حنا مينة: النار بين أصابع امرأة (6)

14-05-2007

حنا مينة: النار بين أصابع امرأة (6)

كأن للمرأة, في التاريخ القديم, موقفين تاريخيين: موقف حواء, وموقف ابنتي لوط, فما هو موقفي أنا, غبريلا أنداش تكاتتش, من اسطورة المرأة, التي تريد أن تكون اسطورة بدورها?

والدي قال لي: (اسطورتك, يا صغيرتي غبريلا, بسيطة معقدة, كبيرة صغيرة, سهلة ممتنعة, وأنت قادرة عليها تماماً لو أردت!).‏

سألته متلفهة إلى الجواب: (وما هي يا والدي!?) قال: (لا تتملقي كدليلة, ولا تجزي شعر الذي تحبينه, كما جزت دليلة شعر شمشون, وعندئذ لا تكونين ساقطة أو خائنة!), قلت: (زدني علماً يا أبي!), قال: (تمردي!).‏

قلت: اتمرد على من? على الرجل الذي أذلني وقهرني, وأرغب أن أذله وأقهره? ابتسم وقال: (لا تفهميني خطأ, ليس في وسعك استعادة عهد الأمومة الذي ولى إلى الأبد, أنت في عصر آخر, وسعيك إلى اذلال الرجل وقهره, في هذا العصر, باطل الأباطيل, ثم لماذا? للانتقام? هذا من حقك, ما ضعفت امرأة إلا باستقواء رجل, وما احتالت, هي الضعيفة, إلا بدفع الرجل لها إلى الحيلة..‏

إنها حرب قائمة بينهما, ولن تنتهي إلا بانتهاء الكون, والفائز فيها, ليس بقوة العضل, أو باستخدام السكين, كما أردت أن تفعلي مع أيهم, جارك الذي هو فوق أو بواسطة المسدس, كما كان يستحق المجرم غابور مولينار, بل بشيء أبسط وأقوى, بالحب أقل, من يحب أقل يكون الأقوى, على مستوى القبيلة أو الفرد, مستوى الزوج والزوجة, في البيت الواحد, إلا أن الحب ضربة قدر, وفي نضج العمر خصوصاً.‏

فهل من سبيل لمقاومة القدر? نعم! ولكن بماذا? بألا تخافيه, حين يكون, من لا يخاف ينتصر, ولكن ليس من إنسان لا يخاف, حتى المجنون, الخوف غريزة في الإنسان, وفي الجدلية تأتي الشجاعة نقيضه, فما هي الشجاعة, في تعريفي الشجاعة هي الصمود للخوف, اصمدي للخوف حين تكونين خائفة, وبذلك تتغلبين عليه.‏

اصمدي لقسوة الحياة, حين تكون قاسية عليك, وبذلك تصرعين قسوتها, لا تخافي من الحياة, تجعلي الحياة تخاف منك, أنت, يا غبريلا, يا صغيرتي, صغيرة السن, طرية العود, تجاربك قليلة, خبرتك ضئيلة, لذلك لن تفهمي ما أقول, إلا بعد أن يكبر سنك, يقوى عودك, تزداد تجاربك, تتمرس خبرتك, تحبين الإنسانية حباً عظيماً, لا تطلبين الشر لغيرك, لا من يسوع ولا من العذراء, كما تفعل أمك مارغريت, وإنما تتمنين الخير لك ولجميع البشر, من الله, ولا تتعجلي أبداً, فقد جاء في التوراة, كتاب العهد القديم, (لجمع الحجارة وقت, ولتفريقها وقت آخر).‏

إنني أكتب يومية هذا اليوم, اكتبها ليلاً, بعد خصامي مع أمي نهاراً, واستعيد ما قاله لي أيهم, الساكن الجديد, فوق, الذي تنبأ بأنني سأكون قلقة, عاجزة عن النوم بسهولة, وإن ما دار بيننا سأدونه في دفتر يومياتي, وقد صدقت نبوءته, فأنا قلقة, متقطعة النوم, واكتب ما دار بيننا في دفتر يومياتي, اكتبها كما اتذكرها بالحرف, وأنساها, كما اتذكرها, بالحرف أيضاً, قال لي وأنا أعرض عليه مفاتني:‏

