تداعيات الشعور بالملل

21-01-2007

تداعيات الشعور بالملل

ـ1ـ تملكني شعور بالدهشة الممزوجة بالغضب، وأنا أقرأ ما قاله شاعرنا الفلسطيني «محمود درويش»، في الاجابة عن سؤال وجهته إليه صحفية فرنسية تعمل في مجلة «الماريان»: «كيف تقضي أوقاتك في رام الله؟» أجاب: «أحاول أن أحيا حياة طبيعية في ظروف غير طبيعية، وككل الناس، لا أشكو فقط من الاحتلال الإسرائيلي، وإنما من الملل. كل الأيام متشابهة، ولكن اليوم الجميل هو اليوم الذي لا أمشي فيه وراء جنازة طفل أو امرأة أو شيخ. أنا محاصر في منزلي الذي لا يبعد عن الجدار البغيض أكثر من مئات الأمتار. يأتيني في النهار زوار، نتحدث في القضية، وفي المساء أكتب عن أشياء عادية: عن رائحة الأرض بعد المطر، عن تفتح زهرة لوز في حديقة غير مدمرة، عن امرأة حسناء تذهب الى موعدها في منعطف محترق. حتى الكتاب والشعراء يتعبون من الألم والدم والخراب. كانت فلسطين، وأنا في الاغتراب، حلماً وهي كابوس يدميني الآن..».

آلمني ان يتحدث «درويش» عن الملل والسأم، والحصار، والكابوس، وتمنيت لو حدثنا عن المارد الفلسطيني الذي يرفض القهر والظلم والبطش، ولا يمل من المقاومة. ‏

ـ2ـ ‏ يداهمنا «الخواء النفسي» أحياناً، فتفقد الأشياء مضامينها الحقيقية، وتصبح كالهياكل العظمية، ويتفشى فينا حينا آخر «الملل الأسود». فيتركنا فريسة عطالة ذهنية، تفصلنا عن أنفسنا، وعن العالم الخارجي معاً، وتزحف علينا اللامبالاة، فتساوي أمامنا قيم الخير والشر، وينهدم الجدار بين الحق والباطل، وفي مثل هذه الحالات يحلو لنا أن نحملق في السقف، أو أن نهيم على وجوهنا في الشوارع، لنتصفح وجوه الناس، أو أن نتسلل الى مقهى لتمضية الوقت في الثرثرة. ‏

يحضرني هذا المشهد «العبثي» في رواية «هنري ميللر» «الربيع الأسود»، وأتذكر بطل الرواية وهو يحدثنا عن تجربته. ‏

«حينما دخلت الى مكتب البريد، كنت واثقاً من أنني سأرتكب حماقة، قد أندم عليها. لقد بقيت، مسهد الجفن، طوال الليل، بسبب صرصار لم يتوقف عن الضجيج كنت متضايقاً، وخائفاً، وغاضباً، قلت لمدير مكتب البريد: ‏

ـ «هذه فرصتي السانحة». ‏

نظر إليّ بدهشة، وقال بعصبية: «فرصتك السانحة؟». ‏

وسمّرت عيني في عينيه وصرخت به: ‏

ـ «نعم فرصتي السانحة لكي أهجم عليك، واشبعك ضرباً، أتدري ما الذي يزعجني فيك؟» انك وراء مكتبك دوماً، وإنك تعمل بنشاط دوماً وانك تتجاهل ما يجري حولك دوماً..؟. ‏

