البطالة والفقر ـ د.عارف دليلة

03-05-2006

البطالة والفقر ـ د.عارف دليلة

البطالة هي ظاهرة اجتماعية ناتجة عن تطور قوى الانتاج الاجتماعية التي تحكمها علاقات الانتاج الرأسمالية.

في النظام المشاعي البدائي ساد الجماعة إحساس فطري بأن قوة الجماعة وقدرتها على البقاء مرهونة بكثرة عديدها وقوة كل فرد فيها، فقامت العلاقات فيها على أساس الامتلاك والعمل والتوزيع المتساوي. أما في النظامين العبودي والاقطاعي فقد كانت التبعية الشخصية للطبقات غير المالكة (العبيد والفلاحين الأقنان) إلى أسياد العبيد والاقطاعيين تجعل أفراد تلك الطبقات جزءاً من ممتلكات الطبقة المالكة، إما ملكية كاملة (العبيد)، أو ملكية جزئية، بمقدار ما تتوقف حياتهم على حصتهم العينية من ناتج عملهم (الفلاحون الأقنان). وهكذا، لم يكن بالإمكان ظهور العاطلين عن العمل الباحثين عنه. وكان انخفاض متوسط العمر يتكفل، من جهة أخرى، بعدم ظهور الفائض البشري.

أما النظام الرأسمالي فقد «حرر» أصحاب قوة العمل قانونياً وشكلياً ولكن ليحولهم إلى عبيد لقوة غشماء أسمها قوانين السوق، إذ جعلهم إحدى السلع الخاضعة لقانون العرض والطلب. ففي السوق وحده تتحدد الحاجة إلى البشر كما تتحدد قيمة قوة عمل (أجر) كل منهم، وذلك بالتبعية لكون ما يقدر على تقديمه من سلع أو خدمات يلبي طلباً قائماً يوفر عائداً مرضياً لصالحب رأس المال وبغض النظر عن نوعية وأهمية القدرات والخصائص الشخصية للبشر أنفسهم. وأصبحت البطالة أخطر آفات الرأسمالية.

في الأنظمة الاشتراكية الواقعية التي شهدها القرن العشرون تحقق تقدم لا يمكن إنكاره في تحرير الإنسان من آفة البطالة وذلك نتيجة اعتماد التخطيط كآلية لعمل النظام الاقتصادي بديلاً عن آلية السوق. ولكن النظام الاشتراكي الواقعي انهار بسبب من عجزه عن انضاج الشروط السياسية والمعنوية المميزة له عن الأنظمة الطبقية، كما بسبب من كونه لم يتم على أعلى مستوى لتطور قوى الانتاج كما كان مفترضاً نظرياً، ولأنه، أيضاً، لم يستطع تطوير نظام التخطيط إلى نظام يضع خصائص العامل الانساني في صلب اعتباراته الانتاجية والاستهلاكية والأخلاقية.

وإذا كانت البطالة في الرأسماليات المتقدمة هي نتيجة لفرط النمو الرأسمالي، فإنها في الرأسماليات التابعة المتخلفة نتيجة لنقص النمو من جهة، ولشفط الفائض الاقتصادي إلى الخارج، من جهة أخرى، وذلك بدلاً من استثماره محلياً، كما في الرأسماليات المتقدمة في مرحلة صعودها، والتي كانت تضيف إلى الفائض الاقتصادي المحلي الثروات المنهوبة من العالم الخارجي، على عكس الرأسماليات التابعة المتخلفة التي تقوم الطبقات المهيمنة فيها بنهب فائض نتاج عمل شعوبها بل ومداخيلها الضرورية يومياً لتقدمها هدية مجانية للاقتصادات والمجتمعات المتقدمة. ولهذا تضافرت في الرأسماليات المتخلفة التابعة ظاهرتا البطالة والفقر لتشكلان آفة اقتصادية إجتماعية وأخلاقية مركبة، كنتاج للتخلف والتبعية، مما يجعل مهمة مكافحة البطالة والفقر مهمة سياسية من الدرجة الأولى، أكثر من كونها عملية تقنية أو قطاعية.

إن النظرية الكلاسيكية الجديدة التي تعتبر البطالة نتيجة لرفض العاطلين عن العمل القبول بأجور أدنى،، أي بطالة اختيارية، لا تصلح لتفسير ظاهرة البطالة، وبالتالي لا تفيد في شيء في معالجتها. أما النظرية الكلاسيكية التي تعتبر البطالة إجبارية وتربطها بالتراكم الرأسمالي وتضع في اعتبارها العوامل الاجتماعية والسياسية فهي أقدر من سابقتها على تفسير البطالة ومعالجتها.

فقد وجد آدم سميث وريكاردو، المفكران البرجوازيان، أنه بمقدار ما يتحول الفائض الاقتصادي إلى رأس مال مستثمر بمقدار ما تزداد ثروة الأمة ورفاه المجتمع، ليكتشفا وجود صراع ليس فقط بين الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية، بل وبين الطبقة الرأسمالية والطبقة التي تعيش على الريع، معتبرين مصدر عيش هذه الأخيرة (الريع) انتقاصاً من الربح الرأسمالي، وبالتالي، من التراكم، أي من طاقة المجتمع على التقدم.

وآخذاً بالاعتبار خصائص الأنظمة المتخلفة التابعة فقد ارتأيت توسيع مفهوم الريع، ليشمل، إضافة إلى التصريف الاقتصادي لحق الملكية، وهو الريع بالمفهوم الاقتصادي، جميع أشكال المداخيل الطفيلية المستحدثة غير الناجمة عن استثمار رأسمالي منتج أو عن عمل منتج، أي غير الربح الناجم عن استثمار حقيقي منتج أو عن أجر العمل المنتج، وأسميت هذه المداخيل، بـ «الريع المركزي»*، معتبراً أن القدرة على تحصيل المداخيل الطفيلية مرتبطة بالدرجة الأولى بطبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي ونوعية الدولة والطبقة القائمة عليه.

