التوجه الطائفي للبابا بنيديكت السادس عشر

07-10-2007

التوجه الطائفي للبابا بنيديكت السادس عشر

يشهد العالم اليوم فراغا جليا جراء انعدام العقلانية السياسية والاقتصادية والأزمة المتفشية بين الأديان، وهى منبع الأخلاقية والأمل. فقد أصبحت غالبية الأديان ملوثة بوباء الأصولية، التى غالبا ما تعد منطلقا للإرهاب.

أصاب عالم اللاهوت هانز كونغ، الذي انكب أكثر من غيره فى الأعوام الأخيرة على دراسة المغزى السياسي والأخلاقي للأديان، أصاب عندما أجزم بأنه لا يمكن إقرار السلام دون سلام ديني مسبق، ولا يمكن التوصل إلى السلام الديني دون حوار بين الأديان، ولا يمكن للحوار أن يكون فعالا إلا إذا ما دار حول النقاط المشتركة.

والواقع أن مسعى البحث عن السلام الديني لا يحظى بالتعاون الضروري من أكثر أطرافه كما، أي الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. فقد كشفت الأعوام الأخيرة النقاب عن توجهات انغلاقية متعاظمة تبلغ بوضوح حد الأصولية كما يستدل عليه من خطابات البابا بنيديكت السادس عشر.

يقود البابا الكنيسة الكاثوليكية فى مسار خطير أثار انتقادات قاسية لا من جانب علماء الكهنوت فحسب بل أيضا من قبل كاردينالات، وأساقفة فرنسيين، ومجموعات من الأساقفة الألمان بل وحتى من أساقفة ايطاليين، وكذلك زعماء ديانات أخرى ومنظمات كنائسية عالمية. ويعرف عن البابا الحالي أنه منذ عهده ككاردينال، عامل بقسوة الجماعات التقدمية وعلماء اللاهوت التحرريين، مقابل الرقة والنعومة مع المحافظين والتقليديين وأولياء الأسقف ليفير الذي تحدى كنيسة روما التى حرمته وأوقفت حقوق عضويته فى الكنيسة، واستمر فى مباركة القسس الجدد.

فانتهى الفاتيكان بالانصياع لحلقاته اللاهوتية التى تروج للممارسات التقليدية، بل ولبى البابا واحدة من كبرى مطالبه، أي العودة إلى الصلوات باللاتينية حسب مجلس ترينتو (1545-1563)، بكل ما ينطوي عليه ذلك من تقييد التواصل نتيجة استخدام لغة ميتة ومعروفة لدى صفوة القوم دون غيرهم.

لكنه وقع بعد هذا ما هو أدهى من ذلك، على صورة مطبوع يجيب على خمسة أسئلة متعلقة بالكنيسة، من إعداد لجنة الكرادلة المعنية بمذهب العقيدة وبموافقة البابا.

يكرر المطبوع ما شدد عليه البابا الحالي عندما كان كاردينالا، فى 2000، فى وثقة "دومينوس جيسوس": أي أن كنيسة المسيح الوحيدة هي الكنيسة الكاثوليكية ولا خلاص خارجها.

أما "الكنائس" الأخرى فهي تقتصر على "عناصر كنسية"، وأما الكنيسة الأرثوذكسية، التى وصفها البابا السابق يوحنا بولس الثاني بأنها الرئة الثانية للكاثوليكية، فقد نزل البابا الحالي من قدرها لمرتبة كنيسة خاصة.

هذه المواقف تخلقا إحباطا ومرارة، ومناخا غير موات للسعي من أجل السلام.

وهكذا ترتسم معالم طائفة كبيرة تكتسبها الكنيسة الكاثوليكية. ويجدر التذكير بأن المسيحية سميت بالطائفة فى بدايتها، باعتبارها جماعة مشتقة عن اليهودية. وهكذا كان مفهوم الطائفة هذا محايدا، المقصود به جماعة مختلفة عن الغالبية.

ولما طرأت فيما بعد النزاعات بين العقائد، اكتسب مصطلح طائفة أبعادا سلبية كما اتضح من رسائل القديس بطرس التى تحدث فيها عن "طوائف خبيثة" منغلقة على ذاتها ومستثنية لغيرها.

وهذا هو الخطر الذي يهدد الآن الكنيسة الكاثوليكية، التى تزداد انعزالا يوما بعد يوم، وتكمن قاعدتها الاجتماعية الأساسية فى جماعات علمانية تتصف بالخضوع إلى السلطة وإطاعة المنطق السوقي وعدم مواجهة مشاكل الفقر والظلم.

كنيسة تتصرف كطائفة، وفقا لكتاب تقليدين مثل تروليتش وويبر، فى وقت تزعم فيه حيازتها المطلقة للحقيقية وترفض فيه الحوار.

وكأدلة على هذه الطائفية، عدم توقيعها على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فى 1948 لأنه لا يذكر كلمة الله، ورفضها المشاركة فى مجلس الكنائس العالمي لاعتبارها فوق غيرها من الكنائس.

ولنفس السبب أيضا، رفضها الدعوة إلى عقد مجمع مسيحي عالمي للسعي إلى السلام فى العالم، ناهيك عن رفضها شراء بطاقات منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة "يونيسيف" بحجة أنها تشجع على استخدام الذكور وسائل وقاء الحمل.

تعتبر الإستراتيجية المذهبية للبابا بنيديكت السادس عشر صداما مع الحداثة فى تشاؤم ثقافي غير مقبول فى من ينبغي أن يدرك أن "الروح" تكمن فى البشرية وليست حكرا على الكنيسة. لن يكون من المدهش إذن أن يسعى بعض المحافظين الأكثر تشددا، بتشجيع من سلوك البابا الحالي، إلى انشقاق فى صلب الكنيسة، ففي القرن الرابع كانت غالبية الأساقفة تمارس كفر الاريانية. فكان العلمانيون هم من أنقذوا الكنسية بإشهارهم أن المسيح هو ابن الله.

لقد أصبح من العاجل الملح تحديث ذلك التاريخ نظرا للضيق الذهني والفراغ اللاهوتي السائدين فى طبقات الفاتيكان العليا.

المصدر: آي بي أس

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...