ألفية الجنون
“نامت عليك الحيطة شْلون تنامين وأنا قاعد مستنّي للساعة اتْنين” واحدة من جائحات الغناء التي تكتسح ساحة الأغنية الشعبية السورية بين الحين والآخر، ومن يشاهد فيديو كليب مما تنتجه الكراجات للحفلات في المقاصف والمرابع الليلية، وتبذل في البسطات على طول أرصفتنا وعرضها، لا بد من أن يتوقف عند سر حمى تفاعل الجمهور مع هذه الجائحات، حتى ليخيّل للمرء أن تلك الظواهر واحدة من أعراض الانفلونزات الحيوانية المتتابعة، حيث لا يختلف منظر السهارى في تلك الحفلات عن مشاهد كوميدية عبثية في مرستان بلا حدود، ولا نقصد غرابة التفاعل مع أغنية حولت الحب إلى قدح وذم وتمنيات بالموت هرساً تحت الحيطة، وإنما في تركيبة الجمهور الراقص. وعلى سبيل المثال في واحدة من تلك الحفلات الصاخبة وحتى الماجنة كان بين الجمهور أطفال من سن عامين وحتى 12 عاماً، بنات وصبيان يرقصون برعاية أهاليهم إلى جانب السكارى والراقصات الدلوعات، وهم يتهافتون على التقاط صور المطربة اللهلوبة في غفلة من عين “البودي غارد”!!
عدا غرابة أطوار الحضور، نشاهد مع ارتفاع درجة حرارة الطبل والطرب صبايا يتمايلن بشبه فساتين براقة، وأخريات يتهزهزن بالجينز وملابس الرياضة، كتفا الى كتف مع المحجبات والسافرات المحتشمات، يقابلهن رجال من مختلف الأصناف الشعبية، والكل واقع تحت تأثير التهييج القسري، وقد تحولوا إلى كتل بشرية تتقافز وتتدافش والواحد ينعر الآخر مرة بوعي وعشر مرات بلا وعي، ولا ضرر في ذلك طالما الانشراح على أشُدّه، والمطربة تلعلع بصوتها، وتُطيّر كلمات تزيدها معاني الألم سخونة، واجتهادات تبردها معاني التحدي والإباء مثل: “اسمع بس اسمع ياللي عينك تدمع أنا المتعذب وأنت المتهني، اسمع بس اسمع وإنشاء الله ما تسمع أبو جعفر عندي يراضيني”!! وزيادة في الخير حبة بركة، وسط الهرج والمرج والرقص والفقش، يقطع مذيعٌ سلسلة “الإنطراب”، بينما أناس ركبوا على أكتاف أناس، ويوجه تحياته للقيادة السياسية!! لتعود بعدها المطربة للزعيق بحماس أكبر تلهب الحجر تحت أقدام البشر، فيتقافزون مثل السعادين السعداء ...
هذا المشهد الملتاث، بات واحداً من مسلّمات الاصطهاج الجماهيري، ولا يعد ظاهرة خاصة بالمجتمع السوري، وإنما هو جزء من ظاهرة جنون تجتاح العالم . ومع أن الانحطاط ليس ظاهرة خاصة بالحقبة الزمنية التي نعيشها، وأن التاريخ شهد مراحل انحطاط اشد وطأة من التي نعيشها، لكننا اليوم نبدو أمام تردّ مصحوب بالجنون، ودائما كان هناك موجات أغانٍ أو فنون هابطة، محصورة في أمكنة مغلقة ولها جمهورها الطارئ، لكننا اليوم أمام ظواهر عجيبة، إذ بتنا نلاحظ تشكل جمهور عريض من الأطفال والفتيان يرتاد الملاهي وعلب الليل، وهذا الجمهور إذا لم يسعفه الحظ بحضور الحفلات يمكنه اقتناء تسجيلاتها وجلب الملاهي الى البيت. والمشكلة ليس بتخريبها للذائقة الفنية التي بالأساس طاولها الكثير من التخريب، بل بما تعبر عنه تلك الظواهر التي تتكرس يوما بعد آخر في عالم يتخفف من المنطق الأخلاقي. وعلى مستوى أعلى يمكن النظر ومن الزاوية ذاتها إلى تداعيات مباراتي كرة القدم بين مصر والجزائر. فما حصل ويحصل لغاية الآن لا يصح عليه أي وصف سوى وصف “الجنون”. قد نفهم أن يتحمس مشجعون شباب كل لفريقه، وأن يقوموا بأعمال شغب وعنف ضد مشجعي الفريق الآخر، وهذا حصل ويحصل دائما، لكن أن تدخل السياسة والثقافة على الخط، فتلهبه وتزيد التوتر بين ثلاث دول تصل حد التهديد بقطع العلاقات، فهو أمر غير مفهوم على الإطلاق. كما يبدو غير مفهوم ظهور أصوات ناعقة تعلن الكفر بالعروبة والانتماء العربي والحس القومي، لأن كل بلد قدم للقومية وللعرب الكثير من التضحيات، وكانت النتيجة قتال من أجل لعبة كرة وسفك للكرامات!! كما لا يمكن وصف التحريض الإعلامي، ومن ثم تصريحات فنانين من الدول المعنية ومن الدول العربية بالمقاطعات سوى بـ”الهبل”، كي لا ننزلق إلى وصف ما جرى بـ”المؤامرة” وخصوصا مع غياب تفسير منطقي لهذه الهلوسة.