(سيدتي الجميلة, أنا رجل مخصي, مثل الحصان المخصي, مثل خصيان السلطان عبد الحميد, فلا داعي لعرض مفاتنك علي).‏

وفي ختا م الزيارة سألني: (هل لديك دفتر يوميات? في مثل هذا الدفتر يكتب المرء خصوصياته من غير أن يخشى اطلاع أحد عليها..‏

هذه الليلة أنا سأكون ضيفاً على هذا الدفتر, تفضلي بالانصراف لأن الزيارة انتهت, وارجوك إغلاق الباب وراءك, لأنني لن اتزحزح عن مقعدي فوق حقيبة سفري.. فإذا افقت غداً, وكنت أنا قد غادرت هذا البيت, فتذكري أنك قابلت رجلاً غير عادي, وعندئذ لا يأخذك الندم!).‏

آمل أن أكون قد وفقت إلى تذكر ما قاله, أو بعض ما قاله أيهم, وكيلا اظلمه فإنه كان لبقاً, حكيماً, مستشفاً لما في نفسي, وهذا غريب دون غرابة, ألم يقل إنه: (إنسان غير عادي!) ألم يعجب به والدي? أم يثن عليه? ألم يقل إنه راجح العقل, وإنه غير معتوه أو مجنون, وأنه تاجر.. وربما كان شيئاً آخر أيضاً?).‏

قالت الأم مارغريت, التي دخلت غرفة ابنتها غبريلا فوجدتها سهرانة تكتب:‏

- ماذا هناك يا غبريلا? أي أمر شغلك, أو اقلقك, وجعلك تسهرين إلى مثل هذا الوقت?‏

قالت غبريلا:‏

-- اطمئني يا أماه, أنا لست قلقة, أو مشغولة بأمر خطير كما تتصورين.. كل ما في الأمر أنني اكتب ما مر معي في دفتر يومياتي قبل أن أنساه!‏

- وما هذا الذي تخافين نسيانه, إلى درجة أنك تدونينه بعد منتصف الليل?‏

-- بعض الخواطر عن الساكن الجديد فوق.‏

- هذا المعتوه?‏

-- إنه ليس معتوهاً!‏

- معتوه ومجرم!‏

-- لا, ليس معتوهاً أو مجرماً, إنه متوهج العقل.‏

صاحت الأم:‏

- متوهج العقل? هذا التعبير الجميل الذي لم يفز بمثله هكسلي أو برنارد شو نفسه?‏

-- توهج العقل ليس وقفاً على من ذكرت, أو غيرهما.‏

- هذا ما غرزه, في وعيك الطفلي, أبوك اللعين أنداش تكاتتش!‏

-- أبي ليس لعيناً, وأنا لست طفلة, ووعيي أكبر مما تظنين.‏

- هذا هراء! هذا اللعين خدع والدك, ووالدك خدعك بدوره.. قولي: هل تحبين هذا المعتوه? وماذا جرى, في اللقاء الأول, بينكما? لم يكن لدينا الوقت للكلام على هذا كله, مع أنه مهم, وخليق بالبنت العاقلة مثلك أن تصارح أمها, ألا تخفي عنها شيئاً, هددته بالسكين? طعنته بها كما آمل? قاوم السكين وانتزعها منك عنوة? تكلمي, قولي كل شيء, وبالتفصيل, لاتنسي حتى دقائق الأمور, فقد تفيدني, واستنتج منها ما يجب.‏

-- لم أطعنه بالسكين, حاولت أن أقذف بها من النافذة, لكنه قال لي: احتفظي بها فقد تنفعك في تقشير البصل.‏

- هم.. كان يسخر منك هذا الوغد.‏

-- وكان محقاً في سخريته, وأنت مخطئة عندما نصحتني أن أحمل سكيناً وأنا صاعدة إليه.‏

