انقسام اسرائيلي حول "أمطار الموت"

08-07-2006

انقسام اسرائيلي حول "أمطار الموت"

بعد بلوغ حملة سفك الدماء الفلسطينية التي أطلقت عليها اسرائيل اسم "أمطار الصيف" ذروتها أمس الأول بتفاخر رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال دان حلوتس، بقتل 40 "إرهابياً"، بدأت عملية الهبوط الاسرائيلية. وأعلن "كبير" المتطرفين في الحكومة الإسرائيلية، وزير الأمن الداخلي آفي ديختر، أن بالامكان وقف العملية والإفراج عن أسرى فلسطينيين إذا تم تحرير الأسير الإسرائيلي واستعيدت التهدئة. وازداد الحديث الإسرائيلي عن التفريق بين "رفض التفاوض"، وهو الموقف الذي كان معتمداً حتى الآن و"رفض الإفراج" عن معتقلين فلسطينيين محددين وهو الموقف الذي يجري إبرازه حاليا.
ومع أن اسرائيل أوحت بأن ما جرى امس الاول في قطاع غزة كان ذروة التصعيد، فإن قواتها ارتكبت
مذبحة جديدة امس، ذهب ضحيتها 11 فلسطينياً كما أصيب أكثر من عشرين آخرين، بالاضافة الى استشهاد اثنين في الضفة الغربية.
وتنازل القادة الإسرائيليون عن الأهداف التي عرضوها في البداية لحملة "أمطار الصيف" والتي تمثلت في الرغبة في إحداث "تغيير استراتيجي"، وعادوا يتحدثون عن أهداف أكثر واقعية. فالهدف السياسي لم يعد إسقاط حكومة حماس بل الضغط عليها. أما الهدف الردعي لاجتياح مناطق بيت حانون وبيت لاهيا فصار "جباية ثمن باهظ" من الفلسطينيين في مقابل جرأتهم على إطلاق صواريخ القسام. ولذلك تباهى حلوتس بنجاح الجيش في قتل "40 إرهابياً".
كما شدد القادة العسكريون الآخرون على أن غايات العملية البرية هي ضرب خلايا إطلاق الصواريخ وبنية إنتاجها واستهداف المقاتلين الفلسطينيين عموماً. وأشار بعضهم إلى أن الأسلوب المتبع هو إدخال القوة المدرعة إلى مناطق مأهولة بقصد "استفزاز" المقاتلين وجرهم إلى المعركة بغية قتلهم. وبدا القادة العسكريون أكثر وضوحاً بالأمس في أحاديثهم عن أن القوات الإسرائيلية لا تنوي البقاء لوقت طويل وأن تكتيكها هو الإغارة والانسحاب لا التمركز والاحتلال.
غير أن أحداً في إسرائيل لم يأخذ حتى هذه الأهداف مأخذ الجد. فالمعلقون العسكريون يشيرون إلى أن الجيش الإسرائيلي يواجه مقاومة شديدة من الفصائل الفلسطينية وأن صورة الجيش "تتآكل". فما يظهر للعالم هو انعدام التوازن في الصورة بين أقوى جيش في المنطقة يحارب في منطقة مأهولة قوة محدودة العتاد بشكل بارز ومن دون قدرة على حسم المعركة معها.
ويشير هؤلاء إلى أن ما يبدو جلياً هو أن الوجود العسكري الإسرائيلي في عمق قطاع غزة لم يعرقل قدرة الفلسطينيين على إطلاق الصواريخ. فقد سقط بالأمس ما لا يقل عن 16 صاروخاً على المستوطنات والبلدات الإسرائيلية داخل الخط الأخضر. بل ان الفلسطينيين أفلحوا في إطلاق صاروخ للمرة الأولى على بلدة نتيفوت جنوبي شرقي القطاع. وهذا ما يجعل من حديث الجيش عن ردع خلايا الصواريخ كلاماً لا معنى له.
ويشدد المعلقون كذلك على أن تفاخر رئيس الأركان بقتل "40 إرهابياً" يظهر أنه لم يتعلم بعد أن دماء الشهداء الفلسطينيين تدفع غيرهم إلى الإقدام على المقاومة، وأن تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يظهر أن أعداد الشهداء كانت تزيد الفلسطينيين إصراراً على المقاومة. وبالتالي يصعب تصديق من يعتبر أن أعداد الشهداء هي ما سوف يردع الفلسطينيين ويدفعهم نحو التسوية.
