روبرت آلتمان: معرّي الحلم الأمريكي

28-01-2007

روبرت آلتمان: معرّي الحلم الأمريكي

مهما حاول اعداء اميركا و «نمط العيش الأميركي» ان يعرّوا مجتمع الولايات المتحدة من الخارج، فإن اياً منهم لن يصل في مشروعه الى ربع ما يصل إليه المبدعون الأميركيون الحقيقيون في هذه التعرية نفسها. وليس فقط لأن هؤلاء يرون الأمور من الداخل ويتحدثون عما يعيشون ويعايشون، بل – في شكل اكثر تحديداً ووضوحاً – لأن الغالبية العظمى من منتقدي أميركا ومشروع عيشها وأدوات هذا المشروع، إنما تنطلق في ذلك من أفكار ايديولوجية مسبقة، مبنية على تصورات نمطية تغلب السذاجة على معظمها إذ نجدها نابعة من بقايا صراعات الأفكار خلال الحرب الباردة، مضافاً إليها نمط شديد التبسيط من العداء المسبق والبدائي لكل ما هو أميركي. وفي هذا الإطار يمكن القول – من دون احتمال خطأ كبير – ان الإيديولوجية الأميركية التي تهاجم و «تعرّى» على هذه الشاكلة تطلع هي الرابحة في نهاية الأمر، إذ بمقدار ما يكون المهاجمون مفرطين في سذاجتهم، و «كليشاتهم» بمقدار ما يحس الأميركي المتوسط، والذي غالباً ما يكون هو المستهدف محرّضاً على سلطاته، بأن من حقه ان يرفض كل تلك المحاججات ما يوقفه في نهاية الأمر في صف سلطاته، مقارناً إياها بأعدائها. ولعل أسطع دليل على هذا ما يتهم به مايكل مور (صاحب «فهرنهايت 11/9») من قبل اليسار الليبرالي الأميركي المتنور، من انه – من دون ان يعرف – إنما لعب في فيلمه هذا، لعبة الرئيس جورج دبليو في الوقت الذي كان يخيل إليه انه يسعى الى هزيمته. فالفيلم اتى من السطحية والامتلاء بالكليشيهات بحيث ادى الى مفعول عكسي لأن الأميركي المتوسط، الذي كان مستعداً لخذلان بوش لو ان ما يقوله الفيلم اقنعه، وجد انه في الخيار بين بوش، على علاته، وبين ما يعده به مايكل مور، من الأفضل له ان يقف الى جانب بوش. وما اوجد هذا الشعور هو ان مور، إنما تعامل مع الإيديولوجيا والسياسة الأميركيتين، تعاملاً من الخارج وليس من الداخل. المهم ان في مقابل مور وأمثاله من الذين يبتدعون اساليب تلو أخرى لتعرية «الإيديولوجيا» الأميركية، ثمة من هم أعمق بكثير، وبالتالي أكثر فاعلية بكثير. واللائحة هنا تطول إذ يمكن ان تشمل القسم الأعظم من المفكرين والكتّاب والفنانين الأميركيين. ومن بين هؤلاء روبرت آلتمان، المخرج السينمائي الذي رحل قبل فترة، ما شكل مناسبة للحديث عنه بوصفه واحداً من أكثر الفنانين فضحاً، بقوة وذكاء، لإيديولوجيا الحلم الأميركي الكاذب. ولقد ذكر للمناسبة كيف ان آلتمان، وعلى خطى أسلاف كبار له من السينمائيين الأميركيين، امضى القسم الأكبر من سنوات حياته الأخيرة في المنفى الأوروبي.

> لكن روبرت آلتمان، قبل سلوك درب المنفى، كان حقق عدداً لا بأس به من أفلام، شعبية ومسلية بالتأكيد، وهوليوودية في شكل أو آخر، ولكنها كانت الأقسى، كمجموعة، في التصدي لمعظم تلك الأساطير التي صاغت الحلم الأميركي، وزينت «نمط العيش الأميركي». بالنسبة الى آلتمان، من الواضح ان نمط العيش هذا ليس على المثالية التي تصوّر، اما الحلم فهو في حقيقته أقرب الى ان يكون، بحسب توصيف هنري ميلر «كابوساً مكيفاً». هذا الأمر عبّر عنه آلتمان في أفلام عدة، عرى في بعضها الحروب الأميركية لا سيما حرب فيتنام (ولو بالواسطة مستخدماً الحرب الكورية في «ماش»)، وفي بعضها الآخر أسطورة الغرب والبطل راعي البقر («ماكيب ومستر ميلر»، ثم «بوفالو بيل»)، وفي البعض الثالث خرافة تحرر المرأة الأميركية («ثلاث نساء») وفي غير ذلك خرافة النظافة وتفكك العائلة... وصولاً الى السياسة ثم الخزعبلات الكامنة خلف شعبية الموسيقى والمغنين وثورتهم المزيفة، مروراً بالإعلام وتسيّده حياة الناس. وهذه الأمور الأخيرة نجدها متجمعة في فيلم واحد لروبرت آلتمان، هو من افلامه الباكرة، ومن أفلامه التي حظيت بنجاح جماهيري كبير، ونعني به فيلم «ناشفيل».

