منها تفاحة نيوتن: 5 أحداث تاريخية شهيرة لم تحدث

20-06-2023

منها تفاحة نيوتن: 5 أحداث تاريخية شهيرة لم تحدث

الروائي الأمريكي تيم أوبراين، من روايته «الأشياء التي حملوها»

كان هيرودوت مؤرخًا إغريقيًا قديمًا عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، واشتهر بكتابه «تاريخ هيرودوت» الذي يصف فيه أحوال البلاد والعباد ممّن قابلهم في ترحاله حول العالم آنذاك. لكن هيرودوت يحمل لقبين: «أبو التاريخ» و«أبو الأكاذيب» . من أطلقوا عليه هذه الألقاب استخدموها لشرح نفس المعنى: وهو أن التاريخ الذي يصل إلينا يُحرّف كثيرًا بسبب تحيّزات ودوافع مختلفة، أو كما يُقال دائمًا: «التاريخ يكتبه المنتصرون».

وكما اتضح لنا، وما زال يتضح لنا، فإن كثيرًا من الحقائق التي اعتقدنا أننا نعرفها عن التاريخ هي مجرد كذب صريح. ليس حتى أن بعض عناصر القصة قد تم المبالغة فيها أو التقليل من شأنها، بل إن تلك القصة لم تحدث على الإطلاق من الأساس!

لأن رواية القصص تملك قوةً راسخةً على مر التاريخ؛ فإن بعض القصص التأسيسية للثقافات الشعبية، وحتى العلوم، هي مجرد قصص مُختلقة بالكامل كان يُقصد بها نقل بعض الحقائق الأكبر، أو في بعض الحالات تحقيق أغراضٍ أخرى.

سوف نُلقي نظرةً على بعض الأحداث التاريخية العلمية الشهيرة، والتي نعتقد أنها حدثت كما وصلت إلينا، لكنها مجرد تجسيد آخر للمقولة السابقة من رواية تيم أوبراين «الأشياء التي حملوها».

سير إسحاق نيوتن.. جاذبية التفاح فوق رأسه

صورة لا تُمحى أبدًا، وربما كانت واحدة من أفضل الصور المعروفة في تاريخ العلوم: 
صورة إسحاق نيوتن وهو يجلس تحت شجرة تفاح، عندما فجأة تسقط تفاحة فوق رأسه، ثم فجأة، بعد أن يتوقف عن الصراخ في الشجرة، يكتشف نيوتن الجاذبية، وبذلك يضمن مكانته في التاريخ إلى الأبد.

في حين أن صورة سقوط التفاح، على الشعر المستعار للسير إسحاق نيوتن، أصبحت تُمثل إحدى أشهر لحظات «وجدتها» في التاريخ، إلا أن الأمور لم تحدث بالضبط بهذه الطريقة.

نيوتن كان يدرس في جامعة كمبردج عام 1661، ولكن بعد أربع سنوات، اضطر للعوة إلى مسقط رأسه في ريف «وولسثورب مانور »، بعد إغلاق الجامعة بسبب انتشار وباء الطاعون حينها. وهناك قضى نيوتن نحو عامين، أجرى فيهما كثيرًا من تجاربه الشهيرة، وأبرزها عمله ودراسته في الضوء والبصريات، وعندما كان يسير في البستان كان يلاحظ سقوط التفاح من الشجرة إلى الأسفل، مما دفعه إلى التفكير والتأمل والتساؤل: لماذا تسقط الأشياء دائمًا إلى الأسفل، ولا تسقط إلى الجانب أو إلى الأعلى مثلًا؟

ليست هناك أدلة على سقوط التفاح فعلًا فوق رأسه، أو أنه اكتشف فجأة قوانين الجاذبية الكونية. في عام 1726، شارك نيوتن حكاية التفاح مع العالم ويليام ستوكلي، والذي ذكرها في كتابه «مذكرات حياة السير إسحاق نيوتن»، الذي نُشر في عام 1752.

وكما يحكي ويليام ستوكلي في مذكراته:

بعد العشاء، كان الطقس دافئًا، ذهبنا إلى الحديقة، نشرب الشاي تحت ظلال بعض أشجار التفاح… قال لي نيوتن إنه كان في نفس هذا الموقف سابقًا عندما بدأ يفكر في مفهوم الجاذبية…. بعد ما لاحظ وقوع التفاحة، بينما كان يجلس متأملًا.
هل اكتشف نيوتن الجاذبية بسبب سقوط تفاحة؟ نعم. لكن هل سقطت فوق رأسه؟ لا، لم يحدث هذا.

أينشتاين.. الطفل الذي يكره الرياضيات

ربما لا تحب الرياضيات، وتجد أن امتحاناتها معقدة دائمًا، من منّا يحب التفاضل أو التكامل أو حتى حساب المثلثات؟ حسنًا، إن كنت قد فشلت في امتحان الرياضيات، فهناك فرصة لا بأس بها أن شخصًا بالغًا أخبرك أن تبتهج، لأن حتى ألبرت أينشتاين نفسه فشل في امتحان الرياضيات عندما كان طفلًا، أو ربما قرأت هذه المعلومة في مكان ما.