وظهر أمس أول تصدع في الموقف الرسمي الإسرائيلي تجاه الموقف من تبادل الأسرى، بعدما أعلن وزير الأمن الداخلي آفي ديختر أن إسرائيل يمكن أن تفرج عن أسرى فلسطينيين في مقابل الجندي الأسير جلعاد شاليت. وفاجأ ديختر رئيس حكومته بإعلانه أنه "إذا اضطرت إسرائيل إلى الإفراج عن معتقلين فلسطينيين من أجل تحرير الجندي المختطف، فإنها سوف تفعل ذلك. لقد فعلنا ذلك في الماضي في مقابل تحرير مخطوفين وفي مقابل التهدئة".
ويعتبر ديختر من أشد المقربين إلى أولمرت، الأمر الذي دفع رئاسة الحكومة إلى إصدار بيان استثنائي توضح فيه أن أقوال ديختر لا تعبر عن رأي الحكومة أو رئيسها. ومعروف أن أولمرت ورئيس أركان الجيش قررا سياسة إسرائيل بهذا الشأن القائلة برفض "الخضوع للابتزاز" وأن إسرائيل لن تتفاوض لإطلاق سراحه.
وقال وزير الداخلية الاسرائيلي روني بار اون، من جهته، "التقيت للتو رئيس الوزراء ايهود اولمرت وموقفنا لم يتبدل: نرفض التفاوض مع حماس ولن يتم الافراج عن سجناء" فلسطينيين. وأضاف "كان ثمة احتمال في الماضي للتفاوض مع السلطة الفلسطينية وكان يمكن أن يؤدي الامر الى إطلاق سراح سجناء كمبادرة حيال ابو مازن". وتابع "لكنني أكرر أننا لن نتفاوض مع حماس".
غير أن حركة حماس رفضت تصريحات ديختر. وقال النائب عن الحركة مشير المصري ان "الفلسطينيين لا يثقون في لفتات حسن النوايا" مضيفاً أن "الحديث الآن ليس عن الجندي المفقود ولكن عن 30 شهيداً فلسطينياً و100 جريح سقطوا في الهجمات الاسرائيلية على غزة".
وبرغم نفي أولمرت، فإن المراسلين السياسيين في إسرائيل يتحدثون عن تغير في التعابير التي يستخدمها القادة السياسيون والعسكريون في هذا الشأن. فلم يعد الحديث يدور عن رفض التفاوض بل صار يركز على عدم الإفراج. وهناك من يقول ان المفاوضات باتت ضرورية بسبب "انعدام الخيار العسكري" نتيجة "العمى الاستخباري"، وان ما يجب أن تقوله إسرائيل هو أنها لن تفرج عن معتقلين فلسطينيين إذا كان ذلك يقوي حكومة حماس ويزيد رغبتها في القتال. والبعض يضع المسألة على هذا النحو: نحن سنفرج عن معتقلين ولكن ضمن معايير تضعها إسرائيل وفي وقت تحدده هي.
والواقع أنه إلى جانب الوساطة المصرية لتنظيم صفقة تبادل للأسرى تتضمن الإفراج عن الجندي الإسرائيلي وعن عدد من المعتقلين الفلسطينيين، هناك وساطتان تركية وروسية. وتقوم هذه الوساطات جميعها على أرضية التبادل ولكن من منطلقات مختلفة. فالتبادل من المنطلق الإسرائيلي يعني أن يبدأ الفلسطينيون بالإفراج عن الأسير الإسرائيلي، الأمر الذي يسجل كإنجاز في خانة الجهة التي رتبت هذا التبادل. وهذه الجهة في هذه الحالة هي الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابو مازن) في البداية ثم الرئيس المصري حسني مبارك بعد ذلك. وتتعهد إسرائيل في مقابل ذلك بالإفراج عن الوزراء والنواب والمنتخبين الآخرين الذين اعتقلتهم في الضفة وتعيد فتح المعابر وتلتزم بالإفراج عن عدد من المعتقلين حتى نهاية العام الجاري.
وأوضح الرئيس الفلسطيني هذا المنطق امس، عندما أشار إلى أن هناك جهوداً ومساعي حثيثة تبذل بهدف إعادة الجندي إلى أهله. وقال "نحن نعمل منذ البداية وبكل الوسائل بمساعدة الأشقاء في مصر والأردن والسعودية من أجل أن يعود الجندي الأسير إلى أهله ولكن في الوقت نفسه على العالم أن يعرف أن هناك أكثر من 10 آلاف أسير وهم بشر وإنسانيون كالجندي الإسرائيلي وعلى العالم أن يتطلع لهم بنظرة إنسانية". وأشار إلى أن إسرائيل تعهدت للرئيس المصري بأنها ستفرج عن الفتيات والأطفال ومن مر على وجودهم في المعتقلات أكثر من عشرين عاماً إذا تم الإفراج عن الجندي الإسرائيلي.
