آخر المواضيع المتعلقة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

إطار للتعاون الأوروبيّ-الروسيّ في سورية

الكاتب: جوليان بارنز داسي -ترجمة: د. محمد عبده الإبراهيم

اتضحَ الآن بعد أكثر من ثماني سنوات من الصّراع في سورية، أنّه لن يكون هناك انتقالٌ سياسيٌّ على المدى القريب بعيداً عن الرئيس بشار الأسد. هذه حقيقة يقبلها الأوروبيون إلى حدٍّ كبير. لكن هذا لا يعني أنَّ الأوروبيين مستعدون لإعادة الانخراط في المشهد السوريّ الجديد دون شروط.

على العكس من ذلك، تظلُّ السياسةُ الأوروبيةُ مركزة على الحاجة إلى ضمان تحقيق مكاسب ذات مغزى، ولا تزال الأدوات الأوروبية، بما في ذلك العقوبات وتمويل إعادة الإعمار وأي شرعية سياسية، مرتبطة بهذه الغاية. لا تزال الحكومات الأوروبية الرئيسة تأمل في إمكانية استخدام هذه الأوراق لانتزاع التنازلات من دمشق.

هذا، وبالنسبة لبعض الحكومات الأوروبية، يعتمد الطريق إلى التقدم المحتمل على روسيا، إذ تُعَدُّ اللاعب الوحيد الذي يمكنه إقناع الرئيس الأسد بتغيير موقفه. لكن في الوقت الذي يشجع فيه المسؤولون الأوروبيون إعادة الانخراط الأمريكية الروسية الأخيرة في سورية، فإنهم ما زالوا حذرين بشأن ما ترغب موسكو في تحقيقه.

وإلى حين أن يرى الأوروبيون بعض التحرك من موسكو نحو تحقيق تقدم ملموس على أرض الواقع، فإنهم سيواصلون الاعتقاد بأنه لا يوجد سبب مُبَرِّرٌ لتليين مواقفهم. هناك بعض الاعتقاد بأنَّ روسيا لن تتصرف إلا بعد أن يصبح العبء الباهظ لانخراطها طويل الأجل في سورية أكثر وضوحاً، ما سيزيد من رغبة روسيا في تأمين الدعم المالي والسياسي الأوروبي.

ولا يزال من الصعب تصوّر مساحة لتشكيل موقفٍ وسطٍ يمكن أن يحقّق شكلاً من التعاون الأوروبيّ-الروسيّ البنّاء في سورية. ومع الإشارة إلى الأمل في إحراز تقدم ضئيل، فقد يكون من الممكن تحديد الخطوط العريضة لترتيب ما يمكن أن يثبت أنه مفيد للطرفين، ما يوفر تحسينات أساسية يسعى إليها الأوروبيون للانخراط في سورية، وهو الأمر الذي تسعى إليه روسيا. في نهاية المطاف، على الرغم من ذلك، لا يمكن لهذا المسار أن يتحرك للأمام، إلا إذا قام كلا الجانبين بتغيير الموقف، وقبول النتيجة التي تقدم لهم أقل مما يسعون لتحقيقه حالياً.

المصالح الأوروبية الروسية المشتركة في سورية؟

يعتقد الأوروبيون أنهم يشتركون في عدد من المصالح الرئيسة مع روسيا في سورية. والأهم من ذلك أنَّ الأوروبيين والرُّوس يريدون تحقيق الاستقرار، وهو ما يضمن أن سورية ليست مصدراً لعدم الاستقرار الإقليمي المستمر ولتهديدات الإرهاب التي يمكن أن تؤثر في كل من أوروبا وروسيا.

هذا يستلزم الهزيمة المستمرة لـ "داعش"، ومنع مجموعات أخرى مماثلة من الظهور. بالنسبة للأوروبيين، ترتبط الرغبة في تأمين استقرار سورية بإمكانية رؤية اللاجئين السوريين يعودون إلى بلادهم، من داخل المنطقة وكذلك من الدول الأوروبية (رغم أن الضغوط السياسية الداخلية على هذه القضية داخل أوروبا أقل مما تعتقد روسيا). هذه نتيجة تدّعي روسيا أنها تدعمها. أخيراً، يبدو أن هناك بعض الرغبة المشتركة في تقليص النفوذ الإيراني في سورية، وإن كان ذلك عبر انخراطٍ دبلوماسيٍّ ضئيل مقارنة بما تقدّمه الآن الإدارة الأمريكية.

إذا تم تقاسم هذه المبادئ العريضة، فهناك مع ذلك اختلافات عميقة حول التفسير المتبادل للاستقرار ذي المغزى. لا يثق الأوروبيون في أن نظام الرئيس الأسد –كما يجري إعادة تشكيله حالياً– يمكنه تأمين استقرار حقيقيّ قادر على ضمان المصالح الأوروبية؛ بينما يبدو أن روسيا تراهن على الحكومة السورية التي يقودها الأسد لتحقيق الاستقرار*.

