عشرون بالمئة من الأطفال العاملين هم دون سن العاشرة

09-10-2011

عشرون بالمئة من الأطفال العاملين هم دون سن العاشرة

يعرّف تشغيل الأطفال، بأنه كل شكل من أشكال النشاط الاقتصادي الذي يمارسه الأطفال، والذي يحرمهم من كرامتهم، ويضر بنموهم الطبيعي الجسدي والنفسي.
 
وتتزايد ظاهرة عمالة الأطفال في سورية، حيث أشارت دراسات عديدة إلى أن هناك عشرين بالمئة من الأطفال منخرطون في سوق العمل وهم دون سن العاشرة.
فأصبحنا نرى أطفالاً يركضون لاهثين متسابقين على مسح زجاج السيارات أو بيع العلكة أو المحارم وغيرها الكثير... وثمة أهل يجنون على أبنائهم ويدفعون بهم إلى العمل على تقاطع الطرق، لجمع القليل من النقود، والتي يعودون بها ليلاً إلى المنزل، وقد هدهم التعب ليناموا كجثة هامدة.

أسباب الظاهرة.... العوز هو السبب الرئيسي
تتعدد الأسباب المؤدية إلى تشرد هؤلاء الأطفال، ويعد الفقر سبباً رئيسياً في انتشار هذه المشكلة، وخاصة بعدم قدرة الأسرة على رعاية أبنائها، وتغطية احتياجاتهم الرئيسية، من مأكل ومشرب وملبس وعلاج، فلا يجد الطفل غير العمل في الشارع، وأحياناً يطرد الأب ابنه للخروج إلى الشارع رغماً عنه، حيث بعض العائلات تكون بحاجة ماسة إلى الدخل والدعم الذي يوفره عمل الأطفال، ففي بعض الأحيان يكون أجر الطفل المصدر الوحيد، أو الأساسي للدخل الذي يكفل إعالة الوالدين أو أحداهما، ويوفر الاحتياجات الأساسية التي يعجز الكبار عن توفيرها، وخاصة الأطفال الذين يفقدون الوالد ويعيشون في كنف أمهاتهم من الأرامل والمطلقات... إضافة إلى أن اهتمام الوالدين بإنجاب أكثر عدد ممكن من الأطفال، يفضي إلى تشجيع عمل الأطفال والتقليل من موارد الأطفال.
كما يعتبر الطلاق وخاصة طلاق الأسر الفقيرة، سبباً آخر في انتشار هذه الظاهرة، حيث بينت دراسة أن 90% من أطفال المشكلة لديهم آباء وأمهات إما أب أو أم فهم ليسوا لقطاء ولقد قسمتهم الدراسة إلى ثلاثة أنواع، أطفال يعيشون بين الشارع والبيت، وأطفال يعملون بالشوارع وأغلبهم يحققون دخلاً لا بأس به، وأطفال يتعرضون للاستغلال البشع من طرف الشارع، إما عن طريق تشغيلهم في ظروف صعبة أو عن طريق الاستغلال الجسدي، وتفيد الدراسة بأن الأطفال حساسون بطبعهم للمشاكل الأسرية، حيث كل توتر يحدث داخل البيت يؤثر سلباً في نفسية الطفل الهشة، فيجد بالشارع ملاذاً لا بأس به لما يعانيه.