في فيلم (ملائكة في أميركا)، مشهد لامرأة مجنونة تقول لسيدة ضلت الطريق إنه “في الألفية المقبلة سيعم الجنون العالم”. الفيلم تناول المجتمع الأميركي في حقبة الثمانينيات، وهو عن الهلوسة التي تسبق الجنون، واختلاط المعايير. ومع أن الفيلم يخوض في هواجس المجتمع الاميركي، إلا أنه يعكس حالة الهلوسة التي أصابت العالم في نهاية القرن العشرين الذي اعتبره الفيلم قرناً “مؤلماً جدا”، كما أنه تنبأ بما سيكون عليه العالم مع بداية الألفية الثالثة.
الآن وبعد أن شارف العقد الأول من الألفية على نهايته، تتأكد نبوءة الفيلم، فمجمل الأحداث التي شهدها العالم حكمها وتحكّم بها غياب المنطق، بدءاً من أحداث 11 أيلول (سبتمبر) مرورا باحتلال أفغانستان والعراق وفتح بؤر التوتر في مختلف أنحاء العالم النامي، وتأجج الإرهاب، والأزمة المالية وليس انتهاء بمسلسلات الأوبئة “الحمى القلاعية، جنون البقر، انفلونزا الطيور، انفلونزا الخنازير” وغيرها من ظواهر دعائية، رافقت الأحداث السياسية والاقتصادية الدولية، أجاد مروّجوها في ابتكار طرق تجنين البشر... كل ذلك مع ما أحاطه من تداعيات، يؤكد أن الألفية الثالثة هي ألفية مجنونة بامتياز.
على خلفية هذا المشهد المأسوي علينا الرقص على ايقاع “اسمع بس اسمع”، والاسترخاء في الوقت المستقطع للاستمتاع بكوميديا تداعيات الجنون المصري ـ الجزائري، بعدما بلل أصابعهم فيه الفنانون المربوطون مع واحدة من القنوات التي قادت حملة التحريض بين مصر والجزائر، فمنهم من قال إنه سيتوقف عن الغناء إذا علم أن في الجزائر من يستمع الى أغانيه!! ومنهم من ألغى أغاني جزائرية من ألبومه، أما مدوخة عقول العربان العربية الأبية النجمة اللبنانية فقد اغتنمت الفرصة لإعلان موقف بوصفها صاحبة “مبادئ تتفاعل مع الأحداث كأي إنسان بعيداً عن الأسلوب الدبلوماسي”، كما قالت عن نفسها، لأنه إذا لم تعلن موقفها حيال هذا الحدث ستبقى “طول عمرها من دون رأي ولا موقف”، لذا ومن منطلق عروبي قومي انحازت للجمهور المصري، وقاطعت جمهور الجزائر ووصفته بـ(جمهور السكاكين) الذي لم “يضع اعتباراً للعروبة”!!
سعاد جروس
المصدر: الكفاح العربي
التعليقات
الوثيقة الشعبية
إضافة تعليق جديد