ومن بين أشكال المداخيل التي يشملها «الريع المركزي» هذا عوائد احتكار الموقع الجغرافي، أو القرار السياسي، أو القرار التنفيذي، وغير ذلك مما أصبح له تصريف اقتصادي يقدر مالباً، سواء في العلاقات الدولية، أو العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وربما الثقافية والأخلاقية، محلياً. وإذا كانت الأنشطة المولدة لمعظم أشكال هذه «الريوم ذات المنشأ غير الاقتصادي البحت». يمكن أن تندرج تحت عنوان «الفساد»، إلا أنه يمكن التمييز بينها والحكم عليها وفق معايير معينة. وعلى سبيل المثال، فإذا اكتشف مسؤول في بلد ما أهمية استراتيجة لبلده، سواء بسبب من امتلاكها لثروة نادرة، أو لموقعها الجغرافي، أو لغير ذلك من أسباب، وقام بتصريف هذه الميزات بتحصيل ريع عليها من الدول الأخرى، فإن المسؤول الذي يضع هذا الريع تحت يد الدولة التي توظفه في صالح الشعب هو غير المسؤول الذي ينفق هذا الريع على تمويل طغمة تقوم بقمع الشعب أو يضع هذا الريع في حسابه الخاص خارج الحدود بينما يدفع شعبه تكاليف هذا التوظيف لميزات بلده أولثرواتها.

وإن ارتفاع الطابع الريوعي لدولة أو لاقتصاد أو لمجتمع ما، أي ارتفاع نسبة هذه الأشكال من المداخيل إلى مجمل الدخل، إنما ينعكس سلباً على قدرة هذه الدولة أو المجتمع أو الاقتصاد على النمو والتقدم، بل ويضفي صفات سلبية على الحياة العامة مثل تقوية عوامل الانحلال والتفسخ، وقتل الصفات الايجابية الخلاقة.

وهكذا، فإن حجم أو معدل التراكم الرأسمالي لوحده لا يكفي لتفسير ظاهرتي البطالة والفقر، وإنما لابد من أخذ الخصائص المؤسسية للنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بالاعتبار، سواء عند توصيف الظاهرة أو عند البحث عن سبل مكافحتها.

في تطويره العميق لنظرية سميث وريكاردو اكتشف كارل ماركس القوانين الموضوعية للرأسمالية، مثل قانون التراكم، وقانون القيمة الزائدة، وقانون ميل معدل الربح العام إلى الانخفاض، وغيرها والتي تقود حتماً إلى تعاظم الثروة في يد القلة مما يجعل الكثرة عاجزة عن استهلاك ما أنتجته بسبب المحافظة على مستوى الأجور عند الحد الضروري للمعيشة، فتنفجر الأزمة، أزمة التصريف، عندما تتكدس القدرة الانتاجية غير القابلة للتغشيل والمنتجات غير القابلة للتصريف في جانب، ويتكدس البشر المنتجون في جيوس العاطلين عن العمل في الجانب الآخر، ويتحول بحث النظم الرأسمالية عن حل لأزمتها إلى خارج الحدود، وعلى حساب الآخرين، فيصبح هناك عالم ثان وعالم ثالث مستنزفان ويعيشان تحت الحصار والتهديد بصورة دائمة، وبإخراج العالم الثاني من المنافسة بقوى التخريب الداخلية، تحين الفرصة الذهبية للرأسمالية الاحتكارية، وبالأخص لقطبها الأكبر، الامبريالية الأمريكية، لتعلن «نهاية التاريخ». في شكل عولمة أمريكية، لكن مكر التاريخ يعود ليعلن أن كل نهاية هي في الوقت نفسه بداية لشيء جديد.

فالعولمة الأمريكية تلد نقيضها، العولمة الاجتماعية المضادة، التي بدأت تنظم صفوفها بإفشال اجتماعات قوى العولمة بدءاً من سياتل عام 1998، وتصعيداً في الحجم والقوة حتى اليوم.

ولئن كان الوطن العربي هو أقل مناطق العالم إحساساً بمخاطر هذه العولمة وتعبيراً عن مواجهتها، إلا أن صراعه مع الصهيونية وقوتها الضاربة اسرائيل المندمجين مع الطغمة العالمية الامبريالية اندماجاً عضوياً يجعل الأمة العربية في خندق المواجهة الأول، مما يدعونا إلى القول، بخلاف رؤيا الشاعر التركي ناظم حكمت، أن أسوأ الأيام هي الأيام التي لم نعشها بعد. وليس مبعث هذه الرؤيا اليأس والتشاؤم من إمكانيات الوطن العربي وطاقات الأمة العربية الهائلة بجميع المقاييس، وإنما المهمات التي تؤديها الأنظمة والطغم المهيمنة على حركة الجماهير العربية في إثقال الحياة العامة والخاصة بما يفوق الاحتمال من الكوارث والمعوقات والقيود، حتى أصبحت هذه الطغم المهيمنة، وقد مات فيها الإحساس بأي هم وطني أو أخلاقي تجاه بلدها، إنما تمثل مصالح الخارج في التعامل مع شعبها ولا تمثل مصالح شعبها في التعامل مع الخارج، مما يجعل جميع قراراتها وممارساتها تنتج نتائج ذات آثار سلبية ومدمرة على جميع نواحي الحياة في بلدها، من البيئة وحتى الاقتصاد والأمن الوطني ونوعية الحياة وشروطها الأساسية.

وبسبب من هذه الوظائف والأدوار التي تؤديها الطغم المحلية، ولإدراكها مقدار تناقضها مع طموحات ومطالب شعوبها، فقد أصبحت الحقوق والحريات الأساسية للمواطن خاصة وللشعب عامة حلماً دونه الأهوال، حتى بدت معارك التحرر من الاستعمار ومواجهة الامبريالية والصهيونية، على فظاعة هؤلاء جميعاً، أقل كلفة من سياسات وممارسات الطغم العربية المهيمنة، وأقل منها قدرة على اعاقة النهوض والتحرر والتقدم العربي، مما حرر الامبريالية والصهيونية من تكاليف المواجهة المباشرة مع الأمة العربية، هذه المواجهة التي أخذتها على عاتقها الطغم العربية، وبفعالية ووحشية تثاب عليها من الخارج كثيراً، من تقدير معنوي ومكافأة مادية وضمان أمني، بينما تلقي بأعبائها المادية المتزايدة بدون حدود على شعوبها، هذه الشعوب التي لم تعد تنتظر على يد هذه الطغم سوى المزيد من النهب والاستملاك والاحتكار والافقار والإعاقة والتهميش والتجهيل والتجويع، بل ولم تعد تسمع حتى الوعود الخلبية الكاذبة، والتي حل محلها الهجوم العلني الصريح على مقومات الوجود الأساسية، ودون خجل من أحد.