لماذا يعمل الأطفال؟
إن معظم الأطفال لم يكملوا تعليمهم لسبب أو لآخر، حيث يصبح وقت الفراغ أطول والآفاق المستقبلية أضيق، فينضمون إلى مسيرة التشرد.
وتعد مشكلة تسرب الأطفال من المدارس، أحد الأسباب المشاركة والرئيسية في انتشار ظاهرة عمالة الأطفال، ومن أخطر الآفات التي تواجه العملية التعليمية ومستقبل الأجيال، وهي لا يقتصر أثرها في الطالب فحسب، بل يتعدى ذلك جميع نواحي المجتمع.
يوضح نبراس العلبي مدير مدرسة أن أسباب تسرب الأطفال من المدارس: «من الأسباب المهمة» التي تسهم في ترك الأطفال المدارس والتوجه إلى سوق العمل، عدم مقدرة الطالب على الوصول إلى المرحلة التي وصل إليها من هم في نفس المرحلة والعمر والفصل، بسبب الضعف العقلي والعضوي، والجو العائلي المشحون بالفوضى، وضعف المستوى الاقتصادي للأسرة».
وأضاف: «إن هناك أسباباً اقتصادية ساعدت على عملية التسرب منها، أعباء نفقات التعليم حيث إنها تمثل عبئاً كبيراً على الأسرة، مثال الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية، الكتب والأدوات المدرسية، مصاريف بعض الأنشطة المدرسية، الملابس».
في السياق ذاته، أشارت مديرة المدرسة الابتدائية، إلهام بركات: «إن أسباب تسرب الأطفال من المدارس عديدة ومتشعبة ومتداخلة تتفاعل مع بعضها، لتشكل ضاغطاً على الطالب، تدفعه إلى التسرب والسير في طرق الجهل».
وبينت: «قد تكون الأسباب تربوية تتجلى في تدني القدرة على الدراسة، والرسوب المتكرر وعدم الرغبة في التعلم، إضافة إلى أسباب اجتماعية وشخصية كالآفات النفسية والجسدية للطالب، وأحياناً يكون فقر الآباء هو أقوى حافز لدفع الآباء إلى استغلال أطفالهم في سن مبكرة، للاستعانة بأجورهم لسد متطلبات الحياة».

هل الفقر هو تفسير كاف لتبرير عمل الأطفال؟
إن معاناة الأطفال الذي لم يبلغوا من العمر الاثني عشر عاماً، يبيعون الخضرة والدخان، حيث بدلاً من أن ترى الابتسامة على وجه طفل وبيده دمية يلعب بها، أو تجده مستيقظاً نشيطاً ذاهباً إلى المدرسة، ستجده بائعاً متجولاً عبوس الوجه يجوب الشارع بحثاً عن الرزق.
الطفل غيث 11 عاماً، والدموع تسيل على خديه: «لماذا يحق لغيري التعليم وأنا محروم منه؟ ما ذنبي إن قدر اللـه علي أن أكون فقير؟ ولا أملك حتى الأكل؟».
من جانب آخر، قال الطفل فادي 12 عاماً: «عائلتي لا تملك من طعام يومنا إلا الخبز، ونحن نعيش في غرفة واحدة إذا نزلت المطر دخلت علينا».
وقال سمير 15 عاماً: «كيف لي أن أتعلم وأنا لا أملك ثمن الملابس والكتب والدفاتر وأعيش مع أهلي في غرفة واحدة».
في المقابل، أضافت والدة سمير: «أي علم ونحن لا نجد مكاناً لننام فيه، فالعلم ليس من حقنا، إذ لا يوجد معنا حتى ثمن لقمة العيش فمن أين سنأتي بثمن الكتب والملابس لأطفالنا».

نقمة على المجتمع.... مستقبل مجهول
يجمع الخبراء النفسيون على أن هناك الكثير من التأثيرات النفسية السلبية في الأطفال الذين يعملون في الشارع.
أوضح الاختصاصي في علم الاجتماع والصحة النفسية، الدكتور محمد الدباس «أن عمل الأطفال في سن مبكرة يسبب لهم أزمات نفسية وتوتراً وقلقاً، وذلك نتيجة إبعاده عن بيئته الأسرية، ويشعر بالاغتراب الحقيقي، حيث يعاني الحرمان من العيش في البيئة الداعمة له، إضافة إلى القلق والمصير المجهول».
وأكد أن «خطورة هذه المشاعر في هذه الفترة من العمر، تؤثر مباشرة في عملية التفكير لدى الطفل، ثم بناء قناعات ليس من السهل التخلص منها مستقبلاً إلا بالعلاج النفسي».
من جهة ثانية، قالت الخبيرة الاجتماعية، الدكتورة ميس الصفدي: «سيعاني طفل الشارع من صعوبة في التأقلم مع الأسرة والمجتمع من حوله، إضافة إلى ما يتعرض له طفل الشارع، من تشوهات جسدية في العظام والفقرات، لأن أجسامهم غير مهيأة للعمل الشاق».
وأشار الدكتور محمد الدباس إلى أن «الأطفال العاملين هم أقل وزناً وأقصر طولاً من زملائهم الآخرين من العمر نفسه».