- اسمعي يا غبريلا, هناك امران لا ثالث لهما: إما الطعن بالسكين, أو النوم معه في السرير!‏

-- لا هذا ولا ذاك.‏

- ماذا إذن?‏

-- قال متهكماً: لا تعرضي مفاتنك علي, فأنا رجل مخصي!‏

-كذاب يا غبريلا, يابنتي الطيبة, المخصي لا يقول عن نفسه إنه مخصي.. المعتوهون, والمجرمون, يكذبون, لكن بذكاء.. وعلى فرض أنه مخصي حقاً, فهل اللذة, في السرير, وقف على القضيب!? هناك طرائق عديدة للذة, يعرفها هذا المحتال ولا شك!‏

ابتسمت غبريلا برغمها, أمها, حتى بعد منتصف الليل, تناولت بعض البالنكا, جاءت الآن تتشمم الأخبار, ناشدة الوصول إلى الأهم: السرير وما جرى فيه, ولابد أنها تنصتت, بل أرهفت السمع, عسى تقع في أذنيها أي حركة, أي نأمة, من السرير الذي فوق, هذا يستثير غلمتها, تلذ له كأنها هي التي في السرير..‏

غريب كل ذلك وليس بغريب, أمها مبتلاة بداء اللذة الشاذة, لذة القوادة, رغم أنها لم تكن قوادة في أيما مرحلة من عمرها, فمن أين التقطت هذا الداء القبيح والسفيه معاً?‏

قالت غبريلا:‏

- اسمعي يا أماه, أنت عودتني على الصراحة, ومن الصراحة أن أقول كل ما جرى معي فوق, وقد كنت فطنة في عدم تصديق أنه مخصي, لا! أيهم هذا ليس مخصياً, وتجاربك في اللذة, حتى بالنسبة للمخصيين, في محلها, لأن المخصي لا يعجزه أن يلذ بطريقته الخاصة, إلا أن الذي جرى معي, وأنا فوق, مختلف تماماً..‏

فلا خصاء ولا سرير, ولا لذة, ولا الاكتراث بجمالي,الذي اغريته به, بأشكال تعرفها الانثى, والمرأة المتزوجة, أو ذات العشيق مثلي خصوصاً, إنه ظل جالساً فوق حقيبة سفره, لم يتزحزح عنها ولو قليلاً, وعندما اشعلت النور, في الشقة كلها, لم يعترض, بقي في مكانه فوق حقيبة سفره, لم تهتز له شعرة ما, في رمشيه أو رأسه, بقي ثابتاً, في وثوق بنفسه, يفوق الوصف.‏

سألت الأم ابنتها:‏

- وأنت? ألم تجلسي في حضنه?‏

ردت البنت:‏

- أين اجلس? ...‏

- لا! تجلسين, ببساطة في حضنه, على نفس الحقيبة!‏

ضاقت غبريلا ذرعاً, بما تسمعه في ثرثرة أمها, المخمورة دون إفراط, ومن اسئلتها المشبوهة, المغرمة بها, فقالت بحسم:‏

- لم أجلس معه, على حقيبة سفره, لا من أمام ولا من وراء, أنا, يا أمي, لي كبريائي, ومن الكبرياء ألا أفرض نفسي عليه, ما دام لم يبادر إلى دعوتي للجلوس معه.. هل يكفي هذا? لا تدعيني أخرج عن طوري!‏

- البنت, يا غبريلا, لا تهدد أمها بهذا الشكل.. إني اسأل لأعرف, وعليك أن تشكريني على رغبتي في المعرفة, كي أتعلم كيف أحميك من هذا الابليس.‏

- إنه ليس ابليساً, قلت لك إنه ليس ابليساً, والدليل على ذلك أنه لم يمسني, أقسم أنه لم يمسني, احترمني, عاملني بكياسة, فماذا تريدين أكثر?‏

- أنا لا أريد شيئاً إلا مصلحتك, هذا الذي ليس ابليساً, أدهى من ابليس, إنه قواد, ظنك, عذراء, والقوادون لا يفضون بكارة العذارى, تعرفين لماذا? لأنهم يبيعون بكارتها لمن يشتري, والمشترون كثر.. هل سمعت, في حياتك كلها, أن قواداً فض بكارة عذراء?‏

