آخر المواضيع المتعلقة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

انشقاقات وتناحرات بين الشيعة في العراق

الجمل : في لقاء على كابيتول هيل في 13 مارس الماضي ، قدَّم روي متحدي، أستاذ كرسي غارني للتاريخ بجامعة هارفارد، أمام جلسة لهيئة الأساتذة، رؤية تتعلق بالتطور الديني والسياسي لشيعة العراق.
تساءل متحدي عن فكرة أن للشيعة تقليداً من الانعزالية والتهدئة السياسية. وقد كان مراقبو الشرق الأوسط عادة يفترضون أن الشيعة غير ميالين للتمرد على الحكومة القمعية، ويرجع ذلك جزئياً إلى اعتقاد الشيعة، كما المسيحية، بالعودة الثانية. هذا، ويعتقد الشيعة الأرثوذكس بأن حكم العدل سوف يسود حصراً عند عودة الإمام الثاني عشر، أو المهدي، والذي سوف يجمع السلطة الدنيوية والروحية. وإمام الشيعة الأخير، محمد بن الحسن الذي اختفى عام 874، ويعتقد معظم الشيعة بأنه لم يمت، وإنما قد اختفى، وسوف يعود للظهور لإنشاء حكم العدالة والسلام.
وقال متحدي بأن الاعتقاد بالألفية يمثل نزعة متنامية، ليس فقط في العراق (حيث الشيعة ينظرون لمحنهم ومصائبهم باعتبارها علامة لعودة المهدي المنتظر)، وإنما أيضاً في إيران، حيث يعتبر الرئيس أحمدي نجاد نصيراً بارزاً لفكرة الألفية.
ورغم التاريخ الطويل لفكرة الألفية، فقد أشار متحدي لتاريخ طويل من الصراع السياسي الشيعي في المرحلة الحديثة، من بينها الثورة الدستورية الإيرانية في عام 1906، وتمرد العراق في عام 1920. وقد أضاف بأن أسلوب الانعزال والتهدئة، والذي تطور بين علماء الدين في النجف، يمكن أن يكون الأفضل في تفسير التحدي والمواجهة المحدودة.
وعلى صعيد الممارسة، كما يرى متحدي، فإن مجتمع الشيعة العراقي لن يبدي عدائية عالية بسرعة، وإنما سوف يعلن معارضته حصراً تحت تأثير الظروف الأكثر قسوة. وعلى سبيل المثال، فقد شكل الزعماء الدينيون تحالفاً طائفياً ضد الحزب الشيوعي العراقي في حقبة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ولاحقاً وقفوا مع آية الله روح الله الخميني في معارضة الشاه في حقبة السبعينيات من القرن الماضي.
لاحظ متحدي أيضاً النفوذ الهائل للعناصر الفارسية على المدن الشيعية العراقية وزعماء شيعة العراق. وبالفعل، فقد ظل المجتمع الشيعي، تاريخياً، يتحرك متنقلاً بين جنوب لبنان، وإيران، والعراق؛ بحيث يصعب في بعض الأحيان تحديد أعضائه: أهم من الفرس أم من العرب؟ هذا ويتبع زعماء الدين الشيعة تدريبهم في قم أو النجف، بغض النظر عن انتمائهم الوطني. وللنخبة الدينية ولاء جماهيري عابر للقومية، وهم يتحدثون باللغتين الفارسية والعربية.
ورأى متحدي، على سبيل المثال، أن أكثر من 70% من الإيرانيين يعتبرون آية الله الأعظم علي السيستاني – وهو الآن رجل الدين الأرفع في العراق – السلطة الدينية الشيعية الأعلى، بغض النظر عن إقامته الطويلة في العراق. وإضافة لذلك، فإن أعضاء عديدون من المؤسسة الدينية الإيرانية اليوم هم عراقيون من الذين أجبرهم صدام حسين على الرحيل والهجرة.
يحافظ زعماء الشيعة في إيران والعراق على شبكة ارتباطهم الدولي عن طريق نظام الدائرة الإدارية. ففي مجتمعات  لبنان والخليج وجنوب شرق آسيا يرسل عادة الشباب للدراسة في قم أو النجف، وخلال تلك الفترة يصبح العلماء الشباب مناصرين وموالين لمعلميهم ومرشديهم. هذا ويبعث المجتمع المتكفل العشور (ضرائب مالية صغيرة) إلى هؤلاء المعلمين، وبالتالي فإن نفوذ زعماء دينيين محددين قد نما دولياً مع تزايد مرور الزمن. ويحافظ الزعماء الدينيون أيضاً على نفوذهم بواسطة التوالد، فأبناء رجال الدين الشيعة في الغالب الأعم يصبحون رجال دين.
وأخيراً، أشار متحدي إلى تاريخ من التوتر بين العلماء والوعاظ في عالم الشيعة. وعلماء دين – مثل السيستاني – يقضون عدداً من السنوات في التدريب الديني والقانوني الشاق، وعادة ما لا يكتسبون مرتبة رجل الدين الكبير قبل انقضاء وقت طويل في مهنتهم. هذا، وهناك فقط أكثر من 500 رجل دين كبير يتمركزون في النجف، وهم معترف بهم بواسطة نظراء من الإشراق، ويشكلون نوعاً من المجلس الأعلى للعلماء. وكنخبة، على أية حال، فإن ارتباطهم بالسياسة على مستوى التاريخ، يكون منتشراً في بعض الأحيان. والوعاظ، من ناحية أخرى، يكونون أقل تعليماً، ويجدون تأييداً شيعياً أكبر، وينخرطون بشكل مستمر في السياسة اليومية. وعادة تكون ثمة منظمات محلية مباشرة تحت إشرافهم. وهناك مثال بارز على ذلك، يتمثل في مقتضى الصدر، الابن الوحيد الحي لآية الله الأعظم محمد صادق الصدر، الذي يعتبر جمرة الفتنة، وهو شخصية كارزمية، له ميليشيا خاصة به (جيش المهدي). ويعتقد أن عمره لا يتجاوز الخامسة والثلاثين. ويتميز بأصالة النسب أكثر من تميزه بالتعليم. كان والده الراحل شخصية عليا في الفقه الشيعي قبل مقتله على يد صدام حسين عام 1999. وللصدر أتباع ومؤيدون في أحياء العراق الفقيرة، بينما لا يجد الكثير من التأييد بين أكاديميي النجف الأشرف. ويتحدث الصدر بصوت عال، ويحصل على النتائج. ويتحدث رجال الدين الكبار – مثل السيستاني – عادة بلباقة ونعومة، ولكن بسبب اعتبارات الاحترام الذي يمثلونه وطهارة حديثهم الذي يتم تداوله، فإنهم يحصلون على نتائج تامة وكاملة.


الجمل : قسم الترجمة
المصدر : CSIS