«أرامكو الرياض» في دائرة التهديف اليمنية: الـ«درونز» تعطّل نقل النفط السعودي

في عملية هي الأكبر منذ بدء العدوان على اليمن، استهدفت «أنصار الله» بسبع طائرات مسيّرة محطّتي ضخّ نفطيتين تابعتين لشركة «أرامكو» السعودية. استهداف يؤشّر على تطوّر نوعي في قدرات الطيران المسيّر لدى الجيش واللجان الشعبية، وينطوي على أكثر من رسالة دالّة، سواء في سياق الضغوط التي تصعّدها سلطات صنعاء منذ قرابة شهر على «التحالف»، أو في إطار التوترات الأعمّ التي يشهدها الإقليم.

بعد نحو أربعة أشهر على تنفيذها آخر أبرز عمليات الطيران المسيّر، باستهدافها في الـ10 من كانون الثاني/ يناير الماضي، عرضاً عسكرياً لقوات الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي في قاعدة العند الجوية في محافظة لحج (جنوب)، ما أدى حينذاك إلى مصرع قيادات رفيعة في تلك القوات، نفذت حركة «أنصار الله»، صباح أمس، وعودها بتصعيد هذه العمليات في العام الخامس من العدوان، قاصفةً بسبع طائرات مسيّرة محطّتين لضخّ النفط في العمق السعودي، مسبّبة تعطّلهما. تطوّر نوعي ينطوي، إلى جانب دلالاته في سياق التوترات التي يشهدها الإقليم، على أكثر من رسالة تريد سلطات صنعاء إيصالها إلى «التحالف» وداعميه. إذ إن القصف الأخير يأتي بعد أيام فقط من انطلاق تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق الحديدة بمباركة أممية، وتوازياً مع انعقاد محادثات في العاصمة الأردنية عمّان تتركّز على الجانب الاقتصادي، ما يعني أن «أنصار الله» تستهدف تصعيد الضغوط على السعودية والإمارات وحلفائهما الغربيين، من أجل دفعهم إلى الإسراع في تطبيق تفاهمات استوكهولم، وأيضاً إزالة العراقيل التي تحول إلى الآن دون انطلاق مفاوضات من شأنها التوطئة لحلّ سياسي.

وترجمةً لما كان زعيم «أنصار الله»، عبد الملك الحوثي، قد أعلنه بمناسبة مرور أربعة أعوام من العدوان، من أن «العام الخامس عام المزيد والمزيد من تطوير القدرات العسكرية»، وأن «القادم أكبر وأعظم»، وأيضاً ما كان قد أكده في مقابلته التلفزيونية الأخيرة من «(أننا) نستطيع الوصول إلى الرياض وما بعد الرياض، إلى أبو ظبي ودبي، إلى أهداف حيوية وحساسة ومؤثرة هم يعرفون ماذا نعني بها»، أطلق الجيش اليمني، أمس، في عملية سُمّيت «عملية التاسع من رمضان» هي «الأكبر منذ بدء العدوان»، سبع طائرات مسيّرة مفخّخة على «محطّتي الضخّ البتروليتين في خطّ الأنبوب الرئيس للنفط 8 - 7»، وفق ما جاء في بيان للقوات المسلحة. وأشار البيان إلى أنّ العملية «التي نُفّذت بعد رصد دقيق وتعاون من الشرفاء من أبناء تلك المناطق، أدت إلى التوقف الكامل لضخ النفط عبر خط الأنبوب، وأثّرت مباشرةً باقتصاد العدو.

ولم تتأخر السعودية في الاعتراف بالعملية التي وقعت بين السادسة والسادسة والنصف صباحاً، وأصابت المحطتين الواقعتين في محافظتَي الدوادمي وعفيف في منطقة الرياض على بعد 220 كلم و380 كلم غربي العاصمة. إذ سرعان ما اعترف وزير الطاقة، خالد الفالح، بالهجوم على الخطّ البالغ طوله نحو 1200 كلم، والذي ينقل خمسة ملايين برميل نفط يومياً على الأقلّ من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على الساحل الغربي، لافتاً إلى أن شركة «أرامكو أوقفت الضخّ في خط الأنابيب، حيث يُعمَل على تقييم الأضرار وإصلاح المحطة». ورأى الفالح أن «هذا العمل الإرهابي والتخريبي، وتلك التي وقعت أخيراً في الخليج العربي ضد منشآت حيوية، لا تستهدف المملكة فقط، بل تستهدف أمان إمدادات الطاقة للعالم، والاقتصاد العالمي»، مشدداً على «أهمية التصدي لكافة الجهات الإرهابية التي تنفذ مثل هذه الأعمال التخريبية، بما في ذلك ميليشيات الحوثي في اليمن المدعومة من إيران».