في حمى المواجهة بين الرأسمالية والاشتراكية، وعلى أثر الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية في الثلاثينات، تنطع مفكر رأسمالي بارز، وهو الاقتصادي الانكليزي جون مينرد كينز لمهمة انقاذ الرأسمالية، معترفاً أولاً، على خطى كارل ماركس، بأن أزمة الرأسمالية نابعة من داخلها، من عجز الطاقة الشرائية للجماهير عن تصريف الانتاج الكلي، واقترح تعويضاً لنقص الاستهلاك التمويل التضخمي، أي توسيع الانفاق الحكومي بالاصدار النقدي لتغطية عجز الميزانية العامة الناجم عن هذا التوسيع.

واستطاعت السياسات الاقتصادية القائمة على النظرية الكينزية تحقيق نمو وازدهار اقتصادي متواصل للرأسمالية الغربية على مدى ربع قرن بعد الحرب العالمية الثانية مما مكن هذه الأنظمة من استرضاء طبقتها العاملة بتأمين الضمانات الاجتماعية، وعلى رأسها الضمان ضد البطالة والفقر، وذلك لإبعاد شبح الشيوعية الذي سكن القرن العشرين بكامله. وأنتج التنافس الاقتصادي والرفاه الاجتماعي ثورة نوعية لم تكن هدفاً بحد ذاتها، وهي ثورة المعرفة، التي كشفت الأساس الذي يجعل فكرة المساواة الإنسانية حقيقة واقعة، وهو أن الخالق ساوى بين البشر مساواة مطلقة في أهم ما يميزهم نوعياً عن بقية الكائنات وهو عدد خلايا الدماغ، أداة انتاج المعرفة، ولتتأكد بذلك المسؤولية الذاتية للفرد أو للجماعة عن واقعها ومصيرها، وذلك بمقدار ما تستخدم من هذه الخلايا وبالكيفية التي تستخدمها والغايات التي تستهدفها من استخدامها. إن الفروقات بين الأفراد وبين الجماعات وبين الدول والأمم ستتحدد أكثر فأكثر في عصر المعرفة بهذه الثروة التي تساوى فيها البشر، والتي يعتبر من أهم انتاجاتها اكتشاف الشروط والسياسات التي تحقق المبدأ الاقتصادي البسيط: أفضل النتائج بأقل التكاليف، التكاليف المادية والمعنوية والزمنية. وأصبح من الممكن تصنيف الدول والحكومات والإدارات والجماعات والأفراد بين ثلاثة زمر: زمرة لا تستطيع، بسبب من تخلفها المصرفي، الإجابة على السؤال الاقتصادي البسيط أعلاه في مواجهة كل مهمة صغيرة أو كبيرة تواجهها، وزمرة تستطيع الإجابة الصحيحة عن السؤال وتعمل على هديها، وزمرة تعرف الإجابة الصحيحة وتعمل بعكس ما يتقضيه الحال منها، وهذه الزمرة خارجة على المألوف، خارقة لطبيعة الأمور، وببساطة هي زمرة خائنة، إذ أنها ليست ممن يجتهد بحسن نية فيخطئ، فله أجر، كالزمرة الأولى، وليست ممن يجتهد فيصيب فله أجران، كالزمرة الثانية، وإنما يعي ويعمل بعكس العلم والمنطق وبخلاف المصالح العامة للدولة والشعب، وأجره في كتاب محفوظ، خارج الحدود، ولن يأخذ منه شيئاً غير الخزي في الدنيا والآخرة، عندما إلى بارئه يعود!

* * *

ويقولون: فلان لا يحسن غير التنظير الفاشل البعيد عن الواقع والذي لا يقدم أية حلول، ولذلك عندما سمحنا له بالعودة إلى الجامعة وعرضنا عليه تولي مسؤوليات عملية رفض العودة والعرض معاً!!

وإنني اسمح لنفسي، باعتباري أجبرت وما زلت مكرهاً على التحول إلى عاطل عن العمل منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، أن أزج بهذه القضية في موضوع البطالة الذي نتحدث عنه، والتي لا يمكن الحديث عنها في ظروف مثل ظروفنا إلا بربطها بالسياق المؤسسي للنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. إن نسبة بطالة حقيقية بين الشباب تتراوح بين 25% و 50% وتتراوح بين 15 ـ 20% من مجمل قوة العمل وبالنظر إلى كونها تتصاعد منذ أكثر من عشرين عاماً دون أن تلقى أي محاولة جادة لتفهمها وإدراك أخطارها المدمرة التي تتفجر دورياً، وبالأحرى لوضع الخطط والسياسات العملية لمكافحتها، إنما تطرح أسئلة خطيرة تتطلب وبإلحاح إجابات عاجلة: لماذا وكيف سارت الأمور بهذا الاتجاه ووصلت إلى هذا الحد، ما هي القوى والمصالح التي تحكم مسار الأمور، ما هي النتائج المتوقعة منها، كيف يمكن استباق الأخطار المحتملة واصلاح المسارات غير المواتية، وبأية قوى وامكانيات واتجاهات؟

جواباً على الاتهام الشخصي أقول إنه لا فرق في الجوهر بين وضعيتي الشخصية والوضعية الاجتماعية العامة. فالوضعيتان هما نتيجتا قرار وسياسة واعية، الأولى قرار صرف من الخدمة لمواطن فرد والثانية سياسات صرف من الخدمة لجيل كامل أصبح يمثل الغالبية الساحقة من الشعب السوري، الذين ترتفع الأسوار بينهم وبين المشاركة في ملكية الوطن ومقدراته وإداراته وتقرير نوعية الحياة الحاضرة والمستقبلية على أرضه، مما أصبح حكراً على نسبة ضئيلة من السكان تعيش قطيعة وغربة كاملة عن شعبها وأرضها وأهلها السابقين.

ترى، لو كنت ممن ينظرون من خارج الواقع ولا يهتمون باكتشاف الحلول لمشكلات هذا الواقع هل كان هناك من دافع لإصدار قرار صرفي من الخدمة وللإصرار على التمسك به وعدم  إلغائه رغم خطورة ما يعنيه أن تقوم الحياة العامة على اللا مبدأ واللا قانون واللا دستور واللا قضاء؟

تبدأ إذن معالجة قضية البطالة والفقر بإعلاء المبادئ الأخلاقية العليا التي تأنف الفساد والهدر والابتذال والتخريب والانحلال، وبسيادة الدستور والقانون الضامنان للعدالة والمساواة، واحترام الحقوق العامة للدولة والشعب والحقوق الخاصة للمواطنين وتوفير شروط ازدهارها، والتوظيف الأمثل لجميع الامكانيات والطاقات في تحقيق التقدم والرفاه العام، وإزالة جميع أشكال التوظيفات المالية والبشرية التي تحد من حريات المواطنين، وتحويلها إلى توظيفات أخلاقية وطنية منتجة ومبدعة.