في حين أنَّ معظم الأوروبيين تخلوا عن الإصرار على رحيل الأسد، فإنهم يشاركون بشكل واسع في الاعتقاد بأن الحكومة السورية يجب أن تغير النهج وتؤسّس عقداً وطنيّاً جديداً قادراً على تجميع السكان معاً. يمكن تصور أن تقود دمشق هذه العملية.

إنَّ الهجوم العسكريّ الحالي على إدلب الذي تستهدف فيه البنية التحتية المدنية الرئيسة، مثل: المستشفيات، بدعمٍ روسيٍّ، يزيد من الشُّعور بعدمِ الثّقة. في هذا السياق، يسأل الأوروبيون: ما الفائدة من أي شكل من أشكال المشاركة، بما في ذلك الثمن السياسيّ المحليّ والدوليّ الذي قد يستتبعه انعكاس هذا الموقف، إذا كانت هذه الخطوات لن تقدّم حتى تحسينات محدودة على أرض الواقع وفقاً للمصالح الأوروبية؟ والنتيجة هي أنَّ الأوروبيين يفضلون الانتظار –سياسة الصبر الاستراتيجيّ، كما وصفها بعضهم التي تكملها ممارسة بعض الضغوط الخارجية التي تهدف إلى الضغط لانتزاع التنازلات من دمشق– على أمل أن تتلاشى الظروف في النهاية لصالحهم مع مرور الوقت.

إطار للعمل في سورية

يعتقد معظم الأوروبيين، نظراً إلى الدور المحوري لروسيا في سورية، أنَّ موسكو تتحمل المسؤولية الأكبر إذا كانت تريد تغيير المسار واستقطاب الدعم الغربي. في حين أن القليل من الأوروبيين ما زالوا يركزون على إقناع روسيا بالابتعاد عن الأسد، رغم رغبة موسكو في اتخاذ خطوات من شأنها أن تظهر للأوروبيين أن التقدم الفعلي قد يكون ممكناً بوساطة عملهم المشترك.

من الواضح أن التركيز على النظرة السياسية الأكثر شمولية هو طريق مسدود، حيث يفسّر الأوروبيون وروسيا الانتقال السياسي وإعادة الإعمار بشكل مختلف. ولكن يبقى أن نرى ما إذا كان لا يزال هناك مجال لاتخاذ نهج مشترك في المجالات الأخرى ذات المستوى الأدنى، وذات مغزى والتي يمكن لها أن تفتح الطريق نحو تعزيز التعاون.يتعين على الأوروبيين الآن كنقطة انطلاق، أن يوضّحوا أن أي خطوات مطلوبة لا تستهدف تغيير النظام. كما يتعين عليهم الاعتراف بسيادة الحكومة في دمشق، وبالسيادة الكاملة للبلاد، وكذلك بالتهديد الذي تشكله الجماعات الإرهابية في إدلب. ولكن على هذا الأساس، يجب أن يركز هذا المسار على قدرة روسيا على تحقيق تقدم ملموس بشأن مجموعة أساسية من القضايا على أرض الواقع، بما في ذلك:

حرية الوصول إلى المحتجزين في السجون السورية لمنظمات مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تنفيذ إجراءات الحماية والمعايير الخاصة بالمفوضية الساميّة للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بخصوص عودة اللاجئين، بما في ذلك إنشاء آلية رصد قابلة للتطبيق ونزيهة لضمان الظروف الآمنة لعودتهم.

إنشاء آليات مستقلة لضمان تسليم وتوجيه الدعم المقدم نحو الاحتياجات على الأرض، وليس إلى هيئات "النظام".

وضع حدٍّ لاستهداف المرافق الطبية والمدارس وغيرها من البنى التحتية المدنية المماثلة في إدلب (حتى في الوقت الذي يعترف فيه الممثلون الأوروبيون بضرورة مكافحة "هيئة تحرير الشام"). 

ضمان احترام اتفاقات المصالحة، بما في ذلك وضع حدّ لعمليات الاعتقال الحكومية اللاحقة وتأمين حقوق الملكية المحلية**.

يمكن أن يمثل الالتزام الروسيّ بتنفيذ وضمان مجموعة التدابير هذه التي لا يمثل أي منها تهديدات وجودية لدمشق أو "النظام" السوري المدعوم من روسيا – إحدى الخطوات القليلة المتاحة القادرة على إقناع الأوروبيين بإعادة تقييم موقفهم الأوسع وتقديم بعض التعاون إلى موسكو، بما في ذلك الدعم الاقتصاديّ والسياسيّ الذي تسعى إليه من أجل سورية.