ما يثيرني في هذا المشهد المجاني هو عبثيته: ها هو رجل في الأربعين يقدم على ‏

التحرش بمدير مكتب البريد، القريب من منزله دون سبب. لقد حرمه صرصار من النوم، فتضايق وخاف ولم يجد مخرجاً للتخلص من توتره النفسي إلا باقتراب عدوان على رجل «مستقيم» يمارس عمله باخلاص ونشاط. وقد تلاحقت «الكوارث العبثية» على بطل رواية «الربيع الأسود» الى أن ينتهي به الأمر الى الانتحار، وقبل موته يترك لنا ما يشبه الوصية: «منذ أن تفتحت على الدنيا والصراصير تمنعني من النوم: صراصير من كل الأنواع والمقاسات والحجوم، وكان لابد من التحرش بانسان للتحرر منها. الصراصير هي الحزن في عيون الأطفال، الخناجر في أيدي الجلادين، المال المتراكم في البنوك، اللصوص الذين يختبئون في الدوائر الرسمية، مستنقع الدم الممزوج بالوحل، ناطحات السحاب التي لا تتساقط على رؤوس ساكنيها، ولا سبيل الى التخلص من هذه الصراصير، إلاّ بثقب الروتين الطاغي إلاّ بالتحرش بإنسان ما يجسد هذا الروتين..». ‏

ـ3ـ ‏ أراهم، أستمع إليهم، وأتحدث معهم، تارة في بيوتهم، وتارات في المقاهي، والحفلات والندوات، فيتنازعني شعوران متناقضان، بالشفقة والحبّ معاً: هؤلاء هم الملفوظون من أوطانهم، طواعية أو بالاكراه، المهمشون في المجتمعات التي انتقلوا إليها، زهداً، أو قسراً، مازالوا يتشبثون بذبالة من مجد عتيق، وأسمال من تميز اجتماعي غابر، ودفقات من الحقد والحسرة، ولكنهم متوافرون بغزارة في الأسواق العامة، على الرغم من كسادهم وشحة الطلب عليهم. ‏

أربعة أصناف من النخب العربية التي تصدرت «الشأن العام» في فترات متعاقبة، ثم لفظتها طواحين النزاعات والانقلابات وتركتها في العراء بلا ملابس داخلية، نخب من المغرب العربي، ومن بلاد الشام، من الخليج: النخب الارستقراطية من كبار العائلات التي طفت على السطح مع بواكير الحكم الوطني، النخب البورجوازية التي أفرزها ازدهار اقتصادي «لقيط» وولد عندها طموحات رخوة، والنخب الريفية التي نمت وترعرعت في ظل الانقلابات الاصلاحية المزورة، ثم النخب العسكرية التي تورمت تحت مظلة الفساد الاقتصادي والانتفاخ الوطني. ‏

أراهم، أستمع إليهم، أتحدث معهم، ويتنازعني شعوران متناقضان: الشعور بالشفقة أولاً، لأنهم ضحية الهدر والملل والخواء، والشعور بالحبّ ثانياً لأنهم شقف من الوطن والقلب، تتآكل، وتهمش، وتترك في العراء، فريسة للتخلع الوطني، والاقصاء الإنساني. ‏

ـ4ـ ‏ يتقاطر على مدن الغرب المضاءة بالنيون الباهر حشود من كل مكان يتجاذبها إغراءان: ممارسة الحرية التي خيل إليهم انهم قد حرموا منها، واسترداد الحلم الذي بدده «استبداد عادل» وقد صدموا مرتين: مرّة حين تبين لهم أن الحرية المتوافرة ليست أكثر من بطاقة مرور الى البطالة والموت البطيء، ومرّة أخرى حين اكتشفوا أن حلمهم قد اغتيل بمسدس كاتم للصوت، وان خيبة الأمل تتساقط منهم كتساقط أوراق الخريف. ‏

المفارقة الأولى التي أثارت جزع المتقاطرين هو توصلهم الى أن الغرب الديمقراطي الذي طالما بهرهم يتخوف من انتصاره على الأنظمة الشمولية، ويتضايق من زوال «الخصم» الذي يهدده بشكل جدي. لقد تولد لدى هذا الإنسان الغربي سلوكان متناقضان، سلوك عدم الاكتراث من جهة، ويتجلى في فتور الصراع الفكري بين المحافظة والثورة، وسلوك الخداع من جهة ثانية، ويتجلى في تصنيع خصم موهوم جديد وتحميله كل أوزار الانحدار الذي يشكو منه المجتمع المدني المعاصر. ‏