قالت غبريلا بتأفف:‏

- أنا لم اسمع بشيء من هذا, ولا أريد أن اسمع أيضاً!‏

- أنا سمعت!‏

- وأنا لا اكترث بما سمعت, فلا تصدعي رأسي, ارجوك.. هذا الساكن الجديد ليس قواداً, ولم تند عنه كلمة عن القوادة أو غيرها.. إنه شريف, شريف, شريف!‏

وهذه شهادتي به, أقولها لوجه العذراء البتول, وقد تصرف معي تصرف من لا تعنيه المرأة, في كثير أو قليل, حتى ظننت به برودة الجنس, لكنه غير مصاب بهذه العلة, إنه زاهد بها, كأنه شبع منها, ملها, انصرف عنها إلى الأبد!‏

- هذه علاقة جيدة وسيئة في دفتره, جيدة لأنه لم يغتصبك, وسىئة لأنه اعمى, يرى كل هذا الجمال ولا يغتصبه, هذا الابليس, الذي كان وقحاً معك, وقال لك:‏

(انتهت الزيارة, انصرفي واغلقي الباب وراءك!) يدبر أمراً, أما ما هو هذا الأمر, فهذا لن يخفى علي طويلاً.. اسردي علي كل وقائع اللقاء الأول بينكما, هل رأى السكين? خاف من السكين? هل هو جبان? شجاع? جاد? ساخر? دمث كما يتظاهر? نجح في تظاهره? في تمثيله? في إخفاء نيوبه? في ليونة الافعى التي تكمن في حجرها, ومن حجرها تلدغ?‏

صفيه, يا غبريلا, بموضوعية, أنت طرقت الباب عليه,كيف فتح لك الباب? رحب بك أم كشر في وجهك? صافحك? كانت مصافحته ودية? يده حارة أم باردة? وجهه وسيم أم قبيح? رائحته طيبة أم كريهة? عاد إلى الجلوس على حقيبة سفره بسرعة? ببطء? ظل واقفاً أم جلس فوراً? دعاك إلى الجلوس? جلست? وبعد جلوسك ماذا قال لك? من منكما بدأ الحديث مع الآخر, أنت أم هو?‏

صاحت غبريلا ثائرة:‏

- كفى يا أماه, كفى! هذا ليس حديثاً شريفاً بين أم وابنتها, إنه تحقيق طويل, مدوخ, مقرف, مقزز, إنه انقضاض من محقق لوذعي, على فريسته التي يحقق معها? إنه سم في دسم, إنه القتل المباغت, الغادر, إنه الموت هبراً, إنه لؤم الجلاد الذي يضع أنشوطة الحبل في عنق المحكوم عليه بالاعدام, بدم بارد, دون أن يرف له جفن.. دعيني! أقول لك دعيني وإلا فتحت الباب وهمت على وجهي في الشوارع, في هذه الساعة المتأخرة من الليل!‏

سكتت مارغريت أمام هياج غبريلا, كفت الأم عن تعذيب ابنتها, حدث ذلك لوقت قصير, خلال شرب كأس من الماء البارد, عاودت بعده السيدة مارغريت كلامها, متلاطفة قدر الامكان, مبدلة الأسلوب في الشكل لا في المضمون, وعلى غير توقع عانقت ابنتها, اعتذرت منها, وعدت ألا ترجع إلى ما يزعجها لكنها قالت: فجأة, بأخفض صوت, أعذب رجاء:‏

- أعرف يا غبريلا إنك تكتبين جيداً, بكلمات موسيقية شجية, فهل تتكرمين, أقول تتكرمين, وبتواضع جم, باطلاعي على ما كتبت في دفتر يومياتك, من حلو الكلام, وعمق الأفكار?‏