وبديهي أن معالجة من هذا النوع للبطالة والفقر تختلف عن مجرد توزيع «الإعاشة» بالبطاقة على المحتاجين، إنها تستدعي إحياء شاملاً للدولة والمجتمع والفرد وتصويباً لجميع الانحرافات التي غشت مختلف نواحي الحياة.

ولطالما أشرنا في محاضرات الثلاثاء الاقتصادي وفي المقالات إلى التشوهات والانحرافات الفاقعة، والتي لا يمكن إدراجها في باب اختلاف الرأي والاجتهادات، وإنما في باب الاصطدام مع المصالح الخاصة التي تصر أن لا تتحقق إلا على حساب المصالح العامة والإضرار بحركة النهوض الاقتصادي والاجتماعي.

ولم تناقش مشكلة في هذه الندوة إلا وطرحت حلول مممكنة عديدة لها. لكن المشكلات تتفاقم يوماً بعد يوم بسبب من كون الحلول المختارة والقرارات المتخذة بعيدة عن، بل نقيضة، أي حل صحيح، وعلى طول الخط!

والسبب هو في أن الحلول الصحيحة لا تحقق المصالح الخاصة لبعض أصحاب القرار، ولا ترضي القوى الخارجية الآمرة لهؤلاء. فالإصلاح يحتاج إلى مصلحين، ولكن إلى مصلحين يصلحون الأوضاع العامة وليس أوضاعهم الخاصة على حساب الأوضاع العامة، ومكافحة الفساد بحاجة فعلاً إلى «الأيدي النظيفة» التي تنظف الطريق أمام المواطنين للعمل والإنتاج وإحقاق الحقوق وليس التي «تنظف» جيوب المواطنين من ثمرات كفاحهم وتتمسك بحرمانهم من حقوقهم وحرياتهم الطبيعية والدستورية والقانونية.

خطة لمكافحة البطالة والفقر:

تتضمن خطة مكافحة البطالة والفقر، برأينا، ما يلي:

1 ـ جرد وصيانة ما تبقى من الأملاك والأموال العامة ووقف الاعتداء المتصاعد عليها. ونقدر أن نصف الأملاك والأموال العامة قد انتهبت حتى الآن، ويتسارع استملاك ما تبقى منها.

2 ـ البحث عن الموارد الضائعة والمضيعة، وبالطبع ليس عند من يقل دخلهم عن الحد الضروري للمعيشة الذين يجب أن تتلزم لهم الدولة بهذا الحد، كما بتأمين العمل المناسب، وإنما تلك الضائعة والمضيعة على أيدي وعند من امتهنوا إدارة الضياع على مدى عشرات السنين. ونعيد التذكير ببعض الموارد الضائعة والمضيعة والتي تحدثنا وحاضرنا وكتبنا ونشرنا عنها عشرات المرات، ولسنا نحن فقط بل نخبة واسعة واعية وعالية الهمة والغاية من المخلصين:

آ ـ وقف التهريب الذي يجبر القائمون عليه الشعب السوري على تمويل أعدائه بمليارات الدولارات سنوياً، ومن أخطر هذه المهربات التبغ المسرطن، ونستطيع أن نوفر للميزانية الحكومية وللاقتصاد الوطني من هذا الباب ما يزيد عن ملياري دولار أميركي (100 مليار ليرة سورية) سنوياً تذهب الآن إلى جيوب الأعداء الخارجيين وشركائهم المحليين.

ب ـ تنقية العمل الإداري والمالي من الذين يؤدون عكس المهام المناطة بهم. ولسنا بحاجة إلى تكرار ما فصلنا فيه كثيراً من الثغرات المصطنعة والمفصلة لتكون أبواباً لمختلف أنواع الفساد، الذي أصبح شاملاً، أفقياً وعمودياً، حتى أصبح بالإمكان الحديث عن وجود نظام كامل لـ «تبييض الفساد» ليجعل منه نظام الحياة الطبيعي الذي يصبح كل خارج عنه شذوذاً منبوذاً.

لقد أصبح الأقوى والأكثر رسوخاً وثباتاً في كل مفاصل العمل الإداري والمالي والجمركي... إلخ هم الأكثر ضلوعاً والأكبر حصيلة والأشد تنظيماً في الفساد، حتى أصبح من السخرية الحديث عن مكافحة الفساد بأدوات البيروقراطية الفاسدة، وإنما الوسيلة الوحيدة هي إطلاق القوى الاجتماعية المناهضة للفساد وتمكينها من وسائل التعبئة العامة في حصاره ومواجهته.

وكنت قبل عدة سنوات قد قدرت حصيلة الفساد والعطالة المفتعلة بجميع أشكالها بـ 25% من الدخل القومي [1] . إلا أنني، من كثرة اتصالي بالواقع المعاش، والكشف اليومي عن الذين يمارسون الفساد وضحاياهم، يتأكد لي يوماً بعد يوم أن النسبة السابقة تتصاعد بمعدلات مخيفة، بحيث أن حصيلة الفساد تتضاعف ما بين التوزيع الأولي والتوزيع الثانوي والتوزيع الثالثي... إلخ مع اتساع وتزايد حلقات دوائر الفساد وإحكام قبضتها على البلاد والاقتصاد والعباد. وهذا النوع من «الريع المركزي» يحرم التراكم الإنتاجي سواء في رأس المال أو في التنمية البشرية، بتقديرنا، من حوالي نصف الدخل القومي، الذي يذهب إلى الطبقات الطفيلية فيضيع على الاقتصاد الوطني وعلى ميزانية الدولة والقطاع العام والمواطنين كمنتجين وكمستهلكين، كمستثمرين انتاجيين وكأصحاب قوة عمل، ويجعل الدولة والنظام الاجتماعي في أدنى درجات الأمان.

