العراقيون في سوريا : هاربون من المقابر

17-02-2007

العراقيون في سوريا : هاربون من المقابر

تحقيق ـ سعاد جروس:أمام المنزل الذي تسكنه عائلة عراقية, ربض كوم من أحذية الأطفال, بدت قديمة ومتهرئة, فالوحول التي لطختها كانت كافية لتعبر عن الطريق الشاقة التي سلكها هؤلاء الصغار حتى وصلوا إلى الحجيرة في منطقة السيدة زينب في ريف دمشق, ليسكنوا مع من بقي من عائلتهم في منزل رطب يكاد يخلو من الأثاث وغالبية لوازم العيش البسيط. لا مزايا صحية له سوى الأمان الذي يوفره لمن فر من جحيم الاقتتال الطائفي في العراق. المفارقة أن تلك العائلة ليست فقيرة, لكن التهجير وارتفاع أسعار إيجارات الشقق دفعها إلى ما تحت خط الفقر, لتنتظر الفرج على أمل العودة إلى الوطن. هذا الأمل يتضاءل يوماً بعد آخر لتبدو مأساتهم كسائر العراقيين المهجرين بلا نهاية.
قطع «محمد» عمله في المطعم القريب وجاء لاستقبالنا. في البيت أربعة أطفال مسمرون أمام التلفزيون يتابعون مسلسلات الرسوم المتحركة, رائحة الملوخية تملأ المكان, نساء شابات يدخلن ويخرجن في حركة دؤوب, هدأت بعد أن سبقنا محمد, وأعلم أهله بقدوم زوار. سرعان ما تحلقوا حولنا في غرفة المعيشة المفروشة بحصيرة نايلون حولها فرشات رقيقة من تلك التي رأينها تباع قبل قليل على الأرصفة عند مدخل منطقة السيدة زينب, وخزانة صغيرة توسطها جهاز تلفزيون, جلس الأطفال قبالته. وما ان بادرناهم بالسؤال, حتى بدأوا بسرد قصصهم المؤلمة مشترطين عدم ذكر أسمائهم الصريحة خشية أعمال انتقام ما زالت تترصدهم هناك في مدينتهم, وعلى الرغم من وجودهم في سوريا ونجاتهم من القتل, إلا أن الخوف زرع في داخلهم, ولم يعد من السهل التخلص منه.
تعرفنا بداية الى «كاظم» و«زينب» القادمين حديثاً من بغداد إلى دمشق مع أطفالهما الأربعة, وحطا الرحال في منزل أقرباء لهم سبقوهم, ريثما يعثرون على شقة في المنطقة ذاتها. كاظم «عمل مترجماً صحفياً لإحدى وسائل الإعلام الغربية, ووجد نفسه مجبراً على مغادرة العراق في ليلة ليلاء, بعدما وصله تهديد بالقتل من مجموعة سمت نفسها بسرايا الموت, تم تمرير الرسالة إليه من تحت الباب؛ التحذير واضح: إخلاء المنزل خلال ثلاثة أيام أو سيواجه القتل مع عائلته لاتهامه بالتعامل مع المحتلين. زوجته «زينب» تشغل وظيفة مرموقة في المتحف العراقي, ارتأت أن يتم بيع كل ممتلكاتهم من الأثاث والمصاغ والهرب إلى سوريا فوراً للنجاة بحياة أطفالهم, وخرجوا قبل مضي المهلة المحددة. تزامن قدومهم مع بدء السلطات السورية باتباع إجراءات مشددة حيال تدفق اللاجئين العراقيين إلى أراضيها, حيث حددت مهلة أسبوعين للاجئ العراقي لدخول سوريا من دون تأشيرة, يتقدم خلالها بطلب إقامة نظامي مدتها ثلاثة أشهر, بعدها يتعين عليه مغادرة الأراضي السورية لمدة شهر, ليتم تجديد الإقامة ثلاثة أشهر أخرى. هذا لم يقلق اللاجئين الجدد وحسب, بل أيضاً الذين سبق وحصلوا على إقامة سنوية وقاربت على الانتهاء, فهؤلاء استقروا ولم يعد بإمكانهم المغادرة إلى العراق أو سواه, ولا يدرون ما يفعلون. «أم محمد» صاحبة المنزل الذي استضاف كاظم وزينب تقول انه صار لها في دمشق أربع سنوات مع أولادها بعد أن فقدت معيلها, وتعيش اليوم على المساعدات الشحيحة, وما يوفره عمل ابنها الكبير في المطعم, والذي بالكاد يغطي أجرة المنزل وفواتير الماء والكهرباء. ومع ذلك تعتبر أم محمد أن الشعور بالأمان يكفيها ولا تطلب المزيد, لكن احتمال الترحيل مجدداً يشكل هاجساً مرعباً, ولا حل أمامها سوى نصب خيمة على الحدود بين سوريا والعراق لمدة شهر كي تتمكن من العودة إلى دمشق, لأن الدخول إلى العراق هو الانتحار بعينه. خيار الإقامة في خيمة على الحدود, يكاد يكون الحل الوحيد الذي يفكر فيه اللاجئون العراقيون في سوريا في حال تم ترحيلهم, وبالأخص ممن ليس لديهم إمكانات السفر أو دخول دول أخرى.
