"الدمية الروسية" لهنرييت عبودي

26-08-2006

"الدمية الروسية" لهنرييت عبودي

بين حدود الحقيقة والوهم، على برزخ يواشج الواقع باللاواقع، ستتركنا هنرييت عبودي بعد أن ننتهي من قراءة مجموعتها القصصية، "الدمية الروسية". قصص مفتوحة، كما العقل البشري الذي وصفه الأنتروبولوجي الفرنسي كلود ليفي شتراوس، على العجائبي والغرائبي والمدهش. لكن انفتاح العقل، في رأي شتراوس، يجعله يجنح في اتجاه ما هو أسطوري، فيما تجنح القصص عند هنرييت عبودي نحو قدرها المرسوم بدقة متناهية.
القدر هو وحده يلفّ لغة "الدمية الروسية" بالغموض، ويحقن الأحداث بحقنة هيتشكوكية غرائبية ومدهشة تنسحب على كامل المجموعة بقصصها الأربع عشرة التي صدرت عن "دار المدى"، بعد رواية سابقة للمؤلفة عن الدار نفسها بعنوان "خماسية الأحياء والأموات".
ثمة ثلاث تيمات أساسية تتكرس على طول السرد القصصي، تدور كلها في فلك واحد. إنه فلك الموت. لكن ليس الموت بمعناه المادي الملموس، أي الفناء، بل الموت كما عبّر عنه التاو الصيني تماماً: "أن تموت دون أن تهلك يعني أن تكون أبدي الحضور". الموت الذي يلفّ مجموعة هنرييت عبودي بشخصياتها وأبطالها وأحداثها، هو صورة من ذلك الحضور الأبدي.
التيمة الأولى تتلخص في تتابع الأقدار، التي تبدو مرسومة مسبقاً، كأن هناك يداً ميتافيزيقية تسيّر مصائر الشخصيات، لكنها يد خارجة عنهم. التيمة ستتكثف في القصة الأولى المعنونة بـ "الدمية الروسية". علياء المازني، الكاتبة الشابة التي تتوزع بين الحلم والواقع وترفض الاعتراف بوجود حدّ يفصل بينهما، سترث لعنة متعاقبة على كاتبة مشرقية مهمشة في وسط ثقافي باريسي. كأن هذه اللعنة، المتبدية في الموت المفاجئ والغامض لنساء متسلسلات يحملن الاسم نفسه، تقيّض لكل أديبة أنثى خارجة على السياق، متأبية ومتفردة. تموت الكاتبة من دون أن يعرف أحد عنها شيئاً، من دون أن تدوّنها المدونات، ومن دون أن يخلّد أحد أعمالها، إلا في دفنها في مقبرة بير لاشيز للمشاهير في باريس. اللعنة ستتلاحق من عام 1791 إلى 1891 إلى 1991 وربما إلى مئة سنة تالية، حيث سيحلّ القدر على كاتبة أخرى ترفض الغوص في عالم من الوقائع الصغيرة والمبتذلة.
القدر نفسه سيرسم لشخصية أخرى في قصة أخرى هي قصة "الرحيل إلى البحر" موتاً محتماً ومتكرراً لأنثى ذاهبة إلى البحر، تموت بالطريقة التي ماتت فيها شبيهتها قبلاً، في دلالة مبيتة على موت الأنثى المغامرة المقتحمة. وهي تموت أيضاً كشبيهتها بطريقة غامضة للغاية.
تتضح التيمة أيضاً في قصة ثالثة هي "الدعوة"، حيث تدعى البطلة إلى موتها في يوم مولدها بالذات. هي دعوة غامضة من شخص غامض، تجمعها بكل أحبتها الموتى الذين يحضرون بيقينية متحققة، من والدها إلى أمها إلى خالها وحتى جدتها العجوز التي ماتت قبل أن تخلق هي.
التيمة الثانية في المجموعة هي الوحدة. الوحدة التي هي صنو للموت في معناه النفسي. كأن كل إنسان هو روبنسون كروزويه وحيد ومعزول، جسده جزيرته، بحسب تعبير لغادة السمان، وإشارات الاستغاثة التي يطلقها من آن الى آخر قلما يلتقطها إنسان آخر يعي موجاته النفسية.
ستتبدى إشارات الاستغاثة في حالات من الحوار العقيم من طرف واحد. حوار ميت وغير متطور، حيث تستخدم هنرييت عبودي تقنية القصة بلغة المخاطب الذي يكون مجهولاً دائماً، والشيء نفسه يتكرر في قصتي "البديل" و"الحديقة الغسقية" المتشابهتين في حملهما لتلك التقنية.
التيمة الثالثة هي حمّى الذكريات. البحث في الماضي عن إضاءات للحاضر وربما للمستقبل. كأن الشخصيات، التي تعيش فراغاً ووحدة، تبحث محمومة عن طيف أو شبح ذكرى في الوراء كي تجد ذاتها في الأمام.
هذه التيمة تكثفها قصة "الدوامة"، حيث تبحث امرأة عن شابة موجودة في صورة تشبهها تعود إلى عشرين سنة خلت في بلدة سان مور. تلك المرأة - الماضي يحوّلها كل من الموجودين في الصورة معها إلى الماضي الذي يريد، فهي تارة جولي، وطوراً كلير دورلياك النسوية الثائرة، ومرةً دومينيك لوتريك الغريبة الأطوار التي تستمع إلى السمفونية الحزينة لتشايكوفيسكي وسط حفلة صاخبة مجنونة، ومرةً كاترين دوترون الوجودية، في دلالة على تشكيل الماضي بحسب رؤية كل شخص وليس بحسب حقيقته. الموت هنا هو نافذة للبحث في حضور الميت... الحضور الأبدي نفسه.
يبدو ذلك في قصة "التحري" أيضاً، وفي دلالات عميقة عن تتبع البطلة لشخصية مفترضة يؤلّفها خيالها، لتكتشف واقعيتها، ولتظهر أنها صورة طبق الأصل عنها لكن في شبابها. كأنها محاولات محمومة للبحث عن شبابها الماضي في وقائع تجنح إلى السوريالية على هدي كتاب مارسيل بروست "بحثاً عن الزمن الضائع" الذي يخيم على طول القصة.
أما المكان، أو بيئة القص، فهو بين الأراضي الفرنسية والأراضي العربية، لتتناوب القاصة بالتالي على مواقع السرد، من عين سائحة إلى عين مغتربة إلى عين زائرة إلى عين مقيمة متوحدة، الأمر الذي يضفي تنوعاً غنياً على المكان ونظرتنا اليه وعلاقتنا به.
هذه التيمات الثلاث، تجمع القصص بكاملها، وتوحدها في رؤية متشابهة، بحيث لا تبدو أي جملة منها متنافرة، ضمن لغة مكثفة وسرد مقتصد، وهذا ما يحول المجموعة إلى كتلة أقرب إلى نص متكامل وليس إلى قصص متفرقة. لكن تلك المسحة الغامضة، البوليسية الهيتشكوكية، والتي تجنح في بعض المواضع إلى السوريالية، تجعل القارئ ينسى أحياناً السرد الكلاسيكي، وتقنية الراوي الواحدة بضمير المتكلم عموماً، والحوارات المملة المتطاولة، لتجعل الأحداث المتلاحقة مشحونة بالإثارة والترقب على كامل صفحات المجموعة.

روزا ياسين حسن

المصدر: النهار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...