زورتها غبريلا, قالت في نفسها: (ماذا تريد هذه الغوريلا? هل استيقظ الشيطان الذي تحت أظافرها هذه الليلة? قالت: (تتكرمين!) وهي أعلم الناس أني لن اتكرم, ولن اسمح, ولن استجيب لطلب مريب كهذا? وكيف يطلب أحد من أحد, أن يطلعه على دفتر يومياته, وما فيه من خصوصيات? هل خرفت هذه الأم قبل الأوان?‏

هل بلغ خبثها درجة استدراجي للكشف عن مكنوناتي? وماذا لدي من مكنونات اخفيها عنها, ما دامت على علم بكل تفصيلات حياتي, طفلة, مراهقة, عزباء, متزوجة, مهجورة, مقهورة, ابكي حظي العاثر الذي رماني بزوج دنيء وعشيق مجرم, وأم نكداء, وساكن غريب الأطوار!.‏

قالت الأم مارغريت:‏

- اعتذر عن غلطتي.. نعم غلطتي! الأم العاقلة لا تطلب ما طلبت, إلا أن طيبة قلبي, ماذا أفعل بطيبة قلبي? هي التي دفعتني إلى ما لا يجب, لا يصح, لا يجوز بحال من الأحوال, لأن دفتر اليوميات قدس أقداس الحياة, ومن العار أن يطلع على هذا المقدس, المسكوت عنه, أي إنسان غير صاحبه, إلا أنني, من باب الفضول, أردت أن أمتع ناظري بتعبيرك الجميل, الذي تتقنينه إتقاناً مدهشاً, لا يجاريك فيه فيكتور هيغو نفسه.‏

قالت غبريلا:‏

- لا داعي للاعتذار, أو تنميق الكلام, أو المديح المبالغ فيه.. أنت, يا أماه, تريدين شيئاً واحداً: أن تقفي على ما دار بيني وبين الساكن الجديد من حديث, وما إذا كنت فعلاً قد جلست في حضنه عارية أو كاسية, وكيف جلست?‏

وكيف ربرب على مؤخرتي وأنا في حضنه على حقيبة سفره? وكيف داعب نهدي, بلطف أم بقسوة? وكيف نام معي, إذا كان قد نام معي, في السرير?‏

وهل كان رخواً أم فحلاً? وكيف تقبل أنوثتي? وكيف تذوقت حلاوة ذراعيه وهو يهصرني بين ذراعيه القويين? وهل أرضتني فحولته? وكم مرة بلغت ذروة النشوة معه? وكم مرة ضاجعني, في هذا الوقت القصير نسبياً?‏

هذه التفاصيل كلها تهمك جداً, تثيرك جداً, تغتلمين بها جداً, ترضي حاسة الشبق فيك جداً, توقظها من هجوعها إذا ما كانت هاجعة, وهي هاجعة فعلاً, وأنا من سيروي لك غداً كل ما جرى, حتى يستيقظ كل نبض جنس فيك.. اعذري فجوري, إذا ما كان, لأنه فجور يرضيك, ولن أبخل عليك بما يرضيك, وقد كتبت كل هذا في دفتر يومياتي, هل تريدين فعلاً الاطلاع عليه?‏

أطرقت الأم خجلة, بعد أن تبخرت بقايا البالنكا من رأسها المصبوغ بالحناء, وشارفت على الصحو, نادمة على ما بدر منها بحق ابنتها, غير مصدقة أن مارغريت, في غمرة السكر, يصدر عنها ما صدر, وأن ابنتها غبريلا تكتب عنها في دفتر يومياتها كل هذا..‏

قالت:‏

- غبريلا, يا مهجتي الغالية, ارحمي أمك المسكينة.. إنني يا غابو مسكينة حقاً, ضعيفة حقاً, وما تظاهري بالقوة إلا كذب وخداع, لا ينطليان عليك, إذا ما انطليا على الآخرين, الذين أريد حمايتك وحماية نفسي منهم, بعد الهجر الذي كان من والدك أنداش الطيب, وفقه في خلع كل الأسنان, وكسب كثير من المال, الذي يحتاجه في شيخوخته..‏