«جمال» مهندس جاء من الرمادي إلى دمشق منذ أسبوعين مع زوجته «منال» معلمة الابتدائي وأطفالهما الخمسة. يتساءل, إلى أين نذهب؟ لا يوجد دولة أخرى غير سوريا تستقبلنا, بعنا كل ما نملك وهربنا. يوضح جمال, «أنا لا ألوم سوريا على الإجراءات المشددة التي تتخذها فهذا حقها للحفاظ على الأمن», ويشكر لها مواقفها باحتضان العراقيين في وقت يوصد الجميع الأبواب في وجوههم, لكن الوضع الإنساني البائس الذي يعانيه العراق بسبب الاحتلال وانتشار فرق الموت جراء الانفلات الأمني يجعل المأساة كبيرة. ويطالب جمال المنظمات الدولية أن تضع حداً لما يجري, فالوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم. زوجته «منال» أطلت بقامتها النحيلة ووجهها الشاحب لتحكي لنا محنة أولادها كجزء من محنة وطن فقد استقراره ووقع ضحية للفوضى المجنونة. أخبرتنا وكلها ألم وقلق على مستقبل أبنائها, فالولد الأكبر في الأول المتوسط وهو متفوق بدارسته, وشقيقته في الخامس الابتدائي متفوقة أيضاً, يمضيان نهارهما يبكيان لأنهما يعانيان الفراغ الممل بينما أترابهما في العراق يخوضون الامتحانات النصفية. وتتساءل منال عن مستقبلهما الذي ضيعته الحرب, وعن سبب عدم إدخال اولادها المدارس السورية. قالت «منال» هذا غير ممكن لأننا نحتاج إلى إحضار أوراق من وزارة التربية في بغداد, ومن الصعب على أهل الرمادي الذهاب إلى هناك, فقد رافقت شقيقها في زيارة إلى بغداد منذ ثلاثة أشهر بهدف رؤية أختهما, وهناك اختفى الشقيق ولم يظهر له أي أثر لغاية اليوم. تتابع منال, تحملنا القصف والقناصة وكل صنوف الرعب كي يستمر الأطفال بالدراسة, ولكن الأمر بلغ درجة من الصعب تحملها, ولم نقرر الخروج من العراق إلا بعد تهديد مباشر بالقتل إذا لم نخلِ منزلنا, نحن هنا نمضي الوقت سجناء في البيت, أحاول تدريس الأولاد لأعوض غيابهم عن المدرسة. أما الزوج فيقول انه يمضي وقته بين النوم ومشاهدة التلفزيون ولا شيء آخر يفعله, وما معه من مال لا يكفيهم أكثر من ثلاثة أشهر فقط, فأجرة المنزل تتجاوز الثلاثمائة دولار أميركي, يضاف إليها الطعام واللباس دون حساب للطوارئ كالتعرض للمرض والحاجة للاستشفاء. أما بماذا يفكر, فيشرد للحظات قبل أن يجيب, لا أدري. الطفل الصغير ابن الأربع سنوات «جواد», يسأل كل قادم من العراق عن الأوضاع في الرمادي؟ وتروي عنه أمه أنه في اليوم الأول لوصوله إلى دمشق أدهشته الإنارة في الشوارع, فقد ولد هذا الطفل في ظل الحرب, ولم ير أنوار الكهرباء العامة, إلا حين يتم تسليط أضواء كاشفة ملونة خضراء حمراء صفراء على مناطق معينة بهدف إنذار الأهالي بعمليات قصف اميركي وشيك لها, لذا سأل جواد أمه: «يمّا ليش التنوير هنا, هل سيضرب الأميركيون قنابل؟».