> حقق روبرت آلتمان فيلم «ناشفيل» في العام 1975، أي في زمن كانت لا تزال ذكريات تجمع «وودستوك» (اكبر تجمع للاحتجاج من طريق موسيقى الروك في تاريخ العالم)، ماثلة في الأذهان. وما «ناشفيل» في نهاية الأمر، سوى صورة ساخرة معكوسة لوودستوك. فهنا ايضاً لدينا تجمع، ليس لهواة الروك وغيره من انواع الغناء الأميركي الشعبي، ولكن لهواة الغناء الساعين الى الشهرة انفسهم من الذين تجمعوا، في الفيلم في تلك المدينة الأميركية – النموذجية في اميركيتها – لخوض مسابقات في الغناء يحضرها المنتجون وتبدو فيها فرص النجاح ممكنة.

> من هنا يمكن القول ان المدينة والتجمع الموسيقي فيها، هما مركز الفيلم الذي ليس فيه بطل وحيد – على غير ما يحدث عادة في السينما الأميركية -... ففي «ناشفيل» ما لا يقل عن 24 شخصية رئيسية، بين سياسيين ومغنين ومنتجين وإعلاميين، وهؤلاء جميعاً تجمعوا هنا لمناسبة المهرجان الحافل. لكن المهرجان الصاخب في مدينة الموسيقى هذه، يتزامن امام اعيننا مع حملة سياسية يقوم بها في المدينة نفسها، مرشح للانتخابات الرئاسية. وبهذا عرف روبرت آلتمان كيف يقيم التوازي بين الصخب السياسي والصخب الموسيقي، مضيفاً إليهما بالطبع الصخب الإعلامي الذي بات لا مفر منه. في وسط ذلك المناخ، إذاً، ثمة امامنا شخصيات عدة تبحث كل واحدة منها عن مصيرها، ضمن خريطة ما يعتبره الكل حلماً اميركياً بالنجاح السريع والمؤكد. لكن هذا الحلم الذي قد يبدو مشروعاً في أي فيلم من هذا النحو، يتحول امام كاميرا روبرت آلتمان الى كابوس حقيقي. ذلك ان السعي المحموم والذي يسيطر عليه طابع استعراضي، سرعان ما يبدو مثيراً للشفقة، قاسياً، بائساً، وعلى الأقل بالنسبة إلينا نحن المتفرجين الذين نعيش تواطؤاً بيّناً مع المخرج، في الوقت الذي تبدو شخصيات الفيلم ساهية عن السخف الذي تعيش كما عن الإحباط المرسوم لها في الأفق، والذي سينتهي الفيلم عليه بكل وضوح. فمن هي هذه الشخصيات؟ هي بالتأكيد نمطية: من صحافية لا تتوقف عن ارتكاب الهفوات، ومكتشف مواهب له سمات النصاب الحقيقي، ووكيل أعمال دائم الحركة لكنه لا يوحي بأي ثقة، ورجل لا نعرف ماذا يفعل اول الأمر سوى انه يتجول على دراجته السخيفة ذات العجلات الثلاث، ورجل آخر يقف عند مستديرة المدينة الرئيسية عارضاً امام الملأ علبة الكمان، من دون ان يبدو ان عرضه سيثير اهتمام احد... ومن حول هؤلاء جميعاً، ومن حول نماذج اخرى تشبههم، يتحلق المعجبون في هذيان لافت، ويتجمع الطفيليون بالكاد يسألون انفسهم عما يحدث هنا، والزائرون الآتون لا يعرفون لماذا أتوا، وسكان المدينة الناظرون الى كل هذا الرهط باحتقار واستغراب... ثم الإعلام الذي يحيط بذلك كله، ولا سيما بطفلين اصمّين من الواضح ان الشيء الأساس هنا، أي الموسيقى، لا يعنيهما في شيء. وإذا كان لا بد وسط هذا الحشد كله من حدث، طالما ان ليس ثمة الآن حدث ولا يحزنون، فإن الحدث سيطل في النهاية: قتل مخبول لمغنية. ومن الواضح ان هذه الجريمة اذ تضع حداً لحياة الصبية وأحلامها، ستبدو في النهاية مآل كل الحلم، وليس حلم الفتاة: الحلم الأميركي نفسه وقد تحول كابوساً.

> يأتي «ناشفيل» إذاً، علامة اساسية في سينما روبرت آلتمان (1925 – 2006)، السينما التي جعلت همها الدائم نزع الهالة الأسطورية عن حلم كاذب، وتفريغ نمط عيش مخادع من كل الهالات التي احيط دائماً بها. والحقيقة ان روبرت آلتمان برع في هذا الى درجة ان الأمر انتهى بهوليوود الى ان تناصبه العداء، ليس لأنه سخّف أساطير الحلم الأميركي، بل خصوصاً لأنه ايضاً سخّف في طريقه اساطير هوليوود، وحسبنا ان نذكر هنا فيلمه «اللاعب» الذي يتحدث عن منتج ارتكب سلسلة من الجرائم في قلب هوليوود، بدت للوهلة الأولى جرائم في افلام، قبل ان تختلط الحقيقة بالسينما. ولا بد من ان نذكر هنا أن آلتمان الذي أمضى العقدين الأخيرين من حياته – ومساره المهني – في أوروبا، عاد قبل رحيله بفترة الى هوليوود حيث كرّم متأخراً، ورد هو التحية بفيلم أخير له بدا كمصالحة مع اميركا، هو الذي يعرض حالياً باسم «رفيق البيت البري».

ابرهيم العريس

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...