إن التكاليف غير المباشرة للفساد من نوع الفرص الضائعة والانحلال والتفسخ وتهميش القوانين والمبادئ والأخلاق التي تقدر العلم والعمل وأصحابهما تعادل عشرات أضعاف حصيلته المالية المباشرة. والأخطر من ذلك كله آثاره على الأمن الوطني ومستقبل الأجيال، وهو ما أصبح نادراً ما يأتي على بال الغارقين في الفساد، الذين فقدوا البصر والبصيرة، وأصبحوا منذ زمن طويل يعيشون على حاسة الشم، شم النقود، وليس النسيم طبعاً!

جـ ـ وقف التخصيص الضمني الذي يتمثل بتجريف الأموال والثروات من خزائن القطاع العام، سواء بشكل «رسمي» ولكن مخالف لأصول الإدارة الاقتصادية، مثل التخصيص المجاني للأعمال المصرفية والبريد والهاتف وجزء كبير من التجارة الخارجية... إلخ، أو بشكل غير رسمي من خلال انتقاء الإدارات من نوعية محددة وتغطيتها بالقوانين والقرارات والأوامر والتوجيهات التي تجعلها تسرع عملية تسليم وظائف الدولة والقطاع العام إلى جهات مختارة ومجاناً، إما بشكل «تآمري» أو بشكل «تعاقدي» ومنذ محاضرتي في ندوة الثلاثاء عام 1986 عن «القطاع العام ودوره في التنمية» وحتى اليوم ونحن نتحدث عن مختلف أشكال التخصيص الضمني المجاني الذي إذا لم يوقف لن يترك القطاع العام والدولة إلا جثة هامدة، وهو ما يتسارع يوماً بعد يوم.

د ـ إخضاع جميع الميزانيات والحسابات إلى رقابة مستقلة وشفافية، بدءاً من ميزانية الدولة ونفقاتها الاستثمارية والجارية وحتى ميزانيات وحسابات مؤسسات ومصارف القطاع العام، يقوم بهذه الوظيفة ديوان للمحاسبة العامة غير خاضع للسلطة التنفيذية، وتقوم الجمعيات العمومية للعاملين في المؤسسات بالانتخاب الحر لممثليها في مجالس الإدارة وفي مناقشة خطط الإدارة وتنفيذها. ويجري نشر نتائج الحسابات وتقارير المحاسبة بصورة منتظمة في حينها، وتتاح الأرقام الفعلية للميزانيات العامة وليس فقط الأرقام التقديرية وسنة بسنة وليس بفاصل خمس سنوات!! أما المؤشرات المالية والنقدية والاجتماعية فيجب أن تنتشر دورياً وأولاً بأول كما في دول العالم المتمدنة.

وقبل أن يشاغلنا البعض في مدى دقة التقديرات، نقول؛ عليكم أن تبرهنوا على عدم دقة الأرقام بأرقام مبررة. وعلى سبيل المثال نقول: إن كل صاحب أجر أو راتب في سورية قد تعرض إلى سرقة ثلثي القيمة الحقيقية لدخله، بقوة السياسات والقرارات والممارسات الحكومية والبيروقراطية والفساد. فإذا حسبنا حصيلة هذه السرقة المكشوفة على مدى سنوات طويلة لاكتشفنا أنها لوحدها كافية لترقية مجتمعنا ومواطننا إلى مصاف العديد من الدول المتقدمة، وإذا حسبنا كم تخسر الميزانية العامة والاقتصاد الوطني من حصيلة السياسات والممارسات الواعية للقائمين على إدارتهما أو غض النظر عن الممارسات الجارية وحمايتها، فإننا تقول بكل ثقة، كما أكدنا ذلك مراراً في السابق بأن ميزانية الدولة والدخل القومي يجب أن يكونا الآن، ببساطة، أكبر بـ 2 ـ 3 مرة من حجمهما الراهن، وإنه بالإمكان  الوصول إلى هذا الحجم بواسطة خطة تنفذ على ثلاث سنوات تقوم على صيانة الأملاك والحقوق العامة وحسن إدارتها واستثمارها، ذلك أن الحجم الراهن للدخل القومي والميزانية الحكومية والموجودات المصرفية وخزائن القطاع العام ومستوى الدخل الفردي للمواطن مختزل ومنتقص إلى حد كبير لا يحتمل.

إن إدارة عامة من نوع جديد في جميع المواقع تضع هدفها وخطة عملها تحقيق الاصلاحات أعلاه تستطيع نقل سورية خلال سنوات قليلة إلى مواقع متقدمة. إلا أن تأخير قيام مثل هذه الإدارة سيزيد من استحالة عملية الإصلاح مستقبلاً، ليستمر وضع البلاد المادي، والمعنوي وأمنها الوطني والاجتماعي بالتقهقر عاماً بعد عام، ولن ينفع الإعلام المضلل والأرقام المزورة المتسخدمان لطمس الوقائع الحقيقية، سوى في إطالة عمر الركود والفساد المستشريين، وتسريع الانهيار الشامل.

فلو أعدنا للدولة ومؤسساتها أملاكها وحقوقها المستلبة وأصلحنا الإدارة العامة والقانون والقضاء والإعلام، وأحيينا السلطات العامة التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلامية، ووضعنا أصحاب الكفاءات والخبرات في المواقع المناسبة لهم، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية والأمنية، ليحسنوا استثمار الموارد العامة، لأمكن بهذه الطاقات والامكانيات المتنامية مضاعفة الاستثمار والانتاج الوطني والتصدير وعدد المشتغلين في الاقتصاد الوطني ومضاعفة المداخيل الفردية، والاستغناء عن الاستجداء وانتظار الصدقات والمعونات والقروض التي تضاعف تكاليف المشروعات وتضاعف الزمن المتوقع لإنجازها.

محاربة البطالة والفقر بسياسة مضادة للركود:

منذ الاجتماع الأول، وعلى مدى الاجتماعات المتتالية، للجنة التي اجتمعت بدعوة من السيد وزير التخطيط قبل حوالي عام مضى، من أجل دراسة مشكلة البطالة في سورية ووضع برنامج لمكافحتها، كنت أؤكد على ما يذكر الزملاء أعضاء اللجنة ومن بينهم الدكتور رزق الله هيلان والدكتور نبيل مرزوق، أن الإجراء الأكثر فعالية في مكافحة البطالة، وبالأحرى الفقر، هو وضع خطة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق أهدافها باستخدام الأدوات المالية والنقدية والتسليفية، والاصلاحات التشريعية والإدارية، وإعادة توزيع الدخل القومي، والتنمية البشرية والتطوير العلمي ـ التقاني في فروع الاقتصاد كافة، وأنه لا يمكن لأي برنامج طوارئ إسعافي أو إنقاذي أن يحل مشكلة البطالة بإجراءات جزئية أو قطاعية.