أفق مسدود

الأفق يبدو مسدوداً والتعاطف مع مأساة اللاجئين العراقيين لا يكفي لحل المشاكل الكبيرة التي يخلفها ارتفاع وتيرة تدفقهم إلى سوريا. وقد أفادت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في جنيف أن الأيام الأخيرة شهدت زيادة دراماتيكية في أعداد اللاجئين العراقيين إلى كل من سوريا والأردن. أتى ذلك عقب انتهاء زيارة المفوض السامي لشؤون اللاجئين انطونيو جوتيريس إلى سوريا لبحث أوضاع اللاجئين العراقيين فيها, وحصل على وعد من السلطات السورية بعدم ترحيلهم. وقد تلقت مكاتب المفوضية في سوريا يومي 11€12 شباط €فبراير€ الحالي أكثر من خمسة آلاف طلب لتسجيل عراقيين جاؤوا هرباً من دوامة العنف المستمرة, فيما تقدم حوالى 700 عراقي آخر إلى مكاتب المفوضية في عمان لتسجيل أنفسهم كلاجئين إلى الأردن. وتوقعت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أن يفر في الفترة المقبلة حوالى مليونين من العراقيين إلى البلدان المجاورة طلبا للجوء.
وكانت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) قامت بدراسة وتقويم أحوال النزوح القسري في العراق منذ العام 2003 والذي تنامى بشكل مرعب في العام 2006 نتيجة تصاعد التوتر إثر تفجير المراقد المقدسة في سامراء يوم 22 شباط €فبراير€, ما أشعل فتيل موجة عارمة من العنف المنظم على نطاق واسع تسبب في عمليات تهجير كبرى دافعها الذعر والهلع. ولم يقتصر العنف على النزاع المذهبي, بل اتسع نطاقه بشكل جنوني على مدى العام 2006 كله. وبينت الدراسة أن الغالبية العظمى €86€€ من جماعات المهجرين, كانوا يشعرون بأنهم مستهدفون بشكل خاص, وقد فروا بدافع الخوف من تهديدات كانت تلاحقهم بسبب انتمائهم لدين أو مذهب معين. ونسبة €6€€ ذكرت أنها كانت مستهدفة بسبب انتماءاتها السياسية, ونسبة 1€ بسبب الانتماء إلى عرق معيّن, و1€ بسبب الانتماء إلى مجموعة مهنية أو اجتماعية معينة مثل الأطباء أو العلماء في الجامعات وأساتذة الكليات. وتتوقع منظمة الهجرة الدولية بأن العام 2007 سيكون أكثر قتامة وسوداوية, طالما أن العوامل والظروف المشجعة على التهجير بقيت على حالها. كما سوف يشهد العراق زيادة في عدد المهجرين داخلياً وخارجياً, الأمر الذي سيخلق أزمة إقليمية وعالمية. وما لم تحصل المنظمة الدولية للهجرة على التمويل المناسب فإنها لن تستطيع مساعدتهم ومنع عمليات تهجير إضافية.
وقد غادر المفوض السامي لشؤون اللاجئين انطونيو جوتيريس سوريا الأسبوع الماضي متوجها إلى واشنطن لبحث المشكلة مع المسؤولين الاميركيين بهدف الحصول على مساعدات, وحث واشنطن على تحمل مسؤوليتها تجاههم, ويعمل المفوض على الإعداد لمؤتمر دولي سيعقد في جنيف في نيسان €ابريل€ المقبل لبحث هذه المشكلة المتفاقمة. ولقد سبق وحمل المسؤولون السوريون واشنطن المسؤولية عن هذه الكارثة الإنسانية. وحسب تصريحات نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع لدى استقباله جوتيريس: «غزو العراق أدى إلى تدفق مئات الألوف من اللاجئين العراقيين إلى سوريا وبقية دول الجوار, الأمر الذي فرض أعباء كثيرة اقتصادية وأمنية واجتماعية عليها». كما أصدرت السفارة السورية بواشنطن بياناً قالت فيه «إن الاحتلال الأميركي للعراق أدى إلى نزوح ولجوء ملايين العراقيين إلى دول في الخارج, وبينما استقبلت الولايات المتحدة 450 لاجئاً فقط, استضافت سوريا 1,3 ملايين لاجئ عراقي بترحاب». وطالب البيان واشنطن بتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والأدبية, وسداد نصيبها من العبء لتخفيف المأساة الإنسانية الناجمة عن فشل سياساتها.