يمكن على الأرجح صياغة هذا النهج بحسبانه أشبه بمقايضة، إذ يرتبط تنفيذُ مضمونٍ للخطوات الأساسية ارتباطاً مباشراً بتخفيف بعض التدابير الأوروبية، مثل توفير دعم الاستقرار بعد انتهاء الصراع وتخفيف العقوبات المفروضة (على مستوى أكثر محدوديّة مقارنةً بدعم إعادة الإعمار الأوسع الذي سيأتي فقط بعد التوصُّل إلى اتفاقٍ سياسيٍّ شامل).

هذا، ومن المحتمل أيضاً أن يرتبط النهج المشار إليه بتشكيل اللجنة الدستورية الذي طال انتظاره. في حين يعتقد عدد قليل من الناس أن اللجنة يمكنها بالفعل إحراز تقدم سياسيٍّ ذي معنى، إلا أنها يمكن أن تساعد في فتح الباب لعملية سياسية طويلة الأجل وإجراء انتخابات في نهاية المطاف، تقول الأطراف كافةً إنها ما زالت ملتزمة بها وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254.

عبء روسيا

قد تقول روسيا إنها غير قادرة على الحصول من دمشق على ما يريده الأوروبيون، لكن الأوروبيين سيردون على ذلك بأنّه سيكون من المستحيل فتح الباب أمام أي تعاون معزز بدون إحراز تقدم. في حين أنَّ النفوذ الروسيّ على دمشق قد يكون محدوداً، إلا أن الأوروبيين يقولون: إن موسكو يمكنها تكثيف نفوذها بشكل كبير استناداً إلى دورها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشكل حازم، وبوساطة وجودها العسكري على الأرض للضغط على "النظام" للوصول إلى التسوية اللازمة.

في نهاية المطاف، قد تقول روسيا إن هذا الأمر عبء ثقيل، ولكن بالنظر إلى دورها المحوري في ما يتعلق بسورية، يعتقد الأوروبيون أن موسكو تتحمل مسؤولية تحريك الأمور إلى الأمام، لا سيما في المخطط الأكبر للأشياء التي قد يُعَدُّ فيها التراجع الأوروبي بمثابة استسلام أمام النصر الروسي الداعم للحكومة السورية.

إذا أظهرت روسيا تحركاً إيجابيّاً ملموساً –كحزمة، بدلاً من تدبيرٍ تدريجيٍّ سيفسِّره الأوروبيون بصفته خطوة تكتيكيّة تهدفُ إلى تقويض موقفهم شيئاً فشيئاً– فيمكن للموقف الأوروبي أن يصير مُتبادلاً. ولكن من دون مثل هذا التحرك، فإنَّ معظم الأوروبيين سيواصلون رفض تقديم أي دعم مادي.

تعتمد روسيا قد على تكشُّفِ التباين في الموقف الأوروبي المشترك –وهذا قد يحدث بالفعل في نهاية المطاف بطريقة تزيد من إضعاف النفوذ الأوروبي– لكن هذا لن يترجم إلى حصول روسيا على دعم أوروبي ملموس من الجهات الفاعلة الرئيسة، مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة.

في هذا السياق، فإنه من الأفضل أن تتخطى الحكوماتُ الأوروبية والروسية التي تسعى قُدماً إلى التعاون في سورية العبثَ والحديثَ عن الانتقال السياسي وإعادة الإعمار، وتركز اهتمامها على تحديد حزمة محددة من التدابير والخطوات التي يمكن أن تدعم التعاون المعزز في سورية.

كجزء من هذا، هل هناك مجالات ملموسة تكون فيها روسيا مستعدة وقادرة على الحصول على تنازلات من الحكومة السورية، وتقبل أن هذه الخطوات تحتاج إلى التنفيذ كمقدمة لأي تحول في الموقف الأوروبي؟ وما الأشياء التي يمكن للأوروبيين تقديمها لتحفيز هذا النهج، وبخاصّة فيما يتعلق بتقديم درجة من المشاركة الاقتصادية والسياسية؟

يمكن أن يساعد هذا النهج في تشكيل نتيجة أفضل للسوريين على الأرض، وفي إحلال الاستقرار فضلاً عن المساعدة في دفع التعاون الروسيّ-الأوروبيّ قُدُماً، بدلاً من أن تكون آفاق العلاقات الإيجابية والتعاون قاتمة.
* لطالما خضعت سياسة الحكومات الأوروبية، وبخاصة في فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا، وانقادت إلى إملاءات وتوجهات سياسة الولايات المتحدة، وانخرطت في تقديم أشكال الدعم والتسليح للجماعات الإرهابية في سورية، وبما يسهم في زعزعة الاستقرار وإطالة أمدِ الحرب. 

 



الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات