خلو سورية من الملاريا والبلهارسيا.. وعودة اللاشمانيا

22-04-2009

خلو سورية من الملاريا والبلهارسيا.. وعودة اللاشمانيا

لا يكفي الإنسان ما تتعرض له بيئته ومحيطه من أمور تهدد سلامته، حتى أضيفت إليها مخاطر حديثة بسبب التطور الصناعي والتكنولوجي.

فالمخاطر الصحية الناجمة عن البيئة تزداد ويترافق ذلك مع زيادة العبء المرضي الناجم عن الأمراض والاصابات والوفيات... ‏

ولكن ماهو تعريف البيئة؟.. حسب أصحاب الشأن هي كل ما هو خارجي عن المجموعات البشرية وبالإمكان تجزئتها إلى فيزيائية وبيولوجية واجتماعية وثقافية وغيرها... ويؤثر بعض أوكل منها على صحة السكان... ‏

بينما صحة البيئة وحسب التعريف هي جوانب من صحة الانسان تشمل نوعية الحياة التي تحددها العوامل الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والاجتماعية والنفسية في البيئة. ‏

كل هذه المعطيات تؤكد أن صحة الانسان تعتمد على مقدرة المجتمع في ادارة التفاعل بين الأنشطة البشرية والبيئات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية وطبعاً فإن الربط بين الصحة والبيئة والتنمية المستدامة يتطلب جهوداً مشتركة بين كل الوزارات في الدولة، اضافة الى المعاهد البحثية والمنظمات والجمعيات الأهلية والنقابات، والغاية أولاً وأخيراً توفير الصحة للجميع.. 
 ونعلم جميعاً إن 25% من العبء العالمي للمرض ينجم عن المخاطر البيئية لذلك فإن التصدي للآثار البيئية وما ينجم عنها من أمراض يتطلب مجموعة من الاجراءات.. لعلّ من أهمها تحديث الاستراتيجية الوطنية لصحة البيئة والتي وضعت منذ 1995... وهذا ما تسعى إليه وزارة الصحة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية. ‏

لتحديث وتطوير الاستراتيجية الوطنية لصحة البيئة وخطة طوارئ صحة البيئة تعاقدت وزارة الصحة مع خبير من منظمة الصحة العالمية وبمساندة فريق العمل الوطني من دائرة صحة البيئة والذين قاموا بزيارات للوزارات المعنية بهدف حشد التأييد والالتزام، ومن أجل ذلك عقدت ورشة عمل في قاعة منظمة الصحة العالمية في وزارة الصحة وبمشاركة فعّالة من جميع الوزارات والجمعيات الأهلية لدراسة الواقع الحالي ومن ثم دراسة الفرص المتاحة والثغرات والمعوقات ووضع تصور لاستراتيجية العمل ضمن الخطة الخمسية مع وضع برامج زمنية للتطبيق وأن تكون هذه الاستراتيجية قابلة فعلاً للتطبيق... ‏

وقد ناقشت مجموعات العمل مسودة استراتيجية صحة البيئة ونتج عنها وضع الخطوط العريضة للاستراتيجية فيما يتعلق بسلامة الماء والهواء والغذاء والتخلص الآمن من الفضلات المنزلية والصناعية والطبية والصرف الصحي والسلامة الكيماوية وسلامة وصحة البيئة المدرسية والصحة والسلامة المهنية والمواصفات والمقاييس وضبط الجودة والرقابة المخبرية وادارة الطوارئ في المخيمات والأزمات والتخفيف من التأثيرات الصحية للتغيرات المناخية وحماية الساحل. ‏

الدكتور عاطف الطويل رئيس دائرة صحة البيئة في وزارة الصحة تحدث عن أهمية تحديث استراتيجية صحة البيئة فقال: مع تزايد النمو السكاني برزت مجموعة كبيرة من الأمراض المعدية والسارية والتي لها علاقة بالبيئة خاصة بعض الأمراض المزمنة مثل التهاب القصبات المزمن والتسمم بالرصاص والأورام والتسمم المزمن بالكيماويات.. وهذه الأمراض التي كانت من سمات المجتمعات الصناعية وأصبحت شائعة مع عجلة التنمية الزراعية والصناعية... ولكن لم يتم لحظ العواقب الصحية لهذه التنمية المتسارعة ما أدى الى إضافة عبء مرضي اضافي. ‏

وقد قامت وزارة الصحة بإجراء دراسات مرتبطة بالبيئة ففي دراسة أجريت عام 2002 بينت أن 70% من العاملين في معمل اسمنت طرطوس يعانون من أحد الأمراض التنفسية المزمنة بغض النظر عن نوع العمل والوظيفة التي يشغلونها، كما ان 48% من القاطنين بالجوار لمعمل اسمنت طرطوس مصابون بمرض انتاني تنفسي مزمن واحد على الأقل. ‏

كما بينت دراسة أخرى زيادة تراكيز الرصاص في الدم عن الحد المسموح به من قبل منظمة الصحة العالمية لدى 77% من أطفال دمشق من الفئة العمرية 6 ـ 12 سنة.. وفي دراسة عن الاسكاريس ذكرت انتشار الاسكاريس بنسبة 21% في ريف دمشق مقارنة بـ 3% في المنطقة الشاهدة ويعود ذلك الى تلوث المياه المستخدمة في الري وبالتالي تلوث الخضار والفواكه.. ‏

وفي عام 2007 احتلت أمراض جهاز التنفس المرتبة الثانية بنسبة 9.1% من أسباب الوفيات في سورية بنسبة 5.6%، انتشار المرض التنفسي الحاد بنسبة 60%، بينما ازداد الانتان التنفسي بنسبة 25% مقارنة بدراسة أجريت عام 1989. 
 وطبعاً الضجيج كانت له حصة بما يسببه من أذى للدماغ والأذن والجهاز العصبي والقلب اضافة الى التوتر النفسي.. وكالعادة فقد ازدادت مستوياته في دمشق، أما التلوث البصري الناجم عن عدم التخطيط العمراني فحدث ولا حرج... ‏

يؤكد الدكتور الطويل أن الوضع الصحي في سورية يعد جيداً فقد تناقصت معدلات وفيات الرضع والأطفال والأمهات، كما أن سورية في طريقها لإعلان خلوها من بعض الأمراض المنقولة بالنواقل كالملاريا والبلهارسيا المرتبطين بالبيئة والتنمية الزراعية، بينما لوحظ عودة اصابات اللاشمانيا الجلدية للارتفاع خاصة في حلب وهذا المرض يعد مرضاً بيئياً بالدرجة الأولى... أيضاً انخفض معدل وفيات الرضع (لكل ألف مولود) من 132 خلال عام 1970 الى 17.1 خلال عام 2005. ‏

وازداد العمر المتوقع عند الولادة من 65 سنة خلال 1970 الى 72 سنة خلال عام 2005، وتطور معدل وفيات الأطفال دون الخمس سنوات (لكل ألف مولود حي) من 164 وفاة خلال 1970 الى 19.3 خلال عام 2005 وقد اعتبرت الصحة احدى ثلاث أولويات ضمن الخطة الخمسية العاشرة ألا وهي الصحة والتعليم والماء، لذلك ومن أجل أن تكون الأعمال التنموية ذات مردود إيجابي متكامل فإنه من الضروري دراسة آثارها الصحية المتوقعة ووضع الخطط والاستراتيجيات لحماية وسلامة صحة الانسان، ولهذه الأسباب مجتمعة تضافرت الجهود لتحديث الاستراتيجية الوطنية لصحة البيئة. ‏

المشاركون في وضع مسودة استراتيجية صحة البيئة كانت لهم رؤيتهم وتصوراتهم وربما طموحاتهم في الاستراتيجية الجديدة فماذا قالوا: ‏ الخبير الدكتور أسامة ماهر أشار الى استراتيجية صحة البيئة التي صدرت عام 1995 وحلل نقاط القوة والضعف الموجودة فيها، فقال: من نقاط القوة أن سورية من الدول القليلة التي اهتمت بصحة البيئة وأصدرت استراتيجية بهذا الشأن بمشاركة العديد من الوزارات وبالتالي تناولت مسائل ومواضيع متنوعة ولكن كان هناك نقاط ضعف منها عدم تحديد المسؤولية أي عدم توزيع أدوار محددة للوزارات المعنية، اضافة الى غياب وسائل التحقيق والتقييم ومتابعة النتائج والقرارات وبالتالي لم يكن هناك وقت زمني محدد لتنفيذ الاستراتيجية.. ‏

وأضاف: حالياً هناك فرصة من خلال الاهتمام المعطى من جانب صانعي القرار لصحة البيئة ورغبة أكيدة في اصدار الاستراتيجية بشكلها الجديد، ولكن ما يهدد هذه الاستراتيجية أن تبقى على الورق فقط دون تنفيذ!!. ‏

أما الدكتورة رولا داغستاني من وزارة الصحة فتحدثت عن الطموحات في الخطة المستقبلية للاستراتيجية من خلال توفير الأمن الغذائي لسكان سورية وحمايتهم من الأمراض المعدية والطفيلية التي تنتقل عن طريق الطعام والارتقاء بالوعي الصحي البيئي للعاملين بالأغذية. ‏

وأضافت الدكتورة داغستاني أن الطموحات لا تقف هنا فلا بد من نشر الوعي الصحي البيئي ورصد ملوثات الهواء والأمراض الناجمة عنها وإجراء الدراسات اللازمة لذلك. ‏

أما طموحات وزارة الصحة ـ كما تراها ـ فهي الحد من الأخطار الصحية والبيئية والخسائر الاقتصادية التي تسببها الصناعات الضارة بالبيئة، واعداد خطط طوارئ للصناعات الخطرة وتوفير التجهيزات اللازمة، مع ضرورة التأكيد على اضافة فصول جديدة للاستراتيجية القادمة مثل التثقيف الصحي البيئي والاستعداد لمواجهة الطوارئ والكوارث والأمراض الناجمة عنها... ‏

وبالنسبة للنفايات الطبية أكدت المهندسة كندة السيد سلمان مسؤولة المشروع في وزارة الصحة على أهمية معالجة النفايات بالنسبة للاصحاح البيئي، حيث تعتبر المؤسسات الصحية مكاناً لمعالجة المرضى وتقديم الرعاية الصحية وفي الوقت نفسه مصدراً من مصادر الخطورة من ناحية انتاج النفايات الطبية اذا لم تتم معالجتها بطريقة صحيحة، ويبقى الجزء الأهم الفرز الصحيح من المصدر والخطوة الثانية النقل بآليات خاصة مجهزة بتكييف الى محطات المعالجة ويبقى أفضل مكان للمعالجة مكان انتاجها في حال عدم توفر نقلها الى أماكن أخرى.. ‏

وتقول المهندسة سلمان أن هناك مشكلات ومعوقات من أهمها افتقار التنسيق بين الجهات وعدم تحديد المسؤوليات، وهذه من أهم الأسباب التي تدعو لضرورة وضع استراتيجية جديدة لصحة البيئة. ‏

أيضاً كانت هناك مشاركات للجمعيات الأهلية البيئية في سورية ومنها جمعية الساحل السوري لحماية البيئة حيث تحدثت الدكتورة سهير الريس عن أهمية الاستراتيجية الوطنية لصحة البيئة من خلال تحديد القطاعات المؤثرة في مجال صحة البيئة ورصد الواقع الصحي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي للسكان وضرورة تحديد مصادر تلوث الغذاء والماء والهواء. ‏

وأشارت الدكتورة الريس إلى أهمية مشاركة الجمعيات ودورها في مجال اصحاح البيئة والتأكيد على الإحصاءات والدراسات حول الأمراض الناجمة عن تلوث البيئة في سورية. ‏

الدكتور نادر غازي مدير التوعية والاعلام في الهيئة العامة لشؤون البيئة أكد على دور وزارة الادارة المحلية والبيئة في الخطة الوطنية لصحة البيئة من خلال الاجراءات المتخذة سواء على مستوى البنى التحتية أو في مجال التشريعات والقوانين أو على مستوى التأهيل والتدريب والتوعية البيئية، وقد تم احداث مديريات لشؤون البيئة في كل المحافظات السورية ويجري العمل على تأهيل كوادر هذه المديريات لتمارس عملها في التفتيش والمراقبة البيئية وتطبيق القوانين والتشريعات اضافة الى تزويد هذه المديريات بالمخابر الثابتة والمتنقلة لقياس الملوثات وهذا يسهم في تحسين الوضع الصحي البيئي.. ‏

ونظراً لكون مشكلة تلوث الهواء هي المشكلة الثانية من حيث الأولوية في العمل البيئي بعد تلوث الموارد المائية السطحية والجوفية فقد تم تزويد مديريات البيئة في ريف دمشق وحلب وحمص بمحطات ثابتة لرصد ملوثات الهواء. ‏

ولأن التغيرات المناخية لها تأثيراتها الصحية على الانسان أشار الدكتور رستم جعفري إليها فقال: إن هناك موجات الحر والبرد والعوامل المتطرفة الأخرى فتلوث الهواء يؤدي الى الاصابة باضطرابات تنفسية مباشرة أو الاصابة بنوبات ربوية عند المصابين، اضافة الى المواد المحسسة في الهواء والتي قد تؤدي الى تفاعلات تحسسية حادة. كما أن العالم يتجه نحو نقص الغذاء الآمن وعودة الأمراض وهناك اتجاه نحو زيادة الأمراض كالاسهالات والتهاب الكبد، وأيضاً ينجم عن التغيرات المناخية مشكلات اجتماعية واقتصادية بسبب انتقال مجموعات كبيرة من الناس الى اماكن أخرى تحت تأثير هذه المتغيرات. ‏

ولذلك كان لابد من التكيف من خلال تقليل الأعباء المرضية والآثار الصحية والسيطرة عليها ورصدها بهدف منع حدوثها أو خفضها للحدود الدنيا الممكنة. ‏

وحول الفئات الأكثر حساسية للآثار الصحية الناجمة عن التغيرات المناخية قال الدكتور الجعفري: إن سكان المدن المنخفضة الارتفاع والمدن المعزولة والفقراء هم الأكثر استهدافاً وكذلك المسنون والمصابون بالأمراض المزمنة والقاطنون في أماكن التماس مع المناطق الموبوءة بالأمراض. ‏

وللدكتور أكرم الريشة مدير الصحة والسلامة المهنية في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية رؤيته حيث أشار الى أن الهدف الأساسي من مجال الصحة والسلامة المهنية تأمين سلامة العاملين في كل القطاعات من خلال تأمين بيئة عمل سليمة خالية من الملوثات. ‏

ولا يخفى على أحد أن الوزارات المعنية بصحة البيئة لديها ما يكفي من قوانين ولكنها تفتقر الى التنسيق اللازم لحل المشكلات المتعلقة بصحة البيئة من هنا تأتي أهمية اعداد استراتيجية جديدة تعنى بصحة البيئة لتوضيح دور كل وزارة. ‏

أجمع المشاركون في وضع مسودة استراتيجية صحة البيئة على أمنية واحدة وهي تطبيق الاستراتيجية مستقبلاً، فخوفهم الأكبر أن تبقى الاستراتيجية دون تنفيذ وعلى الورق فقط كما حدث سابقاً ووفق جدول زمني واضح.. ‏

على كل حال ما وصلت إليه بيئتنا من تدهور، وما يصيب انساننا من أمراض وأخطار، يجب أن يحث الجميع على النهوض بالاستراتيجية وتطبيقها والحرص على تنفيذها على أكمل وجه... نأمل ذلك!! ‏

سناء يعقوب

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...