الجمعية العامة للأمم المتحدة : ملفات كثيرة ... للنسيان

22-09-2008

الجمعية العامة للأمم المتحدة : ملفات كثيرة ... للنسيان

لعل أهم ما يميز الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، الذي يبدأ رسمياً غداً، أنه سيكون الأخير الذي يحضره الرئيس الأميركي جورج بوش بعد ثماني سنوات سببت خلالها سياسته الكثير من الاضطرابات، وقلبت المعادلات في أرجاء مختلفة من العالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط من خلال ما يسمى بـ»الحرب على الإرهاب« وغزوه للعراق.
وبدأ الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الاستعداد لاجتماع هذا العام بعقد سلسلة من اللقاءات، أمس، مع عدد من الرؤساء ووزراء الخارجية لطرح أهم القضايا التي من المتوقع أن تتصدر جدول الأعمال، وعلى رأسها ملف إيران النووي وإقليم دارفور وعملية السلام في الشرق الأوسط، والحرب الأخيرة بين روسيا وجورجيا، إلى جانب القضايا العامة التي عادة ما تطرح في الاجتماعات السنوية للجمعية العامة، من قبيل التنمية في أفريقيا ومكافحة الفقر وأزمة الغذاء العالمي وقضية تغير المناخ.
ومن المعروف أن بوش، ورغم أنه ممثل الدولة المضيفة لقادة العالم ورؤساء الحكومات الذين يتدفقون على نيويورك كل عام، لا يحب هذا المبنى كثيراً، ولا مَن فيه لأنهم يمثلون نقيض ما يؤمن به من ضرورة انفراد الولايات المتحدة باتخاذ القرار، بغض النظر عن أية قوانين أو مواثيق دولية. فبالنسبة لبوش وأتباعه من المحافظين الجدد، فإن الأمم المتحدة هي مجرد مؤسسة فاشلة يجب عدم السماح لها بإدارة العالم الذي يرغب في إدارته بمفرده، ولكن لا مانع من استخدامها فقط لخدمة المصالح الأميركية وليس العكس.
ووفقاً لمندوب الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة، اليميني جون بولتون، فإن قدوم بوش إلى نيويورك لإلقاء خطاب بلاده في الجلسة الافتتاحية كان دائماً أمراً ثقيلاً على قلبه نظراً للاستقبال البارد الذي عادة ما يلقاه من بقية الوفود، والذي ينعكس من خلال التصفيق الذي يلقاه بعد إنهاء خطابه والذي يكون عادة تصفيقاً مهذباً قصيراً لا يماثل بالطبع ما يلقاه من ترحاب حين يلقي خطاباته النارية وسط أنصاره وجنود جيشه.
ومن المؤكد أن مشاعر بوش بعدم الراحة ستزداد هذا العام مع اضطراره لمصافحة الرئيس الجديد للجمعية العامة النيكارغوي الأب ميغيل ديسكوتو، الذي استهل رئاسته الأسبوع الماضي بخطاب ناري هاجم فيه إدارة بوش وسياساتها بقوة، داعياً إلى إصلاح مجلس الأمن، ومنتقداً اتباعها لسياسة شن الحروب لحل النزاعات.
الأب ديسكوتو كان من قادة الـ»سانديستا«، ومن المقربين لرئيس نيكارغوا الحالي دانيال أورتيغا الذي حاولت الولايات المتحدة الإطاحة به لسنوات، من خلال دعم متمردي الكونترا بسبب انتماءاته الاشتراكية.
ولكن الأهم من المشاعر السلبية المتبادلة بين غالبية أعضاء الأمم المتحدة والإدارة الأميركية الحالية، فإن حقيقة أن بوش يمثل الآن »بطة عرجاء«، كما يصفه الأمريكيون نظراً لأنه سيخرج من البيت الأبيض وتنتهي حقبته بعد أقل من أربعة أشهر، هذه الحقيقة ستنعكس من دون شك على كل القضايا الهامة المطروحة على قادة العالم خلال اجتماعات الجمعية العامة لهذا العام. فالجميع في انتظار الانتخابات الأميركية ومعرفة من ستأتي به إلى سدة البيت الأبيض، ومن سيحكم القوة العظمى الوحيدة في العالم، العجوز الجمهوري جون ماكين أم الشاب الطامح المفعم بالحيوية الديموقراطي باراك أوباما.
وبالتالي فإن غالبية الدبلوماسيون لا يتوقعون الكثير من اجتماعات هذا العام، ذلك لأن أية اتفاقيات أو تعهدات أو رشى اعتادت إدارة بوش على تقديمها لكسب بعض الحلفاء لن تكون ذات قيمة أو معنى.