وتشير التقديرات إلى أن عدد اللاجئين العراقيين بلغ المليونين, منهم مليون و300 ألف لاجئ في سوريا, يتوزعون في أكثر من محافظة كحلب واللاذقية وطرطوس والحسكة. إلا أن القسم الأكبر يتركز في ريف دمشق في منطقة السيدة زينب €12 كم جنوب شرق دمشق€, ومن يزر هذه المنطقة لا يلمح أثراً لمواطن سوري فيها, أو لمحل أو مطعم يحمل تسمية غير عراقية. وهناك من يقول بأنها تضم أكثر من 100 ألف عراقي منهم من سكن المنطقة قبل الاحتلال الأميركي هرباً من النظام السابق, وقد تضاعف العدد كثيراً بعد سقوط النظام وتنامي الاقتتال الطائفي. ومن المعروف أن المنطقة مشهورة بتركز الشيعة العراقيين فيها, نظراً لوجود مقام السيدة زينب, في حين بعد الاحتلال استقطبت منطقة جرمانا €6 كيلومترات شرق دمشق€ ­ المعروفة بتنوعها الديني ­ اللاجئين المسيحيين والسنة. ويقدر المواطنون السوريون عدد العراقيين في جرمانا بمئتي ألف, فيما يرى البعض أنه رقم مبالغ فيه. ولا يقتصر وجود العراقيين الكثيف على هاتين المنطقتين من ريف دمشق, وإنما يمتد إلى بعض المناطق كقدسيا ودمر والمزة وبرزة, حتى قلب المدينة كالجسر الأبيض وأبي رمانة والصالحية وركن الدين... إلخ, لكن بكثافة أقل. وتشير التقارير الصادرة عن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي إلى أن العدد الأكبر من اللاجئين العراقيين هم من الأطفال وتقدر نسبتهم بـ48€. وأكد التقرير أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي للاجئين في سوريا ليس سيئاً في الإجمال حيث يعمل 19.3€ منهم لحساب مؤسسات القطاع الخاص السوري.
«سامر» الذي غاب عن دمشق مدة خمس سنوات بقصد الدراسة في الخارج وعاد اخيرا, يقول إنه لم يعرف جرمانا, أصبح يرى بين كل عشرة أشخاص عراقيين سوريا واحدا, وأن المطاعم والمحال العراقية تحتل الشوارع الرئيسية في جرمانا. ويتابع سامر, تذكرت نكتة أرسلها إلي صديق على الموبايل عن شخصين عراقيين التقيا في جرمانا, قال أحدهما للآخر, أنها لا تطاق لأنه صار فيها كثير من السوريين!! ليس في هذا ما يزعج, يؤكد سامر, لأن بلدنا تعودت استقبال الأشقاء, فقد سبق واحتضنا الفلسطينيين, وباتوا جزءاً من نسيج المجتمع السوري, لكن بالنسبة الى اللاجئين العراقيين فثمة مشكلة حقيقية تبرز من ضخامة الأعداد الوافدة وعدم تنظيم هذه الزيادة المفاجئة, مما أدى إلى رفع الأسعار بشكل جنوني خرج على سيطرة الحكومة, فأسعار العقارات وصلت إلى أعلى معدلاتها, وتخلى كثير من الشباب عن حلم شراء منزل, كما ارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية نتيجة زيادة الطلب, وهو ما انعكس سلباً على المواطن السوري, وبالأخص ذوي الدخول المتدنية, هذا ناهيك عن مشكلة البطالة المزمنة التي تفاقمت مع وفود أعداد كبيرة من الشباب العراقيين العاطلين من العمل والمضطرين للعمل بأي ظروف وبأدنى الأجور لكسب لقمة العيش, متحملين استغلال أرباب العمل كونه لا يسمح لهم بالعمل داخل الأراضي السورية.
