عن الشعبوية والشعب

الجمل: بقلم: رشاد أنور كامل :

أنظر إلى صور أهلي في نهاية الخمسينيات والستينيات وحتى السبعينيات، أرى حياة ومجتمع آخر اسمع عنه ولكني الآن لا أعرفه، رغم أن الصور، في أماكن كنت أمر بها يوميا في بلادي، لكنها ليست هي نفس الاماكنالشعبويية والشعب

أرى صورا عن جامعة دمشق وحلب وعن طلابها وطالباتها، ولا اراهم  الآن، عن المدارس، المدرسات، المدرسين، صور الضباط وأبي كان منهم، كانوا برتب صغيرة، لكن صورهم سعيدة، كانوا يحكمون ... استغرب كيف هزمت الحداثة ومظاهرها البشرية والمعمارية في مدننا السورية وجامعاتنا ومدارسنا، كيف انكفأنا الى الداخل الى مراحل تشبه الاربعينيات والثلاثينيات في سورية.

فهل من الممكن فعلاً أن نكون قد تكورنا الى الوراء مثلاً، هل هذا ممكن اساساً؟!!!...

بعد ثلاثة فصول دراسية في العلوم السياسية والفلسفة في أفضل الجامعات الكندية عاد ابني لزيارتي، ووجدت أن الشاب تغير، لقد أصبح اقل ميلاً لقبول رأي الآخر، وأكثر حديةً بآرائه في أي حديث سياسي أو اجتماعي، استغربت وانزعجت، انزعجت لأن هذا الشاب الصغير عاد لي ولديه تحفظات على الديمقراطية... وأنا من ارسلته الى بلد فيه أرقى الديمقراطيات ، وأعلم أنه يحبه ويحترم نظامه.

سألته: عن جد من كل عقلك أنت مالك عاجبك النظام الديمقراطي؟  واتاني جوابه الذي فتح ابواباً للنقاش لم تنته إلى الآن ليس معه فقط، بل بيني وبين نفسي ايضاً

جوابه كان: النظام الديمقراطي قوامه ونجاحه أن الافراد الفاعلين فيه والقادرين على التغيير، لديهم الحد الكافي من المعرفة والخبرة لاتخاذ القرارات الصائبة في كل مرة يصوتون بها، وهذا عملياً مستحيل لأنه لا يوجد لديك في أي بلد عدد كافي من هؤلاء بل لديك جمهور، والجمهور من الممكن أن ينساق وراء الكثير من الأفكار،  والتي قد تكون مضرة بالأمة، وبمستقبل الامة

قلت له : عطيني مثال ؟!! .... اجابني: خود مثلاً هتلر والنازية: هو استلب الجمهور الألماني بأفكار لا تتناسب مع أي قيم عالمية ولا إنسانية واجج لديهم الشعور بالتفوق، واعطاهم حق استلاب كل العالم، وهم صوتوا له، وكان اتباعهم للفكر النازي كارثة بشرية الشعبويية والشعب

مثال آخر: التطرف الديني، والدين السياسي بوذي، يهودي، مسيحي ام مسلم، ناهيك عن الطوائف.  هم يتحكمون بأصوات مريديهم، فحتى في أمريكا أصبح يحسب لهم حساب، هم ليسوا أحرارا لينتجوا ديمقراطية هم مستلبون فكرياً، ولذلك من الممكن أن ينتج التطرف تطرفاً اشد منه معتمداً على الأسس الديمقراطية نفسها .... لذلك يا أبي .... يجب أن نجد مخرجا، والجميع يبحث عن مخرج .... وأكيد أن أهم مخرج هو أن يكون كل شعبك او معظمه حر، وسيد، ومثقف، ومتابع، وجاهز للإدلاء بصوته الانتخابي بشكل سليم .... لكن هذا قد يكون جزء من استحالة الحل نفسه.


اجبته: بتعرف بابا نحنا في سورية من زمان حليناها. ضحك، وسألني: كيف؟


كان أي خطاب او بيان او قرار يبدأ بجملة " باسم الشعب " .... كانت قيادتنا مفوضة دستورياً، وفعلياً، بالتحدث عن الشعب وباسم الشعب، أما فيما يتعلق "بصوت الشعب" فقد كان متروكا لبرنامج شهير لشكاوى المواطنين والاخوة العمال والفلاحين .... حصراً 
وضحكنا 

لكن ما لا يضحك في هذا الحديث هو انجرارنا جميعاً اليوم إلى التخلي عن مبادئ الحريات العامة، والحق في المشاركة السياسية، أمام اجتياح جموع جاهلة مسيسة للعملية السياسية والتنموية، مرجعيتها دينية متطرفة لعبت على الاتاحة الدستورية لهم في المشاركة في الحياة السياسية.
وعند أي مواجهة معهم .... غالباً سنخرج من اللعبةالشعبويية والشعب
ليست المشكلة التي نرزح تحتها الآن سببها نخبوي أي رغبة النخب الحاكمة والمثقفة في الاستئثار بالسلطة والقرار، بل لب سبب المشكل هو شعبويتها.