وفي المقابل، هناك منطق الفصائل الثلاثة التي تحتجز الجندي الأسير، ويقوم على قاعدة أنه لا يمكن التفكير بالإفراج عن الجندي من دون مقابل يتجاوز من قامت إسرائيل باعتقالهم كورقة ضغط إلى من تحتجزهم إسرائيل بوصفهم مقاومين. وبالتالي فإن هذه الفصائل مستعدة للمساومة في الأرقام ولكن ليس في المبدأ. 
وقال مصدر فلسطيني مطلع على الاتصالات التي تجري مع حماس بشأن الأسرى  أن من المذهل أن الأتراك وبعدهم الروس كانوا الأقرب في وساطتهم إلى منطلق الفصائل، من موقف كل من الرئاسة الفلسطينية والحكومة المصرية. وأوضح هذا المصدر أنه في الوقت الذي حاولت فيه هذه الجهات الفلسطينية والمصرية البحث عن سبل الضغط على حماس من أجل التجاوب مع المنطلق الإسرائيلي، تجنبت الوساطة التركية ذلك وبدأت البحث في أعداد من يمكن تضمينهم الصفقة. وشدد هذا المصدر على أن الدور الذي قام به الملك السعودي عبد الله كان إيجابياً في رفضه تقبل ضغوط عربية وأميركية للضغط على حماس.
وللمناسبة، فإن عدداً من المعلقين العسكريين والسياسيين الإسرائيليين أكدوا أمس في تعليقاتهم على وجود الوساطة التركية والروسية بشأن التبادل مع حماس، وقالوا ان هذه الوساطة تمت أصلاً بطلب إسرائيلي وأميركي.
وكتب تسفي بارئيل في "هآرتس" أن "تركيا، التي طلبت منها واشنطن وتل أبيب محاولة التأثير على الأسد ومن ثم على حماس، ليست الوحيدة التي تفحص الثمار السياسية التي وفرتها قضية شاليت لها. فروسيا لم تنتظر زيارة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني لها هذا الأسبوع. ومنذ بداية القضية وحينما كانت إسرائيل تطلق التهديدات وقبل أن ترسل الطلعة الجوية المدوية فوق القصر الرئاسي السوري، حاول وزير الخارجية سيرغي لافروف معرفة من يقف خلف العملية وكيف يمكن التأثير على الخاطفين عن طريق الأسد، أو على الأقل إظهار وجود في المكان الذي لا يمكن للولايات المتحدة أن تتدخل فيه". وأظهر بارئيل في مقالته انزعاج مسؤولين مصريين من الدورين التركي والروسي.
وفي تطور جديد، أقدمت حماس على إصدار بيان موجه الى "الجمهور الإسرائيلي، وخاصة عائلة الجندي الأسير وجموع المثقفين والصحافيين والكتاب والمؤسسات المجتمعية والعاملة في ميدان حقوق الإنسان في المجتمع الإسرائيلي"، شددت فيه على أنها تؤكد أن أسر الجندي تم في عملية عسكرية بحتة، وأن قوى المقاومة فتحت "كل أبواب التفاوض" ولكن أولمرت وحكومته هم من يتحملون مسؤولية "الطريق المسدود".
وشدد البيان على أن "الإفراج عن أطفالنا الأسرى دون سن الثامنة عشرة، ونسائنا وبناتنا الأسيرات و المرضى وذوي الأحكام العالية" هو مطلب عادل، وأن الحملة الدعائية الإسرائيلية لتشويه المطالب المشروعة للمقاومين هي "حملة مغرضة ذات أهداف مكشوفة للتنصل من الاستجابة لهذه المطالب الإنسانية". وطالب البيان "المثقفين والصحافيين الإسرائيليين بضرورة رفع الصوت عاليا" بشأن ضرورة التفاوض لتبادل الأسرى. وتم التأكيد لعائلة الجندي "أن المقاومة لن تتنازل عن مطالبها مهما كلفها ذلك، فهل يعلو صوت العقل وتسود لغة المنطق، أم أن مصير الجندي "جلعاد" سيبقى رهناً بمغامرات ومقامرات الرجلين الطائشين أولمرت وبيرتس". وأخيراً شدد البيان على أن "المخرج الوحيد لهذه القضية هو مخرج تفاوضي بامتياز".

 

حلمي موسى

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...