اللغة : آخر ما تبقى للعرب

اللغة العربية
 أغنى اللغات بالألفاظ والمفردات
كثيراً ما نسمع ونقرأ عن مصطلح مهم ومتداول ومنتشر، لهذا المصطلح حساسية خاصة في الاستخدام ألا وهو (السامية).. هذه الكلمة تستخدم من بعض الأطراف عند التعرض لانتقاد وهجوم على أفعاله وسلوكه وحتى إرهاب الدولة الذي يمارسه ضد الآخرين والقرصنة الواضحة ضد أراضيهم وانتهاك حدودهم، وعلى الرغم من أن تصرفاته واضحة للعيان ولا يختلف على سلبيتها اثنان، ولا يناقش في تقييمها وإطلاق الحكم عليها عاقلان.. فنجد أن من يقوم بإرهاب الدولة يتهم الآخرين بعداء السامية، ويصل الأمر إلى اتهام لغات الآخرين بأنها غير سامية.. ولهذا مدلول كبير ويخبىء خلفه معاني أكبر ضد اللغة التي تعد الوسيلة الفكرية للتعبير وإطلاق الأحكام ونشر الأفكار وإقناع الآخرين بالمبادىء والتصرفات.. فما هي اللغات السامية؟ ولماذا سميت بهذا الاسم؟ ومن الذي أطلق عليها اسم السامية؟ وما المنطقة التي انطلق منها هذا المصطلح؟ وكيف انبثقت وانتشرت من موطنها الأصلي؟.
اللغات السامية: هي اللغات لتلك الشعوب التي كانت منذ القدم تقطن الجزيرة العربية، بلاد الرافدين، سورية.. وانتشارها من هناك على مساحة واسعة من ساحل البحر المتوسط الجنوبي والغربي، وأول شعب سامٍ ترك لنا آثاراً كتابية تشهد على تقدمه الحضاري ودوره القوي في دفع عجلة المدنية الإنسانية الزاهرة وانتشارها في العالم القديم هو ما أطلق عليه اسم الاكاديين، ونعني بذلك أول شعوب العراق السامية، ونرمز بذلك إلى البابليين والآشوريين.. ويأتي بعدهم في الترتيب الزمني من حيث قدم الوثائق الكتابية، الكنعانيون الذين سكنوا غرب سورية، وأبرز الشعوب الكنعانية هم الفينيقيون بناة الحضارة والتجارة على ساحل البحر المتوسط وموجدو الكتابة الأبجدية وناشروها في العالم، حيث أخذها عنهم اليونان وعن هؤلاء الرومان ثم أخذها العبريون، وعلينا ألا ننسى شعب أوغاريت (رأس شمرا) الذي كان له شأن حضاري في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، وصاحب خط مسماري أبجدي يدل على درجة من الرقي لا تقل أهمية عن اختراع الكتابة الأبجدية على الإطلاق، وفي الجنوب نرى أن أول لغة سامية كتبت هناك هي لغة عرب الجنوب، ونقصد قوم (معين وسبأ).. ولكي تتبلور الفكرة نقسم اللغات السامية إلى ثلاثة أقسام: شرقية وهي الأكادية بفرعيها البابلي والآشوري، وغربية شمالية تضم الكنعانية بلغاتها المختلفة مثل العبرية والفينيقية والأوغاريتية والآرامية، وجنوبية وتضم العربية الشمالية والجنوبية والآثيوبية، وإذا أردنا أن نتعرف إلى أول من استعمل تسمية (السامية) فإننا نجد أن المستشرق الألماني (شلوتزر) استخدمها في بحث له عن تاريخ الأمم الغابرة عام 1781م، لأن معظم الشعوب والأمم التي تكلمت وتتكلم بهذه اللغات هي من أولاد سام بن نوح، ولا بد أن تكون هناك أسباب مقنعة تبرز جميع هذه اللغات في أسرة لغوية واحدة، مما يقودنا إلى افتراض وجود لغة سامية أو التعرف إلى أقدم هذه اللغات على الإطلاق، وهناك مميزات تدعونا لترجيح انتماء هذه اللغات السامية كلها إلى أسرة واحدة، وتفصل بينها وبين الأسر اللغوية الأخرى كالهندو- أوروبية، وأهم هذه المميزات وجود حرفي العين والحاء لا تحتويهما أية لغة أخرى غير السامية ماعدا المصرية القديمة والبربرية الحاميتين، ومن الملاحظ أن اللغات السامية قد انقرضت معظمها كلغة حية متداولة، ولم يبق من بعضها إلا رواسب أو لهجات قد تمت بقليل أو كثير إلى اللغة الأم بصلة، وحتى العبرية الحديثة التي أوجدها الصهاينة محاولين بذلك إحياء العبرية القديمة ما هي إلا صيغة مصطنعة وثوب مهلهل للغة العبرية الأم، ولا يمكن وضعها على قدم المساواة ومقارنتها بمكانة اللغة العربية التي ما زالت حية لم تخب شعلتها، وإنما احتفظت بطابعها السامي الخالص الصافي من كل الشوائب رغم أنه قد تفرعت عنها لهجات عامية تنوعت بتنوع المناطق والبلدان، والسبب في ذلك نعرفه ألا وهو أنها لغة القرآن الكريم الذي دفع العرب إلى الاشتغال باللغات والالتفات إلى وضع القواعد لها والمعاجم اللغوية، وليست عزلتهم في جزيرتهم العربية فقط كما يرى البعض، وهو الذي دفعهم إلى تدوين أشعارهم وصيانتها من الضياع حتى ولو كانت من شعراء جاهليين، فحينما كان علماء النحو في البصرة