إنه كريم, معطاء, قلبه عامر بالحنان والرحمة, مستقيم العشرة والمعاملة, وأنا المذنبة في حقه, بسبب سوء خلقي, عندما أشرب واستزيد من البانكا, حتى اسكر تماماً.. هذه عيوبي وأنا أعرفها, وأعرف أيضاً أن دفتر يومياتك أبيض مثل قلبك, وأنه من غير الممكن أن تكتبي اشياء سيئة عن أمك, التي حملتك تسعة أشهر في بطنها وأرضعتك حليبها, وعقوق حليب الأم يحرق في الدنيا والآخرة.. لنتكلم, لوقت آخر قصير, عن هذا الساكن الجديد في الطابق الأعلى.‏

فقد ظننت به الظنون, تجنيت عليه, اتهمته بالهبل والاجرام, وكل هذا افتراء, اطلب السماح عليه, منك أولاً, ومنه غداً, حيث أصعد لتحيته, ومعرفة ما إذا كان يحتاج إلى شيء, أو أن الشقة تنقصها بعض الأشياء..‏

هذا واجب تأخرت في القيام به, والمثل يقول:(أن يأتي العمل الصالح متأخراً, خير من ألا يأتي أبداً, والعمل الصالح يحسب عند الله أفضل حتى من الصوم والصلاة أعرف أنني خاطئة, والخطايا تغتفر إذا ما تاب الإنسان عنها وفي صدري عزم حقيقي على التوبة, أطلب منك أن تساعديني عليه, حتى أنال بركة العذراء المجيدة, وإذا ما رغبت أن اذهب معك إلى والدك انداش, فسأرتمي على قدميه, أقبلهما, أقبل يديه, وأسأله الصفح عني, أنا متعبة, ويسوع الناصري قال:‏

(تعالوا إلي أيها المتعبون وأنا أريحكم) وقال أيضاً: (طوبى لانقياء القلوب لأن لهم ملكوت السموات) والنقاء, آن الصحو, لا يزايل قلبي, روحي طاهرة وجسدي ملوث, الروح تصعد, بعد الموت, إلى بارئها, أما الجسد, الذي من تراب فسيعود إلى التراب, وينحل فيه.. كوني لطيفة معي, تحدثي إلي قليلاً,قبل النوم, عن هذا الإنسان الذي يسكن فوق, والذي أثنى عليه والدك أنداش, وقلت أنت إنه لم يؤذك أنا أمك يا غبريلا, ولا يعقل أن تكون صديقة له, وأبقى أنا عدوة, حاملة أي ضغينة تجاهه.. أنت حملت السكين, اخفيتها في جيب معطفك, نقرت الباب عليه برفق, ثم ماذا?‏

قالت غبريلا:‏

- وماذا تظنين أنت?‏

- كل خير, نعم كل خير, وليسامحني شفيعي القديس بولص, على ما بدر مني من شر تجاهه.. هيا يا صغيرتي.. قبليني أولاً, لسلامة وطهارة روحي, وبعد ذلك تكلمي برفق, وأعاهدك على تصديق كل كلمة تقولينها.‏