الدرس المُستفاد من هذه القصة؟ أنه بالرغم من أنك لا تعرف الآن الفرق بين شبه المنحرف والمُعيَّن، إلا أنك في يوم من الأيام قد تملك بعضًا من أهم أفكار الفيزياء كما فعل أينشتاين. وربما كان عدم قدرتك على القيام بعملية القسمة المُطوّلة علامة جيدة للمستقبل!

حسنًا، على ما يبدو أن الأداء الضعيف للطفل أينشتاين في المدرسة الابتدائية كان مبالغًا فيه إلى حد ما. وهو في الحقيقة حصل على درجات جيدة جدًا في المدرسة في مختلف المواد، على الرغم من أنه كان يكره طريقة التدريس الروتينية. وفي سن الحادية عشرة كان يدرس كتب الفيزياء الجامعية، وفي الثالثة عشرة كان يتحدث عن مدى حبه للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط بعد قراءة كتابه «نقد العقل الخالص».

حتى أن أينشتاين نفسه قد ذكر في مقابلة معه:

لم أفشل أبدًا في الرياضيات. وقبل أن أبلغ الخامسة عشر كنت قد أتقنت التفاضل والتكامل.
لكن، هل فشل أينشتاين في أي امتحان من قبل؟ نعم، فشل في امتحان الدخول إلى معهد زيورخ في أول محاولة له، عندما كان لا يزال بعمر السادسة عشرة، قبل عامين تقريبًا من تخرجه في المدرسة الثانوية. لكن اتضح أن سبب فشله هو أن الامتحان كان باللغة الفرنسية، وهي اللغة التي لم يكن يدرسها أو يتقنها. وبينما فشل في امتحانات أقسام اللغات وعلم النبات وعلم الحيوان، إلا أن هناك قسماً واحداً نجح فيه، ربما قد خمنته بالفعل، نعم لقد كان الرياضيات.

أرشميدس.. الحقيقة العارية

بالتأكيد سمعنا، ونحن في المدرسة، القصة الشهيرة التي تحكي عن ملك سيراكوس في صقلية، الملك هيرون، الذي بدأ يشك في أن تاجه الذهبي قد لا يكون ذهبًا نقيًا بسبب مكائد حداد جشع. لذا يأمر عالم الرياضيات أرشميدس ليثبت أن التاج ممزوج بالفضة الرخيصة.

ذات يوم، بينما كان يبحث أرشميدس عن حل لهذه المشكلة، قرر أن يستحم في حوض مليء بالماء عن آخره. فلاحظ على الفور انسكاب الماء من حوض الاستحمام لحظة دخوله إليه، وكلما زاد دخوله إلى الحوض، أدرك انسكاب مزيد من الماء، ليصنع فوضى حقيقية في الحمام، مما جعل زوجته تغضب بشدة، وتخبره أنه سوف ينظف هذا الحمام بعد أن ينتهي، كأي زوجة تحترم نفسها. ثم بدأ يحزن ويتذكر طفولته… ما هذا، أين كنّا؟ آه، نعم.. انسكاب الماء وقانون الطفو لأرشميدس.

ما لاحظه أرشميدس هو أن الماء المُزاح من الحوض كان يساوي حجم جسده، ولأن كثافة الذهب أثقل من الفضة، استنتج أن حجم الماء المُزاح عندما يُغمر التاج فيه لا بد أن يساوي نفس حجم الماء المُزاح بغمر وزن ذهب خالص مساوٍ لوزن التاج، وبالتالي سوف يعرف إن كان التاج ممزوجًا بالفضة أم لا.

ولهذا خرج من الحمام، وركض عاريًا في شوارع مدينة سيراكوس، وهو يصرخ: «يوريكا! يوريكا!» أو «وجدتها! وجدتها!». هذه القصة حوّلت كلمة «يوريكا!» إلى تعبير شائع عن اكتشاف حلول جديدة وعن لحظات الإلهام.

ولكن، بالطبع هناك مشكلة واحدة، أو اثنان، فقط: وهي أن أرشميدس لم يقل هذا أبدًا. حسنًا، ربما قال كلمة «وجدتها!» في مرحلة ما من حياته، ولكنه لم يفعل ذلك وهو يركض عاريًا في شوارع المدينة. والمشكلة الثانية، كما قد تكون لاحظت، أنه وفقًا للقصة، كان يستحم في حمام عام، وليس في المنزل، لذا فإن قصة زوجته هي مجرد إضافة مني لحبكة القصة!

أرشميدس نفسه لم يكتب عن هذه الواقعة، بالرغم من أنه قضى كثيرًا من الوقت في تفصيل قوانين الطفو، وحساب نسبة محيط الدائرة إلى قطرها، وهو ما نعرفه باسم «باي – Pi»، والبدء في التمهيد إلى حساب التفاضل والتكامل، إضافة لمجموعة أخرى من الإنجازات الرياضية والهندسية.