فأي مكافحة للبطالة يستطيع تحقيقها، مثلاً، برنامج لانفاق بضعة مليارات من الليرات السورية لتوفير فرص العمل لبضة آلاف من العمال بشكل مؤقت، بينما يقل الاتفاق الحكومي الاستثماري الفعلي عن الانفاق المقدر بمبلغ يعادل أضعاف ما يتوفر لمشروع مكافحة البطالة سنوياً.

وللعودة إلى استكشاف سياسات التثبيت أو التكيف الهيكلي المطبقة دون إعلان في سورية ولتحديد مسؤوليتها عن ظاهرتي البطالة والفقر، سنحاول قراءة بعض الأرقام المالية والنقدية ـ التسليفية.

جدول رقم (1)

المبالغ بمليارات الليرات

مجموع الودائع الحكومية وودائع القطاع العام والموجودات الأجنبية

(10)

الموجودات الأجنبية

مجموع الودائع الحكومية وودائع القطاع العام

(6)

ودائع القطاع العام لدى المصارف

الودائع الحكومية

(3)

النقد المتداول خارج المصارف

(2)

الناتج المحلي الإجمالي

(1)

السنة

مجموع

(9)

لدى المصارف

المتخصصة

(8)

لدى المركزي

(7)

لدى المصارف المتخصصة

(5)

لدى المركزي

(4)

273

136

112

24

137

34

4.5

99

126

ـ

1993

330

156

127

29

174

39

3

132

135

ـ

1994

399

187

150

37

212

45

3

164

144

571

1995

511

232

181

51

279

51

6

222

153

691

1996

609

274

222

52

335

60

7

268

160

746

1997

654

311

256

55

343

63

6

284

178

790

1998

776

353

286

67

423

86

9

238

182

821

1999

856

402

325

77

454

84

5

365

173.5

؟

حزيران 2000

جدول رقم (2)

المبالغ بمليارات الليرات

الديون الممنوحة إلى المصارف المتخصصة

(11)

الديون الممنوحة إلى المؤسسات العامة الاقتصادية غير المالية

(10)

الايرادات في الموازنة التقديرية

الاستلاف من المركزي

صافي الديون الممنوحة إلى الدولة في العام

(5)

تزايد الموجودات الأجنبية في المركزي والمصارف المتخصصة

(4)

تزايد الودائع الحكومية

تزايد الودائع الحكومية وودائع القطاع العام والموجودات الأجنبية

(1)

السنة

تزايد سنوي

(9)

إجمالي

(8)

قطاع عام غير مالي

(7)

مصارف متخصصة

(6)

منها في المصرف المركزي

(3)

إجمالي

(2)

112

147

؟

188

6.8

15.2

- 15.7

45

57.2

58

112

1996

127

165

23

211

17.4

37.00

- 16.1

42

42.5

46

98

1997

135

161

26

237

- 3.8

- 1.6

- 4.2

37

15.5

16

45

1998

165

180

18

255

19.3

14.6

- 34.4

42

41.7

44

122

1999

           

- 48.3

     

من حزيران 1999 إلى حزيران 200


جدول رقم (3)

(المبالغ بمليارات الليرات السورية)

الناتج المحلي الصافي بتكلفة عوامل الإنتاج بأسعار 1995 الثابتة

اهتلاك رأس المال

مجمل تكوين رأس المال الثابت

الميزان التجاري

السنة

واردات

صادرات

بأسعار 1995 الثابتة

بالأسعار الجارية

بأسعار 1995 الثابتة

بالأسعار الجارية

بسعر صرف السوق

بسعر الصرف الرسمي

بسعر صرف السوق

بسعر الصرف الرسمي

490

20

20

155

155

 

52.8

 

44.5

1995

540

23

26

155

163

 

60.4

 

44.9

1996

551

24

30

147

155

 

45.00

 

44.00

1997

621

25

32

152

162

164

43.7

155

32.5

1998

599

25

34

148

154

175

43.00

186

39.00

1999

قراءات في أرقام الجداول (1) و(2) و(3):

1 ـ في الجدول (1) بلغت نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية ما بين 1995 ـ 1999، 44% مقابل نسبة نمو في النقد المتداول خارج المصارف لنفس الفترة 26% وبما أنه لم يحدث تغير يذكر في نصيب النقود الجاهزة في الكتلة النقدية، أي أن انخفاض نسبة نمو النقود عن نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي لم يعوض بتداول الشكات، فإن الفراق الكبير بين النسبتين يفسر أزمة السيولة والانقباض النقدي وحالة الركود الاقتصادي، بل ويؤكد على كونه أحد مسبباتها، وما يتولد عنها أيضاً من بطالة وفقر ونتائج أخرى.

2 ـ في الجدول رقم (1): بلغت نسبة الودائع الحكومية خلال السنوات 1995 ـ 1999، 100% وذلك مقابل نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 44%، أي أن الودائع الحكومية كانت تنمو بمعدل يزيد عن ضعف معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي.

وفي الجدول (2) يظهر أثر ذلك على شكل فائض سنوي في ودائع الدولة عن ديونها بلغ خلال أربع سنوات (1996 ـ 1999)  70.4 مليار ل.س، بما يزيد سنوياً بالمتوسط عن 18.5 مليار ل.س، أي بمعدل 4 مليار ل.س شهرياً. وقد بلغ مجموع تزايد الودائع الحكومية خلال الفترة 1996 ـ 1999 مقدار 164 مليار ل.س، أي بحوالي 3.5 مليار ل.س شهرياً بالمتوسط‍!.

وإذا أخذنا مجموع ودائع الدولة وودائع القطاع العام في المصارف بلغت عام 1999 ما يزيد عن 51% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية لنفس العام، أي أنها كانت تنمو بمعدل يقارب ثماينة أضعاف نمو الناتج المحلي الإجمالي.

وإن الودائع الحكومية لوحدها بلغت 365 مليار ل.س في حزيران 2000، وقد تكون أصبحت لوحدها الآن حوالي نصف الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يزيد عن 400 مليار ل.س!!.