وتشكّل عملية أمس دحضاً عملياً شديد الوضوح للادعاءات السعودية الأخيرة بتدمير «ورشات» الطيران المسيّر في العاصمة صنعاء. ادعاءاتٌ كان آخرها ما جاء أول من أمس على لسان الناطق باسم «التحالف» تركي المالكي، الذي تحدث عن «قصف ورشة حوثية تقوم بعمليات صيانة للطائرات المسيّرة في قاعدة الديلمي»، مستعرضاً ما قال إنها صورٌ لتلك الروشة. وقبل ذلك بأشهر أيضاً، ادعى «التحالف» تدمير «أماكن تخزين الطائرات من دون طيار، وورش التصنيع وقطع الغيار، وورش التركيب والتفخيخ، وأماكن الفحص وتجهيز منصات عربات الإطلاق، وكذلك مرافق التدريب لتنفيذ العمليات الإرهابية» في صنعاء، وهو ما نفته «أنصار الله» حينها، مؤكدة أن الردّ عليه «سيكون عملياً». وها هو الرد يتجلّى بالفعل اليوم، ليثبت تواصل الخطّ التصاعدي لعمليات تطوير القدرات العسكرية لدى القوات المسلحة اليمنية، التي أكدت في بيانها أمس «جاهزيتها لتنفيذ عمليات نوعية أخرى في حال استمرار العدوان في ارتكاب الجرائم وانتهاك السيادة الوطنية». وهو ما شدد عليه أيضاً الناطق باسم «أنصار الله»، رئيس وفدها التفاوضي محمد عبد السلام، بقوله إنه «في مواجهة هذا الاستهتار من قِبَل تحالف العدوان، وما يمارسه من إرهاب منظّم وبغطاء أميركي دولي، فلا خيار أمام شعبنا العزيز إلا الدفاع عن نفسه»، مشيراً إلى أن «عملية استهداف منشآت سعودية حيوية جاءت رداً على استمرار العدوان في ارتكاب جرائم إبادة وفرض حصار على شعب بأكمله».

اللافت أن بيان القوات المسلحة اليمنية حذر دول العدوان من «مغبّة التمادي في حصار وتجويع شعبنا، ونهب ثرواته، واستهداف كافة اليمنيين بمن فيهم موظفو الدولة باستمرار التوقف عن دفع المرتبات». تحذيرٌ تنبع أهميته من أن عملية أمس أتت بعد أيام من تلويح «اللجنة الاقتصادية العليا» التابعة لسلطات صنعاء بـ«خيارات رادعة وموجعة ستشمل قطاعات مهمة واستراتيجية في السعودية والإمارات ردّاً على الحرب الاقتصادية» المتواصلة على اليمنيين، وتحديدها أسبوعاً واحداً فقط للبدء في تنفيذ تلك الخيارات، التي نبّه رئيس المجلس السياسي الأعلى، مهدي المشاط، بدوره، إلى إمكانية اللجوء إليها «إذا لم تتراجع دول العدوان ومرتزقتها عن خطواتها الاقتصادية العدائية»، مشدداً على أنه «لم يعد السكوت ممكناً»، وأن «المجلس السياسي لن يسمح لدول العدوان بأن تحدث انهياراً في الاقتصاد اليمني إلى أكثر من الحدّ الذي وصل إليه». هذا التعاقب يؤشّر على أن «أنصار الله» بدأت، عملياً، تفعيل الخيارات المشار إليها، في محاولة لإفهام «التحالف» أن تشديده الحصار على اليمنيين لن يبقى دون ثمن. ولعلّ هذه الرسالة سيكون لها وقعها على المباحثات التي انطلقت أمس في العاصمة الأردنية برعاية الأمم المتحدة، بهدف الاتفاق على آلية تسمح بصرف رواتب موظفي الدولة المنقطعة منذ شهور، عقب الأزمة التي ولّدها قرار هادي نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن.

الضغط المتصل بالشقّ الاقتصادي يندرج في إطار ضغوط أعمّ، تستهدف الدفع في اتجاه استكمال تنفيذ تفاهمات استوكهولم، تمهيداً لانطلاق مفاوضات تبحث الترتيبات الأمنية والسياسية. وهي ضغوط انطلقت عجلتها منذ قرابة شهر، مع بدء «أنصار الله» عمليات عسكرية غايتها قضم المكاسب التي يتفاخر «التحالف» والقوى الموالية له بتحقيقها على الجبهات الجنوبية. وفي هذا الإطار، يواصل الجيش واللجان الشعبية تقدمهما في محافظة الضالع، بوابة الجنوب، وقد تمكّنا خلال الساعات القليلة الماضية من الوصول إلى مركز المحافظة في منطقة سناح، والسيطرة على المقارّ الحكومية فيه.
لم يأتِ تلويح «اللجنة الاقتصادية العليا»، التابعة لسلطات صنعاء، قبل أيام، بـ«خيارات موجعة» من فراغٍ، بل هو ناجم عن بلوغ الأوضاع المعيشية لليمنيين أقسى مستوياتها على الإطلاق، مع تفاقم الحصار الاقتصادي وفقدان هؤلاء المدخرات التي اتكلوا عليها خلال السنوات الماضية (مجوهرات، عقارات، أصول ثابتة) في مواجهتهم الحرب المفروضة عليهم. إذ لم تكتفِ حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، بالامتناع عن صرف رواتب موظفي الدولة، والاكتفاء بصرفها للمتقاعدين المدنيين فقط من ضمن 850 ألف موظف يمني، بل إنها عمدت، ومن ورائها «التحالف»، إلى تشديد الخناق على دخول الواردات، وإجبار السفن المُحمَّلة بالغذاء على الاتجاه نحو ميناء عدن، فضلاً عن منع دخول سفن المشتقات النفطية من الدخول إلى ميناء الحديدة، وممارسة القرصنة على تحويلات المغتربين عبر التوجيه بنقل مسارها إلى المحافظات الخارجة عن سيطرة صنعاء. ولم يكتفِ «التحالف» بذلك، بل عمد إلى تجفيف مصادر الدخل كافة، من خلال استهدافه قطاع البنوك والمصارف، حيث أقدم الشهر الماضي على سحب «السويفت» الخاص ببنك التسليف التعاوني الزراعي في صنعاء، أحد أكبر البنوك اليمنية المشتركة بين القطاعين العام والخاص. 

كذلك فإنه يحاول منذ أشهر وقف خدمات الاتصالات في المحافظات الشمالية والجنوبية، من طريق مساعيه إلى نقل البوابة الدولية للاتصالات، «شركة تليمن للاتصالات الدولية»، إلى عدن، ليلحق أكثر من 12 ألف موظف برصيف البطالة.

 


الأخبار