في حين يشير سامر إلى المشاكل الاقتصادية, يتحدث السوريون عن مشكلات اجتماعية وأخرى أمنية. يقول «ضياء» وهو من مدينة حمص عن جار له أجر منزله لشباب عراقيين بأجر عال جداً, ولاحظ أنهم لا يأتون إلى المنزل إلا نادراً, فشك بأمرهم وقام بدخول المنزل في غيابهم, وفوجئ بتحويله إلى مخزن أسلحة, فأبلغ على الفور السلطات المعنية التي قامت بمصادرة السلاح. هذه القصة وغيرها يتداولها السوريون بتوجس من انتقال الفوضى والاقتتال في العراق إلى بلادهم, خصوصا أن الأميركيين وبعض المسؤولين في الحكومة العراقية لا يتوقفون عن اتهام سوريا وتهديدها بتوسيع الفوضى. ويقول ضياء, إن سوريا كبلد عربي محكوم بعروبته لا يمكن أن يغلق الباب في وجه الأخوة العراقيين, لكن إذا كان هذا الباب سيأتي بالكوارث, فلا بد من ضبط فتحه وإغلاقه على الأقل, وعلينا ألا ننتظر حتى تقع المصيبة لنبادر للبحث عن حلول. ويتساءل, وقفت سوريا ضد احتلال العراق, وكانت أكثر دولة تحملت التداعيات السيئة لهذه الحرب وما زالت, فيما الدول الأخرى التي ساندت الحرب جنت المكاسب وأغلقت الأبواب بوجه اللاجئين, فلماذا لا تتحمل تلك الدول جزءاً من تداعيات هذا البلاء الذي بصمت بالعشرة على إحلاله؟
هذه المشاعر تصيب السوريين كلما أطل عليهم مسؤول عراقي ليتهم بلادهم بالمساهمة في تأزيم الوضع في العراق. ففي حين كان رئيس مجلس النواب العراقي محمود المشهداني يزور دمشق الأسبوع الماضي لـ«تعمير ما خربه الآخرون» من العراقيين حسب تصريحاته والطلب من الحكومة السورية عدم ترحيلهم؛ كان وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري في الرياض يحذر جيران العراق من أنهم «لن يستفيدوا من استمرار الصراع في بلاده» قائلا: «انهم بدأوا بالفعل يشكون من تدفق اللاجئين العراقيين». وأضاف انه إذا «انتشرت الفوضى فان العنف الطائفي سينتشر... وسيتعين عليهم €الجيران€ عندئذ ألا يلوموا إلا أنفسهم». في تلك الأثناء, أعلنت الحكومة العراقية قرارها بإغلاق الحدود مع سوريا وإيران لمدة 72 ساعة؛ برره رئيس مجلس النواب العراقي محمود المشهداني بأنه موقت وليس رد فعل, ويأتي ضمن خطة الحكومة الأمنية, وليس المقصود به سوريا. مشيراً إلى أن الخطة ستؤدي إلى سد المنافذ لمنع الخروق الأمنية. مؤكداً أنه ليس لدى العراق اشكالية «في التباحث مع الإخوة السوريين». وأشار إلى أنه نظراً لان البرلمان العراقي في عطلة, فقد تم انتهاز الفرصة لإجراء مباحثات مع نظيره السوري محمود الابرش لبحث عدد من الموضوعات أبرزها مسألة المهجرين والمغتربين وكيفية وضع آلية لتلك الأزمة قائلاً «إننا نتفهم الأسباب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وما يشكله وجود اللاجئين العراقيين على الأراضي السورية» موجهاً الشكر إلى الحكومة السورية لحفظها كرامة المواطن العراقي. وأشار إلى أن البرلمان العراقي لديه رؤية قد تكون مختلفة نوعا ما عن رؤية الحكومة موضحاً أنه يمثل الشعب العراقي. طالباً من السوريين الصبر حتى «يتم إصلاح الحال», مؤكداً أن العراق سيقدم كل ما بوسعه لحل المشكلة سواء على الصعيد المادي أو الأمني أو الاجتماعي. رئيس مجلس الشعب السوري محمود الابرش جدد من جانبه وعد سوريا بأنها لن تطرد أي مواطن أو لاجئ عراقي وان ما يجري عملية تنظيم أمني واقتصادي. وكان وزير الداخلية السوري بسام عبد المجيد قد أوضح للمفوض السامي لشؤون اللاجئين انطونيو جوتيريس, أن ما قامت به وزارة الداخلية من إجراءات في ما يخص إقامة اللاجئين العراقيين: «هدفه تنظيم أمور إقامتهم وإحصاء أعدادهم بدقة, بعد تدفق مئات الألوف منهم إلى سوريا... وأنه ليس هناك حتى الآن أي إجراء قسري بحقهم, وإنما تم الطلب إليهم القيام بتقديم طلبات إقامة نظامية, على مبدأ المعاملة بالمثل». وأكد عبد المجيد أن «سوريا لم تطرد أو ترحّل أحداً عن أراضيها, سواء كان عراقياً أو غير عراقي, إلا من يخــالف الأنظمة والتعليمات النافذة», مشدداً على أنها «تعامل الأشقاء العــراقيين اللاجئين إليها معاملة لائقــة».