فإذا أضفنا أن الموجودات الأجنبية للمصرف المركزي والمصارف المتخصصة سايرت في نموها الودائع الحكومية وودائع القطاع العام، إذا ارتفعت أيضاً من 136 مليار عام 1995 إلى 402 مليار في حزيران 2000.

أي أنها كانت تنمو بمعدل يبلغ حوالي ستة أضعاف معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، إذ تضاعفت ثلاث مرات إلا ثلث تقريباً خلال الفترة 1995 ـ 1999، مقابل 44% للناتج المحلي الإجمالي، فإننا قد وضعنا إصبعنا على الحقيقة وهي أن أزمة البطالة والفقر والركود ليس لها ما يبررها في الاقتصاد الوطني وأنها مفتعلة بشكل واعٍ وهادف!.

3 ـ إن الناتج المحلي الصافي بتكلفة عوامل الإنتاج بأسعار 1995 الثابتة (جدول رقم 3، عمود 9) يظهر معدل نمو سالب عام 1999 مقارنة بالعام السابق، إذ بلغ 599 مليار ل.س لعام 99 مقابل 621 مليار لعام 1998، وهو تغير سلبي كبير وخطير.

4 ـ إن مجمل تكوين رأس المال الثابت واهتلاك رأس المال الثابت بأسعار 1995 الثابتة يظهر ميلاً إلى الانخفاض على مدى السنوات 1995 ـ 1999، إذ بلغ عام 1999 مجمل تكوين رأس المال الثابت 148 مليار ل.س مقابل 155 مليار ل.س عام 1999، ويعكس هذا الرقم عدم توسع، بل ضمور القاعدة المادية ـ التكنولوجية للإنتاج الوطني مما يعني اهتلاكها نسبياً نظراً لضعف تجديدها.

5 ـ يظهر الميزان التجاري في جانبي الصادرات والواردات انخفاضاً ملموساً، من 44.5 مليار ل.س للصادرات عام 1995 إلى 32.5 مليار ل.س ثم 39 مليار عامي 1998 و1996 على التوالي، ومن 52.8 مليار ل.س إلى 60.4 مليار ل.س عامي 1995 و 1996 على التوالي، إلى 43.00 مليار ل.س عام 1999، وبأسعار الصرف المثقلة تصبح الصادرات عام 1999 (186) مليار ل.س والواردات (175) مليار ل.س، بحيث يظهر الميزان التجاري فائضاً بمقدار 9 مليار ل.س. ويعود ذلك إلى ارتفاع أسعار الصادرات النفطية، من جهة، وإلى انخفاض الواردات بسبب الكود الاقتصادي وانخفاض الدخل الفردي والاستهلاك والطلب، من جهة أخرى، ولتزايد مشاركة التهريب في الاستيراد، نظراً للعجز عن إصلاح نظام التجارة الخارجية والنظام الجمركي والضريبي، رغم ضغوطات اتفاقات التجارة الحرة وآثارها المهمة، إذا لم يتم الاصلاح على الاقتصاد الوطني.

وإذا أخذنا صادرات القطن فقد انخفضت قيمتها من 2.2 مليار ل.س عام 1994 إلى 1.750 مليار ل.س عام 1999، وانخفضت صادرات الغزول والأنسجة من 6.2 مليار ل.س إلى 2.8 مليار ل.س في الفترة نفسها، وأما مستوردات الآلات والأجهزة، فقد انخفضت من 11.3 مليار ل.س عام 1994 إلى 5.6 مليار عام 1999.

أما المستوردات الضرورية للصناعة، مثلاً فقد انخفضت (بأسعار الصرف الرسمية) من 29.4 مليار ل.س عام 1996 إلى 21.3 مليار ل.س عام 1999، وانخفضت وسائل النقل المستوردة وأدواتها من 7 إلى 5 مليارات ل.س خلال الفترة.

وأما عدد رخص البناء السكني فقد انخفضت من 7.4 ألف رخصة إلى 5.1 ألف رخصة، وانخفضت مساهمتها الطابقية من 2 مليون متر مربع إلى 1.5 مليون متر مربع.

أما عدد المستغلين في القطاع العام للصناعة التحويلية فيميل إلى الثبات، إذ بلغ 104.2 ألف مستغل عام 1997، و104.6 ألف مشتغل عام 1999، وارتفعت أجورهم من 10.3 مليار ل.س إلى 11 مليار ل.س فقط.

تؤكد جميع الأرقام على وقوع الاقتصاد في أزمة ركود شديد وتفسر تضخم البطالة بالأرقام المطلقة للعاطلين عن العمل وبالنسبة المئوية إلى مجموع قوة العمل.

والسؤال الهام:

ما هي طبيعة العلاقة بين الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وبين السياسات الاقتصادية المتبعة؟. هل هذه العلاقة هي مخططة ومدروسة مسبقاً ومحددة الأهداف والوسائل، أم أن هذه المؤشرات المالية والنقدية والتجارية وغيرها. تحققت هكذا بصورة عفوية وعشوائية؟.

فإذا كانت قد تحققت بشكل واع ومستهدف، وهو ما لا يمكن نكرانه، فما هي الحكمة والغاية منها بل ما هي الدوافع إلى اتباع سياسة انقباض نقدي ووفرة غير طبيعية من الأموال في حساب الدولة داخلياً وفي المصارف الخارجية واستناداً لأي نظرية أو اقتداء بأي تجربة جرى اختيار هذه السياسة «التنموية»؟.

وما هي الغايات من سياسات التسعير الزراعي وسياسات أسعار الصرف المتعددة وفروقات الأسعار ومختلف الثغرات التسعيرية المصطنعة التي يتسرب ويشفط من خلالها عشرات مليارات الليرات السورية ومئات ملايين الدولارات سنوياً، وليحول الدين العام المتراكم منذ الاستقلال وحتى اليوم عن كتف وزارة المالية إلى كتف القطاع العام بجناحيه: المصارف المتخصصة وقد بلغت مديونيتها 165 مليار ل.س عام 1999، والمؤسسات العامة الاقتصادية غير المالية وقد بلغت مديونيتها للمصارف 180 مليار ل.س نهاية عام 1999؟.

