَ القلبُ مشرقاً كالشَّمسِ بل أشدُّ توهُّجاً. صمتت الغابة كلُّها أمامَ شعلة حبِّهِ العظيمِ للنَّاس.. صرخ "دانكو" هَيَّا تقدَّموا!.. واندفع إلى الأمام.. رافعًا قلبَهُ إلى الأعلى لينيرَ الطَّريق للنَّاس.. والنَّاسُ يتبعونَهُ مصعوقينَ. وها هم الآن يمضُونَ للأمام طافحِينَ بالحيويَّة والشَّجاعةِ .. أمَّا "دانكو" فكانَ في المقدِّمةِ وقد راح قلبُهُ يحترقُ و يتوهَّجُ ..
وهنا انتهتِ الغابةُ وسطعَتْ الشَّمسُ أمامَهم فلمعَتْ على النَّهرِ.. كان الوقتُ مساءً، وكانَ النَّهرُ يبدُو تحتَ أشعَّة الغروب أحمرَ قانياً مثلَ الدَّمِ الذي انبثقَ ملتهباً من قلب "دانكو".
ألقى "دانكو" الوسيمُ الفخورُ نظرة إلى السَّهب الواسع، نظرةً مفعمةً بالفرحِ وانفجرَ في ضحكَةٍ عامرةٍ بالسَّعادة ثمَّ هوى على الأرض مَيْتاً. واستمرَّ قلبه الشُّجاع بالاحتراق.. والتوهُّج..
أمَّا النَّاسُ، وقد غمرهم الفرحُ وامتلأت قلوبُهُم بالأمل، فلم يلحظوا موته، ولم يرَوا كيف أنَّ القلبَ الشُّجاعَ ما زال يتوهَّجُ إلى جانبِ جثَّة دانكو. شخصٌ واحدٌ حذرٌ منهم فقط انتبهَ لذلكَ، ولأنَّهُ خافَ أمرًا ما، داسَ بقدمِهِ على القلبِ الفخورِ، وإذ بالقلبِ المشتعِلِ ينطفئُ بعد أن تناثرت شراراتُهُ..
من هنا انطلقَتْ تلكَ البُروقُ الزَّرقاءُ التي تظهرُ قُبَيلَ العاصفةِ فوق السَّهب..


ترجمة ليندا إبراهيم
مراجعة وتدقيق النَّص الرَّوسي والتَّرجمة المترجم د.إبراهيم استنبولي