السودان «العسكري» يختبر الشارع مجدداً

بعد ساعات من انطلاق جولة المفاوضات الثالثة أمس، بين «المجلس العسكري» وتحالف قوى «الحرية والتغيير»، لم يستطع الأول إخفاء نواياه، التي طالما تحدث عنها قادة الحراك الشعبي، على محاولة فضّ الاعتصام المستمر منذ الـ6 من نيسان/ أبريل أمام مقرات قيادة الجيش في الخرطوم، والذي تعدّه المعارضة «صمام أمان الثورة». فبعدما كان «العسكري» يؤكد عدم عزمه فضّ الاعتصام بالقوة، حاولت قوات «الدعم السريع» التابعة للجيش، والتي يرأسها نائب رئيس المجلس، محمد حمدان دقلو، الملقب بـ«حميدتي»، أمس، إزالة الحواجز والمتاريس من مقرّ الاعتصام قبالة شارع جامعة الخرطوم بالجرافات، واعتدت بالضرب على معتصمين، فيما نشرت قناصة أطلقوا الرصاص بكثافة قبالة عمارة البشير الطبية بالقرب من مقر الاعتصام، ما أدى إلى 3 إصابات في صفوف حراس المتاريس، بحسب بيان لـ«لجنة أطباء السودان».

وهذه ليست المرة الأولى التي تحاول فيها قوات «حميدتي» فضّ الاعتصام بالقوة، إذ كانت قبل أيام قليلة من الإطاحة بالرئيس عمر البشير في 11 نيسان/ أبريل قد استخدمت، إلى جانب قوات الأمن، الرصاص الحي ضد المعتصمين، بعد إعلان حظر التجول في الـ6 من الشهر الماضي، ما أدى حينها إلى سقوط 5 قتلى بالرصاص وعشرات الإصابات، لكن الجيش تدخل آنذاك لوقف استخدام العنف المفرط، الذي كان يعلم أنه رهان خاسر في محاولة إنقاذ نظام البشير. رغم ذلك، عاد «حميدتي» لينحاز إلى الشارع بعد الانقلاب في مطلب تسليم السلطة إلى مدنيين، ورفض تولي الفريق عوض بن عوف رئاسة المجلس، قبل الإطاحة بالأخير في اليوم التالي بانقلاب من نوع ثان، تولّى عقبه عبد الفتاح البرهان الرئاسة، بالتنسيق مع نائبه حميدتي، وهما اللذان عملا معاً في اليمن، كون الأول المشرف على القوات السودانية هناك، فيما للثاني القوة البرية الأكبر المشاركة في الحرب. وليس معلوماً بعد ما الذي سيكون عليه موقف المؤسسة العسكرية الرسمي بعد محاولة «حميدتي» فضّ الاعتصام وقتله محتجين، خصوصاً في ظلّ التغييرات الجوهرية التي أحدثها مجلس البرهان وحميدتي في القيادة، والتي يُعدّ أهمَها تغيير رئيس هيئة أركان الجيش ونائبه. لكن بعيداً عن موقف القيادة، يدفع مثل هذا التعارض بين الموقف الرسمي للجيش، والقوات التابعة له كـ«الدعم السريع»، إلى خلافات بين القيادة وصغار الضباط والجنود. ومن المعلوم دور هؤلاء في التأثير على الضباط الكبار كما في الانقلابات السابقة، لا سيما إبان انتفاضة 1985 التي أطاحت بالرئيس جعفر النميري، وأيضاً في الانقلاب على البشير.

في المقابل، تصرّ قوى «الحرية والتغيير» على استمرار الحراك والاعتصام «صوناً وحراسة لمكتسبات الثورة» كما أعلنت في «نداء عاجل» في «تويتر» أمس، داعية المواطنين إلى «الخروج للشوارع وتسيير المواكب السلمية والتوجه إلى سوح الاعتصامات»، قبل أن تلحقه ببيان آخر أكدت فيه رفضها «ممارسات العنف ضد المدنيين أياً كان مصدرها»، مشددة على أن ما وصفتها بـ«بقايا النظام وقوى الثورة المضادة» لا تستطيع المساس بها. ويسعى «العسكري» إلى الحدّ من مظاهر الاحتجاج وإسقاط ورقة الشارع، الأقوى على طاولة المفاوضات، من يد قوى «الحرية والتغيير»، تارة برفض الاعتراف بالأخيرة كممثلة عن الحراك الشعبي، مثلما عمل بداية المفاوضات لدى محاولته توسيع دائرة التفاوض لتشمل قوى سياسية كانت جزءاً من النظام البائد، وتارة أخرى بالسعي لإحداث التفرقة بين مكوناتها، من خلال إجراء اتصالات بقوى دون أخرى، في ظلّ تباين في مواقفها.

على المقلب الآخر، ثمة تقدم حصل في المفاوضات التي سبقت تحرّك قوات «حميدتي» بساعات، أعلن عقبها الطرفان التوصل إلى اتفاق على هياكل الحكم والسلطة الانتقالية. فبحسب القيادي في قوى «الحرية والتغيير»، طه عثمان إسحاق، تم الاتفاق على هياكل وصلاحيات المستويات الثلاثة للحكم «السيادية والتنفيذية والتشريعية»، فيما أعلن المتحدث باسم «العسكري»، شمس الدين الكباشي، مواصلة الاجتماعات اليوم «لمناقشة نسب المشاركة ومدة الفترة الانتقالية». وهنا، تجدر الإشارة إلى أن المفاوضات في هذا الشأن كانت قد توقفت عند وثيقة دستورية قدمها وفد الحراك، من شأنها منح قوى «الحرية والتغيير» صلاحية تشكيل «مجلس وزراء مدني مصغر» وتعيين رئيسه ونائبه، و«مجلس تشريعي مدني» بالتوافق في ما بينها، وهو ما رفضه «العسكري» بحجة أن الوثيقة أغفلت مصادر التشريع، مقدماً ملاحظات من شأنها نقل الصلاحيات المعطاة إلى قادة الحراك إليه.

يشي ما سبق بأن هناك جبهتين متداخلتين في الصراع بين العسكر وقادة الحراك، الأولى على طاولة المفاوضات والثانية في الشارع، لكن القوة تكمن في الجبهة الثانية، التي أجبرت العسكر على الجلوس مع ممثلي الحراك والاعتراف بهم ابتداءً من الجولة الثانية حين قُدّمت الوثيقة. إزاء ذلك، يبدو الشارع الأكثر قدرة على «ضبط» المفاوضات، وإجبار المعنيين على الإسراع في الوصول إلى حلّ ينهي الأزمة.

 


الأخبار