وهكذا فقد بلغ مجموع ودائع الدولة 365 مليار ل.س مقابل ديون على المصارف والمؤسسات العامة غير المالية 345 مليار ل.س، فهل من باب الصدفة أن يتطابق حساب ودائع وزارة المالية في المصرف المركزي مع حساب مديونية القطاع العام، أم أن مثل هذا التطابق لا يمكن أن يحصل إلا بشكل مخطط وبمتابعة يومية حثيثة، لتنفيذ الخطة؟. ولماذا يكون التخطيط بالغ النجاح والإحكام في هذه السياسة تحديداً بينما تنجح الحكومة في تحطيم التخطيط على جميع المسارات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى، حيثما يكون بالغ الضرورة.

ألا نجد هنا تفسيراً، إذن لاستمرار إصرار القيادة الاقتصادية على عدم سماع الأصوات التي تشير إلى الاختلالات المصطنعة التي لا يمكن لأي عقل اقتصادي أو حتى لا  اقتصادي، تفهمها وقبول وقوعها وبالأحرى استمرارها، حتى يجري تمرير قانون في غفلة برلمانية في 31/12/2000 ينص على استخدام 66 مليار من الاحتياطي من أجل سد مديونية بضعة مؤسسات عامة هذه المديونية التي تكدست بنتيجة التسعير اللااقتصادي وبنتيجة الثغرات المفتعلة لتمرير وتغطية فساد وانعدام الإدارة الاقتصادية وعمليات نهب المال العام، ولأية مؤسسات؟! إنها مؤسسات الذهب الأبيض والذهب الأسود! وما تزال هناك ثغرات نشأت وتضخمت بتخطيط وإصرار وتحت عين الشمس وعلى مدى سنوات طويلة دون أن تلحظ خطورتها أعين الإدارة الاقتصادية الذكية. وهل من أجل تغطية بقية عجوزات وخسائر النهب للمؤسسات الأخرى والمقدرة بمئات مليارات الليرات السورية يجري تجميع الأموال في حساب ودائع الدولة، ويجري تهوين المسألة وكأنها «من العب إلى الجيب»، بينما هي في جوهرها «من عب الدولة والشعب، إلى جيوب مخططي وأساطين الفساد»، هذه الجيوب التي ما تفتأ تقول: هل من مزيد؟!.

ومن أجل ماذا استمر الإصرار سنوات طويلة على عدم تسوية الديون الخارجية وعلى رفض عروض بالغة الإغراء لتسويتها وذلك حتى «تنجح» الإدارة الاقتصادية هذا «النجاح المنقطع النظير» في تكديس مليارات الدولارات وبثمن غال جداً وهو حرمان البلاد والمجتمع من حقوقهما في التوظيف الأمثل لثرواتهما في التنمية الاقتصادية والبشرية ووقف مسيرة التقدم سنوات طويلة، ثم تبدأ عملية تسديد الديون بأضعاف قيمة العروض السابقة؟. فما الحكمة، ولمصلحة من، كانت هذه السياسة؟.

وهل هناك ما يفرح الخارج والمؤسسات الدولية أكثر من قيام إدارات البلدان الأخرى بإهدائهم ثروات شعوبها مجاناً؟.

إن تكوين الاحتياطيات الداخلية والخارجية مؤشر نجاح وعامل قوة بدون شك، ولكن فقط إذا كانت الخيار الأفضل بين جميع الخيارات وليس الخيار الذي يتحقق على حساب الخيارات الأساسية الأفضل والأجدى.

وبالتالي لا يمكن التفاخر بهذا الإنجاز بعد معرفة الفرص الضائعة والمضيعة التي دفعت ثمناً له ومعرفة المصالح الخاصة التي تحققت من خلاله على حساب المصالح العامة. وقد أشرنا إلى الكثير من هذه المصالح في مناسبات عديدة سابقة.

فإذا أضفنا إلى ذلك الموجودات المصرفية المضيعة في تسليفات فاسدة وتوزعتها الطغم المهينة وشركاؤها والتي لا نتوقع أن تظهرها الجهات الرسمية على هذا القطاع من تلقاء نفسها وهي التي تستمر في عمليات التوزيع غير المأمونة بـ «توجيهات» من هنا وهناك، والتي ستستفيد من قانون السرية المصرفية الذي سيطبق في بلادنا معكوساً، بحيث ليست حسابات المواطنين العاديين هي التي ستحجب عن أعين السلطات كما هي الغاية من أي سرية مصرفية عادة، بل حسابات «المواطنين غير العاديين» هي التي ستحجب عن أعين المواطنين «الفضوليين» ويمنع الوصول إليها والتساؤل عن مصادر «إنتاجها»، وهو الأمر الذي يجعل هذه السرية في التطبيق نوعاً خاصاً من «تبييض الأموال» مما يحفز الذين «بيضوا» ضمائرهم ونظاراتهم، وراء أموالهم الحرام، باتهام أمثالنا بأننا أصحاب «النظارات السوداء»، فقط لأننا لا نثمن، كما يجب، «فضائلهم الناصعة البياض» على الشعب والوطن!.

إننا نشهد عملية تكثيف وتسريع إجراءات وممارسات تودي للإجهاز على ما تبقى من الثروات العامة وأموال وحقوق المواطنين، ولأن ذلك لا يخدم ولا يسر إلا الأعداء فإننا ندعو إلى إصلاح شامل وعميق، يضع مهمة الاصلاح في أيدي من يمثلون مصالح الشعب والوطن، المتضررين من استمرار التجاوزات في كل مكان على المصالح العامة وعلى الدستور والقانون وحقوق المواطنين، ويحررها من أيدي من لا يرون في الوطن والشعب إلا مزارع خاصة لأسياد العبيد والإقطاعيين الجدد، الذين أصبحوا قدماء جداً جداً في هذا العصرّ.

بذلك وحده، وليس بأي مشروع مجتزأ لمكافحة البطالة، غير قابل للتطبيق في الظروف القائمة، نكافح البطالة والفقر، وجميع آفات سياسات العولمة وشركائها، وندخل في عصر العولمة بثقة كاملة، لا كأفراد على حساب تخليف دولتهم وشعبهم، بل كدولة وشعب بكامل مكوناتهما وقواهما العصرية الحية.

 

د. عارف دليلة

* ألقيت هذه المحاضرة في ندوة الثلاثاء الاقتصادية عام 2001 وتعيد (الجمل) نشرها ـ كما باقي محاضرات وأبحاث الدكتور دليلة ـ لأهميتها المتجددة.

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...