والكوفة يختلفون في إحدى المسائل النحوية أو اللغوية فإنهم كانوا يرون أنفسهم مضطرين لإثبات صحة ادعاءاتهم بالاستشهاد بشعر لأحد الشعراء العرب الجاهليين أو المعاصرين لهم ترد فيه حالة مشابهة، وهذا كان شأن الكوفيين دون البصريين، فالعربية هي اللغة السامية الوحيدة التي تمكنت من البقاء على قيد الحياة من دون كل اللغات الشقيقة لها، وهذا يدعم الرأي القائل: إن العربية شرط أساس لدراسة أية لغة سامية أخرى، وهو ما لفت نظر الأوروبيين وعلماء اللاهوت هناك فاهتموا باللغة العربية ودرسوها ليتمكنوا من تفسير وفهم التوراة ونصها المكتوب باللغة العبرية القديمة، وإذا ما حاولنا أن نضع خارطة نبين عليها مدى انتشار ونفوذ اللغات السامية على مدى القرون لاحتلت اللغة العربية مكان تلك اللغات كلها وزادت عليها مساحة أكبر مما هي عليه بقية اللغات السامية، أما العبرية فإنها لم تتجاوز حدود فلسطين، وسأذهب إلى أبعد من ذلك لأجري مقارنة بين قواميس كل اللغات السامية، فإذا أحصينا مفرداتها فإننا سنجد أن العربية أغناها بل تفوق كل مفردات اللغات السامية الأخرى مجتمعة، وتكاد تتفوق على أخصب لغات العالم لما تحويه من مفردات وألفاظ تشمل كل مستلزمات الحياة وكل ما يحتاجه الإنسان في شتى المجالات، ولكن ما إن خرج العرب بموجاتهم العارمة حتى سارعوا إلى استيعاب كل ما هو غريب عنهم، ولم تمضِ فترة وجيزة من الزمن حتى بدؤوا  بتأليف المجلدات الضخمة والتعبير عن أدق المسائل العلمية والروحانية فشاعت كتبهم وانتشرت آراؤهم حتى صار علماء الغرب يتتلمذون على أيدي العلماء العرب في جامعات الأندلس.. ومن كل ذلك نستنتج أن اللغة العربية ليست أغنى اللغات السامية لفظاً وتعبيراً فحسب، وإنما لو وضعنا الشكل اللفظي الأساس للغات السامية مقياساً للتطور والاشتقاق لوجدنا العربية قد قطعت أشواطاً لم تصل إليها لغة سامية أخرى، وبخاصة أنها استفادت من جميع الوسائل والإمكانات واستغلتها، فوصلت إلى المرحلة التي لا يمكن أن تكون بعدها مرحلة أخرى يمكن تصورها ونظن أنها قد توقفت عند هذا الحد وأخذت ذاك الشكل، لكنك تكتشف فيما بعد عكس ذلك لأن المرحلة الجديدة تبدأ وتتطور.. وهذا يعود إلى مرونة اللغة ومتانة بنائها السليم والمنطقي.. وهذا  يفسر انفتاحها الواسع على اللغات الأخرى السامية أو غير السامية وأخذها الكثير من ألفاظها دون أن تؤثر تلك الألفاظ الدخيلة على بنائها الذاتي، وإنما تخضع للقواعد والبناء نفسه، فتصاغ بالقالب المناسب لتخرج عربية الشكل والمعنى، وبذلك تكون تلك الألفاظ رافداً يغني اللغة ويجعلها تتطور وتتأقلم مع أي عصر تعيش فيه مع الاحتفاظ بالشكل اللغوي الأساس للغة السامية الأم، فالمتأمل لكل هذه الأمور: عمر اللغة العربية الطويل، انتشار اللغة العربية الواسع، غنى العربية في اللفظ والشكل ومقدرتها على التطور الشامل والاشتقاق، وبإمكاننا إضافة عامل هام هو وجود الحركات والتنوين في آخر الكلمات (وهذه الميزة لا تشاركها فيها غير الأكادية والأوغاريتية) يضعنا أمام حقيقة لا مجال للشك فيها، وهي أن اللغة العربية من أقدم اللغات السامية على الإطلاق، على الرغم من تأخرها بالظهور كتابياً عن كل اللغات السامية الأخرى، ولكنها بعد ذلك تفوقت بجميع الميزات على أخواتها الساميات، وأصبحت العربية من أفضل وأمتن وأكمل اللغات، وهذا الرأي الثابت بعيداً عن كل التعاطفات والتعصبات، فهلا حافظنا على لغتنا وأعدنا القدسية إليها وعملنا على تقويتها ودحض كل المزاعم التي تحاول النيل من قيمتها والسعي إلى إضعافها.. وبالتالي النيل من الشخصية العربية والحضارة العربية والمخزون اللغوي الذي يمثل ويضم كل ما هو عربي من علم وثقافة وحضارة وتراث نعتز ونفتخر ونفاخر بها جميعاً، وبخاصة أن موقف المعادين أصبح واضحاً ومعروفاً في كيل الاتهامات بأنها لغة غير سامية.. وأن موقف أعدائنا الذين يترأسون هذا الموقف ويحملون لواء محاربة اللغة العربية وشن الهجوم عليها وعلى كل ما هو عربي، ويظهر هذا الموقف بشكل لافت للنظر في المؤتمرات الدولية واللقاءات العالمية، وقد ظهر هذا الموقف في السنوات الأخيرة بشكل علني ومستمر ومتتابع بعد أن كان يتذبذب بين العلنية والسرية، واتخاذ وسائل مباشرة وغير مباشرة في محاربة العربية والعروبة.


د. ماجد أبو ماضي

المصدر: البعث