اعود الى صور أهلي، واصدقائهم، وكيف تغير هذا المشهد...؟ في زمانهم كنا ندعي أن الشعب مصدر السلطات، واقصد السلطات الثلاث الأساسية القضائية والتشريعية والتنفيذية، وفي العرف السائد في تلك الفترة التي اجتاحتها الرغبة في الحداثة التي تبعت استقلال بلادنا العربية ومنها سورية، كان الجيل الأكثر تعلماً والراغب في الخروج من عباءة تخلف استعماري عمره 400 سنة على الأقل، هو من شكل الطليعة، الطليعة الثقافية وهي الأهم برأيي.

لذلك كانوا فعلاً يتكلمون باسم الشعب .... وعوضاً عنه ... بنخبوية ثورية.. لها مالها وعليها ما عليها ... وان كنا بدأنا نحن اليها الآن .

حمل ذاك الجيل قيم تجاوز فيها وبسرعات كبيرة معظم الموروث لن أقول الديني انما الشعبوي، لأن شعوبنا كانت اساساً تحت ظلم تجهيلي، لا نستطيع وفقها أن ندعي انها كانت قادرة حتى على مأسسة شعبويتها.

وهذا تماما ما تمكن منه التجهيليون بعد أربعين سنة من الاستقلال ، مأسسة الشعبوية ، وهنا كان مكمن فشل أجيال تحديثية بالكامل، فشلها في أنها لم تتنبه الى خطورة المأسسة للحالة الشعبوية ، وان كانت تنبهت لها، فأظن أنها تأخرت، لأن الحالة الشعبوية قد ضربت عميقاً مصالحها وشراكاتها مع السلطات الحاكمة، وفرضت نفسها لاعباً مهماً للاستقرار المجتمعي ، طردت وفقه تدريجياً كل علامات الفكر الحداثي، واستولت حتى على اللعبة الديمقراطية ، وانتجت لها وجود مستند على الحقوق الدستورية،  وحولت اللعبة من التحدث باسم الشعب ، الى التحدث باسم الله عوضاً عن الشعب .
والشعبوية الممأسسة، لديها خطة متكاملة، تبدأ من شعبوية الخطاب الديني، الى شعبوية الثقافة العامة، الى انتاج ابطال شعبويين، والتأكيد على الشكل الشعبوي للمجتمع، الذي حولوه بمعظمه الى شكل موحد للباس، وتبعيته الفكرية لدعاة، ومرجعيات من كل الاصناف.

قضمونا شيئاً فشيئأً، فوجدنا أنفسنا في مواجهتهم ومحالفتهم دفعة واحدة فهم الخصم وهم الحلف بآن واحد مع الأسف .

كان حديثي مع ابني في العام 2013، وذكرني به عندما خرج الرئيس ترامب رئيس أمريكا منتصراً بفضل أصوات شعبوية أمريكية تم رعايتها للقادم الأسوأ حتى بالنسبة لامريكا وليس للعالم فقط . 

الخطاب الشعبوي اصبح عالميا، واصبح له امتداد لقوة عالمية .. هو ليس مشكلة محلية ولا إقليمية .

أصبح في انقضاض المئات من المؤسسة الشعبوية من كل الجهات على أي فكر مخالف تقدمي.
ولكن هناك ثغرة .... هم نسوها هذه المرة .

فالمأسسة بحد ذاتها أمر معاكس للشعبوية .

هم استفادوا من الشعبوية .... ومأسسوا الاستفادة منها .

هذا أمر آخر 

روما تخلت عن ديمقراطيتها عندما طرق هانيبعل أبوابها غازياً، والعالم على مايبدو يتخلى عن ديمقراطيته، والشعبوية تطرق ابوابه غازية .
وتبقى صور أهلي واهاليكم القديمة في أجواء الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وهم سعداء وأحرار في بلد يتطلع الى الامام وتقدمي ..هي ما ننظر اليه، ونعتبره العصر الذهبي..هذا لم يستطيعوا أن ينالوا منه ...إلى الآن .


إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.