وليست الدعوة الى توريم الخطر الأصولي إلا مظهراً مزيفاً من مظاهر التصنيع هذه. يقول «روجيس دوبريه»، وهو من الثائرين القدامى التائبين: «ولماذا لا نعترف؟ وبلا خجل، أننا من أكبر المتضررين من موت الطاغية «ستالين»، ومن سقوط جدار برلين، كنا بحاجة الى «ستالين» لإيهام الجميع بأن الديمقراطية هي الفردوس البديل، وكنا بحاجة الى جدار برلين لشحن مجتمعنا بالشجاعة، والروح النضالية، وها نحن نكتشف ان ديمقراطيتنا هي غابة متوحشة، تتحكم فيها مافيات متصارعة، وان قيمنا ستائر مخملية تخفي فسادنا السياسي وتخلّعنا الاجتماعي». ‏

والمفارقة الثانية التي اثارت قرف المتقاطرين هي اماطة اللثام عن خديعة العمل الانساني الذي يحل مكان العمل السياسي، وآية ذلك ان هذا الغرب الديمقراطي المسكون بروح «الشفقة والتعاطف» بدأ يرسل الممرضات وسيارات الاسعاف الى مناطق الصراع بعد ان تبين له عجزه عن ايجاد حل لاسباب الصراع ودوافعه. ‏

ان الهدف الخفي من هذا العمل النبيل هو اسعاف الضحايا لا القبض على الجلادين والقتلة، او على الاقل ملء بطون الضحايا بمعلبات الطعام الفاسدة قبل تسليمهم الى جلاديهم. هل نذكر ما كتبه صحفي بعد مشاهدة مجازر سراييفو، بعد ان اصبحت مقبرة ضخمة: «لقد انقلبت المدينة الى حديقة للحيوانات الكاسرة، انهم يرسلون الينا كاميرات وكبار المحررين لنقل صور مسلية عن القتل والذبح والافتراس والاغتصاب، كما كانوا يرسلون الينا المولعين بالمغامرات في ادغال افريقيا، لتصوير بقايا الحيوانات المهددة بالانقراض. ان ما يهمهم هو تصوير الرؤوس المتحرجة والاطراف المفصولة، والأطفال المتجمدين في الصقيع، وكأنهم يستعيضون عن افلام الرعب السيئة بمشاهد حقيقية من أفلام رعب متقنة، ومن دون تزييف او حيل اخراجية..». ‏

ـ 5 ـ ‏ استهواني الشاعر الايطالي الكبير، حامل جائزة نوبل للآداب عام 1975 (ارجينو مونتالي) وسحرني ببساطته، ،وعصبيته، وغضبه، وتوجعه. ما زلت اذكر مقطعا من قصيدة طويلة يقول فيها: ‏

تريدون أن تقلعوا بلاط الشوارع؟ ‏

وان تقولوا للشرطة: لا، لا ‏

ولكن ما الفائدة؟ البلاط سيرصف من جديد ‏

وستصبحون انتم رجال شرطة! ‏

وفي مقابلة معه في مجلة «نوفيل ليترير» ‏

ـ هل انت سعيد لأنك تعيش في هذا العصر؟ ‏

ـ أجل، أنا سعيد لأنني أعيش في هذا العصر، لكنني تعيس ومشبع بالملل لأنني شاهد على ما يجري فيه، إن الأمل ليس اكثر من ضوء خافت في نهاية نفق طويل، الطنجرة تغلي، ولكن لا احد يعرف ما الذي يطبخ فيها، ضفدعة أم شيء رائع؟ قد لا نكون قادرين على خوض حرب عالمية جديدة، ولكننا عاجزون عن العيش بسلام أيضاً. ‏

د. غسان الرفاعي

المصدر: تشرين


إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...