الكاتب الروماني فيتروفيوس كان أول من حكى قصة أرشميدس العاري في مقدمة كتابه التاسع عن العُمارة، تقريبًا بعد مرور نحو 200 سنة من هذا الحدث، وربما قد طوّر من حبكة القصة، وأضاف لها الجزء العاري، كما أضفت جزء الزوجة الغاضبة، كي تصبح أكثر تشويقًا.

مثل تفاحة نيوتن، يستمر تصديقنا لهذه القصة بسبب القوة الراسخة للقصص التي تعبر عن الإلهام والاكتشافات الجديدة لمثل هذه المعضلات.


- كريستوفر كولومبوس.. اكتشاف أمريكا والأرض الكروية

كما نعرف جميعا، كل شخص في القرن الخامس عشر في أوروبا اعتقد أن الأرض مُسطّحة، باستثناء شخص واحد، شخص شجاع وذكي، الشخص الذي اكتشف أمريكا، وهو المُستكشف كريستوفر كولومبوس. ولكن، كالعادة، كل هذا مجرد قصة خطأ تمامًا.

ليس فقط لأن مفهوم الأرض الكروية كان حقيقةً مقبولةً في زمن كولومبوس، ولكن لأن الإغريق القدماء كانوا يحسبون حجم كروية الأرض منذ القرن الثالث قبل الميلاد. حتى أن كل بحار قديم، أبحر خارج حوض استحمامه، كان يعرف بأن التشكيلات النجمية ترتفع في السماء بينما يبحر جنوبًا. ثم هناك ظاهرة الخسوف القمري، والتي تُظهر ظل الأرض المنحني بلا شك.

لم يكن كولومبوس يحاول إثبات أن الأرض كروية عندما أبحر في عام 1492، ولكنه كان يحاول إثبات أن الإبحار نحو الغرب كان أسرع طريقة للوصول إلى الشرق الأقصى وموانئ التوابل الثمينة في الهند، لم تكن حساباته خطأ بشكل مذهل فحسب، بل كان سيموت هو وطاقمه بالتأكيد لو لم يصطدموا بالصدفة بمجموعة من جزر الكاريبي، التي اعتقد كولومبوس أنها الهند الساحلية. في الحقيقة، في كل رحلاته إلى العالم الجديد، استمر بالاعتقاد أنه وصل إلى بعض الأجزاء في قارة آسيا.

وبالتأكيد لم يكتشف أمريكا، حتى لو وضعنا جانبًا حقيقة أن هناك الآلاف من الناس كانوا يعيشون بالفعل هناك، فهو لم يكن المُستكشف الأوروبي الأول الذي يبحر إلى نصف الكرة الغربي أيضًا. وبالطبع، كولومبوس لم يضع قدمًا على أراضي قارة أمريكا الشمالية من الأساس، ولكنه هبط على تلك الجزر في البحر الكاريبي وهي «جزر الباهاما».

الأنفلونزا الإسبانية.. ليست إسبانية

الوباء الأشد فتكًا في تاريخ البشرية، والذي بدأ باسم «إنفلونزا الثلاثة أيام»؛ أصاب وباء الإنفلونزا الإسبانية، عام 1918، ما يقدر بنحو 500 مليون شخص حول العالم، نحو ثلث سكان الكوكب آنذاك، وقتل ما يقدر بنحو 50 مليون شخص، أكثر بـ34 مليوناً ممن قُتلوا في الحرب العالمية الأولى، التي كانت تدور رحاها في نفس التوقيت.

بدأت ملاحظة الإنفلونزا الإسبانية أولًا في أوروبا والولايات المتحدة وأجزاء من آسيا، قبل الانتشار سريعًا في جميع أنحاء العالم. وفي ذلك الوقت، لم تكن هناك أدوية أو لقاحات فعالة لعلاج هذه السلالة القاتلة من الفيروس. وخلافًا للإنفلونزا الموسمية، فإن الإنفلونزا الوبائية لا تتمكن المناعة البشرية من مواجهتها، حتى أن جهاز المناعة بالغ في رد فعله، ودمر رئتي البشر في محاولة للوصول إلى الفيروس.

برغم أن اسمها الإنفلونزا الإسبانية، فإن منشأها لم يكن في إسبانيا، ويظل حتى الآن غير معلوم. ولكن ربما اكتسبت هذا الاسم لأن إسبانيا كانت من أوائل الدول التي قُتل بها الملايين بسبب الوباء. ويفترض البعض أن الفيروس ربما كان ينتشر في جميع أنحاء العالم لبضع سنوات قبل أن يتطور إلى هذا الوباء الفتّاك في عام 1918. بينما يقترح البعض أن الحالة الأولى حدثت في مقاطعة هاسكل بولاية كانساس في الولايات المتحدة الأمريكية.

هذه بعض من الأحداث التاريخية التي اعتقدنا أنها حدثت كما رُويت لنا، لكنها لم تحدث هكذا في الواقع. هل لديك أحداث أخرى تشاركنا بها؟


إضاءات

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...