في أحد الأحياء الراقية في مدينة دمشق, حدثنا مختار المنطقة عن التشديدات الأمنية المتخذة بالنسبة الى العراقيين, وتتلخص بضرورة أن تكون سندات الإقامة المطلوبة للحصول على إذن إقامة حقيقية, والتأكد من صحة الأوراق الثبوتية بالإضافة إلى الاحتفاظ بصور شخصية لكل طالب, تقدم إلى الأجهزة المختصة. ويؤكد المختار, أن هذه الإجراءات لا مجال للعب فيها فالأجهزة الأمنية تتابع الأمور بدقة بعدما أصبح التساهل فيها يشكل خطورة. في تلك الأثناء, دخلت مواطنة سورية إلى مكتب المختار لتحصل على سند إقامة وعلى الرغم من إبرازها الأوراق المطلوبة, رفع المختار سماعة الهاتف, وسأل أحدهم: هل أعطيها سند إقامة؟ فكانت الإجابة: إذا كانت سورية لا مشكلة في ذلك. تساءلت المواطنة باستغراب: «شو عدا ما بدا؟ منذ متى بطلتم أخذ الأموال لتمشية حال المحتاج الى خدماتكم»؟ ضحك أحد المراجعين الموجودين في المكتب وأجابها: «يا أختي إذا وصلت الأمور إلى تهديد أمن البلد, ما بقى فيها مزاح ولا رشوة ولا استرزاق, وإنما فيها قطع رقبة».
الكل يشعر بالخطر الآتي من العراق باتجاه دول الجوار, والكل يشعر بالأسى والألم على حال الشعب العراقي الذي لم ينعم يوماً بثرواته المنهوبة ولا بالاستقرار والأمان. ومن طرف آخر, وحدها الإدارة الأميركية لا تشعر بذلك ولا تريد أن تشعر بحجم الكارثة والمعاناة التي سببتها للعراقيين ولشعوب المنطقة, بل وتصر على المضي في سياساتها المبنية على تفكيك المنطقة وإشاعة «الفوضى الخلاقة» التي لم تكن سوى فوضى تمزيق العراق. هذه السياسة تبطل مفعول أي مبادرة سياسية لإيجاد حل للأزمة, وتزيد مفاعيل التدمير والخراب الشامل, حولت نخبته السياسة إلى متصارعين دمويين, وليكون الشعب العراقي الخاسر الأول في معادلة غير دولية وغير عادلة, جزء منه يوارى في المقابر, والجزء الآخر يتحول إلى لاجئين ينتظرون مساعدات الدول «المانحة»؛ الدول ذاتها التي تنهب ثروات العراق وحولت أمنه وأمانه إلى خوف مقيم.
نغادر الشوارع الموحلة في منطقة السيدة زينب, فيما تلاحقنا بقايا صور من بلاد الرافدين أم الحضارات, وصور ترافقنا بدءاً من كتابات على جدار فقير يشير الى صالون أم محمد لتجميل السيدات, لتمر بعربات الطرشي والقيمر العراقي, ولا تنتهي عند المطاعم الكبيرة لكباب السليمانية والكباب بالساطور ومكاتب السفريات الفخمة ومحال الاتصالات... وأكثر من مهنة ممكنة, وليست المفضلة للاجئ حرم الوطن والعمل والحلم.
 

بالاتفاق مع الكفاح العربي

إلى الندوة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...