الاغتصاب والانحراف
هؤلاء الأطفال معرضون للانحراف وتعاطي المخدرات والكحول، وقد يتطور بهم الأمر ليصل إلى حد الإجرام، وممارسة الحرام في كثير من الحالات، ومن أخطر النتائج المترتبة إلى هذه الظاهرة هي الانحراف، حيث إن خروج طفل في العاشرة من عمره إلى الشارع سيؤدي به حتماً إلى الانحراف وخاصة أمام عدم وجود رادع، فهو لن ينجو بالتالي من إدمان السجائر والخمور والمخدرات.
وأغلبية هؤلاء الأطفال معرضون للاعتداءات الجسدية والجنسية، وذلك من أخطر النتائج، فقد يحدث اعتداء جنسي ينتج عنه ولادة طفل جديد ينضم إلى قافلة التشرد.

حياة أطفال الشارع
ويعتبر الاغتصاب من أوائل التجارب التي تمر بها الفتاة عندما تخرج للشارع، وهنا تجدر الإشارة إلى أن العديد من الأمهات لا يتمكن من استخراج شهادات ميلاد لأطفالهن لأن الأب مجهول أو تنكر للبنوة.
إن الانتهاكات الجنسية لهذه الظاهرة ليست فقط لبنات الشوارع بل للصبيان أيضاً وأن بعض فتيات الشوارع، ممن خبرن حياة ممارسة الجنس وتعرضن مراراً للاغتصاب، أصبحن يتناولن حبوب «مانع الحمل».
الطفلة نورا، واحدة من الأطفال الذين يعيشون في الشوارع والهاربين من الفقر أو سوء المعاملة أو تفكك الأسرة. وتروي نورا كيف استبدلت ضرب أخويها لها، وهي في السادسة أو السابعة من عمرها، بالجنس المفروض بالقوة في سن صغيرة في حياة الشوارع، حتى حملت في أحشائها طفلة أنجبتها في الشارع سمتها شيماء.
وأضافت نورا: «إن الرجال لا يفرقون ولا يعنيهم إن كنت صغيرة أو كبيرة».
أما المراهقة ياسمين، فتتحدث عن قصة اغتصابها، خلال حياتها في الشوارع قائلة خطفت وأبقوني أربعة أيام كانوا ثمانية وضعوا كلاباً حولي حتى لا أهرب وعندما أتت فتاة جديدة تركوني أرحل.

الفقر....
لا يمكن القضاء على ظاهرة معينة إلا إذا عولجت الأسباب التي أدت إلى ظهورها، ومن هنا فإن القضاء على ظاهرة عمالة الأطفال يأتي من خلال معالجة الفقر الذي يدفع بالعائلات الفقيرة إلى تشغيل أطفالها.
وإذا كان القضاء على الفقر أمراً صعباً، فإنه بالإمكان توعية المجتمع بأن عمل الأطفال يؤثر نفسياً وجسدياً فيهم، وينذر بتدهور مستواهم المعيشي والثقافي بل حتى السلوكي في المستقبل.
ويقترح الدكتور محمد الدباس «إنشاء مركز كبير يضم أكبر عدد من هؤلاء الأطفال، والعمل على توعيتهم بالسلوكيات الصحيحة، وتهيئتهم للتعامل مع المجتمع بشكل متحضر، وإلحاقهم بالمدارس ومساعدتهم على استكمال المشوار التعليمي لهم، بمساعدة خبراء في هذا المجال بإقامة ندوات مبسطة لتوعيتهم، إضافة إلى معاقبة الآباء والأمهات وأولياء الأمور لهؤلاء الأطفال الذين يتركون أبناءهم يواجهون الحياة بمفردهم دون أي توعية».
وأكد الدباس «ضرورة الالتزام بتطبيق نصوص القوانين السورية، التي تنص على أن التعليم إلزامي حتى سن الخامسة عشرة، ولا يجوز العمل مطلقاً لمن هم دون الثانية عشرة من العمر، ويقيد عمل من هم ما بين الثانية عشرة والثامنة عشرة، بساعات عمل قليلة وبأعمال غير مجهدة وبأماكن غير خطرة على صحة وسلامة الطفل الجسدية والنفسية».

ديما ديب

المصدر: الوطن

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...