ولعل خير مثال على ذلك عملية السلام في الشرق الأوسط، وتحديداً المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي. فحتى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الأميركي الهوى والتعليم، أقر في مؤتمر صحافي عقده الأسبوع الماضي بصعوبة تحقيق ما أعلنه بوش في مؤتمر أنابوليس قبل عام، من رغبة في التوصل لاتفاق بشأن إقامة دولة فلسطينية.
بالطبع ستعقد على هامش الجمعية العامة اللقاءات المعتادة لأطراف الرباعية الدولية ـ الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، كما سيجمع بان بين أعضاء الرباعية ووزراء الخارجية العرب على مأدبة إفطار يوم الجمعة المقبل بحضور رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير الذي لم يُرد بوش اختفاءه من الساحة الدولية ففرضه مبعوثاً للرباعية.
ولكن الهدف سيكون، وفقاً لبان كي مون، الدفع نحو استمرار الاجتماعات الفلسطينية الإسرائيلية والعمل على تضييق الفجوات الواسعة القائمة بين الطرفين، وذلك على أمل أن تتسلم الإدارة الأميركية المقبلة ملفاً أكثر نضوجاً وأقرب إلى الحل.
كما ستعقد الدول المانحة للفلسطينيين اجتماعاً تمهيدياً اليوم برئاسة النروج للبحث في تقديم المزيد من الدعم لحكومة الرئيس محمود عباس في الضفة الغربية. وفي الوقت ذاته، لا يأمل الدبلوماسيون العرب في استجابة أعضاء مجلس الأمن لدعوة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إلى عقد جلسة خاصة لمناقشة قضية الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين، خاصة أن مشروع قرار عربي تم التقدم به قبل أشهر بهذا الخصوص أصبح في طي النسيان بعد تهديد الولايات المتحدة وعدد من حلفائها الأوروبيين باستخدام حق النقض الفيتو بزعم أن المشروع غير متوازن ولا يدين ما يصفونه بالإرهاب الفلسطيني.
من ناحية أخرى، يتطلع الكثير من أصدقاء لبنان بارتياح إلى قدوم رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان إلى نيويورك هذا العام لإلقاء خطاب لبنان، منهياً بذلك سنوات الانقسام الداخلي اللبناني على الساحة الدولية، والتي ميزت السنوات السابقة مع حالة التوتر التي كانت قائمة بين الرئيس إميل لحود وحكومة فؤاد السنيورة.
وبينما كان الرئيس بوش يقاطع الرئيس لحود ولا يدعوه إلى حفل الاستقبال الذي يرعاه كل عام لضيوفه، فإن سليمان سيشد الرحال إلى واشنطن بعد إلقائه خطاب لبنان، غداً، ليلتقي رسمياً مع بوش في البيت الأبيض.
وكما كانت الحال في اجتماعات العام الماضي، فإن الملف الإيراني سيكون بارزاً في اجتماعات هذه السنة، خاصة مع حضور الرئيس الإيراني المثير للجدل محمود أحمدي نجاد لإلقاء خطاب بلاده أمام الجمعية العامة غداً. ومع اللحظة الأولى التي يحط فيها نجاد رحاله في نيويورك اليوم، ستلاحقه سلسلة من الاحتجاجات والتظاهرات من قبل أنصار إسرائيل واليمين الأميركي.
وكانت المرشحة الجمهورية لمنصب نائبة الرئيس سارة بالين قد حاولت تدعيم سجلها الضحل في مجال السياسة الدولية بإعلان القدوم إلى نيويورك للتعرف على قادة العالم، وكذلك المشاركة في تظاهرة، تنظم اليوم، أمام مقر الأمم المتحدة احتجاجاً على زيارة نجاد. ولكن بعدما أعلنت السناتورة الديموقراطية هيلاري كلينتون انسحابها من المشاركة في التظاهرة بعد معرفتها بنية بالين حشر نفسها في المناسبة، أعلن منظمو التظاهرة من كبار قادة المنظمات الأميركية اليهودية سحب الدعوة الموجهة لكل الساسة الكبار من الحزبين الجمهوري والديموقراطي، .
ولكن الأهم أنه في ضوء الخلاف الأميركي الروسي المتصاعد في أعقاب حرب جورجيا الأخيرة، فإن المراقبين يستبعدون إمكان نجاح الولايات المتحدة في دفع مجلس الأمن لفرض جولة جديدة من العقوبات على طهران، وذلك على الرغم من التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي أعرب عن عدم رضى الوكالة من تعاون إيران معها لكشف تفاصيل برنامجها النووي، إلى جانب مواصلة إيران لتطوير أجهزة الطرد المركزي اللازمة لصنع الوقود النووي.

المصدر: السفير

  

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...