تنهدت غبريلا, حنت على أمها, عذرتها على ما قالته, في حق الجميع, وهي متعتعة من السكر.. الندم يأتي مع محاسب الضمير, أمها نادمة لأن ضميرها يحاسبها, يؤنبها, في صحوها الآن, وغداً تعود إلى السكر, وإلى ارتكاب الآثام التي تدعي أنها ستتوب عنها هناك, في بودابست, في المجر, في العالم, كحوليون وكحوليات, يأثمن من جراء الإدمان, بعضهم يذهب إلى المصحات, يرسل إليها, دون رغبة منه, وهذا فعل حسن, من قبل الأهل, أو المصلحين الاجتماعيين, أو مؤسسات الإشراف على الإدمان الكحولي, ومساعدة المدمنين على الشفاء منه, وبعضهم الآخر, ممن يؤدي لإدمان على بعض الموبقات إلى انحرافات نفسية لديهم, يرسلون إلى العيادات, أو المشافي, المتخصصة بمعالجة الأمراض النفسية, أما هي, غبريلا, فلن ترسل أمها إلى أيما مصحة, من أي نوع, ولن تدخلها إلى أي مشفى للأمراض النفسية, ستعالجها بنفسها, ومعالجتها تبدأ بإزالة القهر النازل بها, سواء بسبب هجر والدها أنداش, أو عشيقها أندرياش, المبتز والمتسلط, مستعينة على ذلك بأيهم, الساكن فوق, إلا أن بلاء الأم مارغريت مركب, فهي مدمنة وشهوانية, ولا بد من معالجة المشكلتين, بتقنين البالنكا, ومنعها من شربه بكثرة, وتعقيل العشيق, وتخفيف تسلطه وابتزازه بالقوة, إذا ما عاند, وركبت الرعونة رأسه.. هذا البيت بحاجة إلى من يديره, يضبط فلتانه, يكون سيده, وهي غبريلا ستكون سيدة هذا البيت, تأخذ الأمور بالرحمة والقسوة معاً, تحافظ على الدخل, سواء من الراتب التقاعدي الذي تتقاضاه أمها أو من راتبها كمدرسة للموسيقا في الكونسرفاتوار, أو من إيجار الطابق الذي فوق,وكذلك من معونات والدها انداش ? لكن ماذا إذا ذهب متسلط وجاء آخر? ماذا إذا تحكم ايهم,تحت غطاء المساعدة,بها وبأمها?‏

وماذا إذا كان سيترك هذا البيت كما ينوي ويعلن? اف.. علي ألا استبق الأمور,فكل أمر له في حينه مايلزم من كلام.‏

قالت الأم مارغريت,وقد نفد صبرها:‏

- لقد تسببت لك بالشقاء,كما تسببت به لنفسي,وهذا التفكير الطويل يدل على هم تكابدينه وحدك,دون اشراكي به,رحمة بي,واشفاقاً علي.. إنني عجول,ملحاحة متصابية,سكيرة,مدمنة,ولي عيوبي التي أكابر فيها,وإذا كان الكلام على اللقاء الأول بينك وبين الساكن الجديد يزعجك فلا تتكلمي عليه..‏

قالت غبريلا:‏

- من حقك يا أمي أن تعرفي,وسأقول كل شيء بايجاز شرط ألا تقاطعيني, أو تطرحي أسئلة لا لزوم لها,لأنها مكررة صعدت إليه كما طلبت مني,اخفيت السكين في جيب معطفي,نقرت الباب فلم يتأخر في فتحه,دخلت,أشعلت الضوء,فتحت النوافذ,فلم يقل شيئاً,لم يعترض على شيء..‏

بقي جالساً على حقيبة سفره,لأنه قد يغادر مسكنه في أي دقيقة أو ساعة.. هذا ما قاله, بلطف وأدب جم.. بعد ذلك تبادلنا بضع كلمات لاحظت أنه يميل الى الاختصار بدءاً, وفي النهاية تدفق بالكلام,باتقان وتهذيب مع وثوق في النفس فعالى به,الى أن قال:‏

- انتهت الزيارة,انصرفي واغلقي الباب وراءك,وغداً ستكتبين عني في دفتر يومياتك بعض الشتائم,والشتائم لا تهمني ,لكنك عندما تستيقظين في الصباح وأكون أنا قد غادرت, تذكري أنك قابلت رجلاً غير عادي وعندئذ ستندمين على فراقي!‏

سألت الأم:‏

- وهل غادر,واذا كان قد غادر هل ستندمين على فراقه,إنه حقاً,رجل غير عادي,‏

قالت غبريلا:‏

-وأنا من هذا الرأي يا أماه.. تصبحين على خير!‏

/يتبع/‏

حنا مينة

المصدر: الثورة

حنا مينة: النار بين أصابع امرأة (5)

حنا مينة: النار بين أصابع امرأة (4)

حنا مينة: النار بين أصابع امرأة (3)

حنا مينة: النار بين أصابع امرأة (2)

حنا مينة: النار بين أصابع امرأة (1)

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...