آخر المواضيع المتعلقة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

سياساتُ الطاقةِ المتغيّرة في الشَّرقِ الأوسط

 الكاتب: نيل كويليام - ترجمة لينا جبور

ما الدَّور الذي تلعبه الطَّاقةُ اليوم في السياسات المتغيّرة في الشَّرق الأوسط بعامّة وفي الصِّراعات الدَّائرة في سورية وليبيا بخاصّة؟يُعَدُّ مثيراً للاهتمام، أنَّ الطَّاقة لا تلعب دوراً كبيراً في سورية، إذ إنَّ هذه الدّولة ليست لاعباً مهماً في مجال الطَّاقة. لكن هناك بعض التكهنات العامة بأن سورية تتوضّع على حوضٍ كبيرٍ من موارد الطاقة، سواء أكان ذلك في البرِّ، أم في البحر، لكنني أعتقد أن هذه التوقعات في غير محلها!إنّ هذا الأمر يشبه التفكير الذي كان شائعاً حيال الغزو العراقيّ للكويت في عام 1990، والائتلاف الذي قادته الولايات المتحدة لتحرير الكويت، إذ كان قائماً على أساس ذريعة "تحرير حقول النفط". فقد وُصفت الحرب في العراق في عام 2003 –في رأيي بطريقة خاطئة– بأنها من أجل "الاستيلاء على النفط". لكن الكويت والعراق يجلسان على أحواض مهمة لموارد الطاقة، بينما سورية ببساطة ليست كذلك.

إنَّ ما نراه في سورية هو التنافس الجيوسياسي بين اللاعبين الإقليميين –السعودية وتركيا وإيران وقطر– ثم روسيا والولايات المتحدة والصين على نطاق أوسع. لقد تحولت سورية إلى ساحة معركة للاعبين إقليميين ودوليين، لكن اللعبة تدور حول التأثير في الأرض بدلاً من الطاقة.كما يُعَدُّ لافتاً أنَّ الصين بدأت تدور ببطء حول الموقع الاستراتيجيّ لسورية التي تتوضع في أعلى شمال العالم العربيّ وإلى جانب البحر الأبيض المتوسط. فبالنسبة للصين، إن الأمر يتعلق بالأهمية الاستراتيجية لموقع سورية، بدلاً من موارد الطاقة الخاصة بها.

ويختلف الأمر بالنسبة لليبيا. تتوضع ليبيا على احتياطيات نفطية كبيرة، فهي تستطيع إنتاج 1.8 مليون برميل/في اليوم بشكل مريح في وقت السلم. في الواقع، لديها القدرة على زيادة الإنتاج في مكان ما في المنطقة لتصل إلى (2.5 مليون) مليونين وخمسمئة ألف برميل يومياً. لكن البلاد بعيدة عن الوصول إلى تلك المستويات، ولم تفعل ذلك منذ أوائل السبعينيات. ومع ذلك، تتنافس روسيا وتركيا والصين بشكل مباشر على موارد ليبيا رغم أنّها جميعاً تعمل بطرق مختلفة في مجال الطاقة في ليبيا.تدور المنافسة الحقيقية بين الميليشيات المحلية على الأرض، التي تسعى إلى السيطرة على الموارد النفطية كوسيلة لتأمين السلطة السياسية. الميليشيات، مثل تلك التي تتماشى مع الجيش الوطني الليبي التابع لـ خليفة حفتر، والتي تسيطر على العديد من الأصول النفطية في شرق البلاد، تدعمها قوى خارجية مثل الإمارات العربية المتحدة.


كما تشارك القوى الأوروبية، مثل إيطاليا وفرنسا، بشكل وثيق في العملية السياسية، وكلا البلدين له مصالحُ وأدوارٌ وطنية في نجاح قِطاع النفط الليبيّ.

لقد أدى الحصار الذي تفرضه السعودية والإمارات والبحرين ومصر على قطر إلى انسحابها من منظمة الأوبك، وهي دولة غنية بالنفط والغاز. ما أهمية الدور الذي تلعبه الطاقة في الأزمات المحلية؟

يعود أساس المشكلة إلى اختلاف تصور أو رؤية ما يجب أن تكون عليه المنطقة من قبل السعودية والإمارات من جهة، وبين قطر من جهةٍ أخرى. إذ إنَّ السعوديّة تركّز على ما يمكن أن نسمّيه محور مناهضة الإخوان المسلمين، ويتضمن هذا المحور السعودية والإمارات ومصر، وكذلك يمكن القول قوات حفتر الذي تدعمه روسيا في ليبيا.

ترى قطر من منظورٍ مختلف أنَّ الإسلام السياسيّ، متمثلاً بجماعة الإخوان المسلمين، يلعب دوراً مهماً في تطور المنطقة، وهذه الرؤية أكثر انسجاماً مع تركيا. ورغم أنَّ علاقات القطَريين مع إيران تميل إلى أن تكون معقدة، إلا أنّها جزء من محور مشابه.

هذا، وفيما يخصُّ الطَّاقة، إن لم تكن فعالة، من المهم أن نلاحظ أنه في حين أن المملكة العربية السعودية هي واحدة من أكبر مصدّري النفط في العالم، فإن قطر هي واحدة من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم (LNG)، ما سمح لهذا البلد [قطر] بتطوير دورٍ مستقلٍ بذاته له، إقليميّاً وعالميّاً، تسبّب إلى حدٍّ كبير بإحباط السعوديين، بطريقة ما، وأدى الانقسام بين النفط والغاز في الشرق الأوسط في العقدين الماضيين إلى تعزيز قدرة قطر على اتباع سياسة خارجية مستقلة والقيام بدور نشط في المنطقة وخارجها.

تستتبعُ خطط دونالد ترامب القاضية بسحب القوات الأمريكيّة من سورية وأفغانستان، وتراجع الولايات المتحدة الواضح من المنطقة، التساؤلَ عن الأهمية الجيوسياسية للشرق الأوسط، ذلك فيما يتعلق بموارد الطَّاقة في المنطقة، بالنسبة لروسيا والصين والكشفَ عن مدى اعتماد دول الخليج على التصدير إلى أسواق الطاقة الروسية والصينية؟

تستورد الصين 49% من نفطها الخام من الشرق الأوسط، و37% من صادرات الشرق الأوسط النفطية تذهب إلى الصين. ومن حيث رأس المال، بلغت الصادرات الصينية إلى المنطقة نحو 123 مليار دولار في عام 2016 بينما قُدرت قيمة الواردات من المنطقة 87.5 مليار دولار.ويرجع ذلك إلى أن الصين قد قامت بعدد من الاستثمارات الرئيسة في العراق وإيران، بينما استثمر مستثمرون قطريون وسعوديون في عمليات الإنتاج في الصين، كوسيلة لتطوير سلسلة القيمة التي تربط المصالح الاقتصادية طويلة المدى بين الدول.

ورغم الجهود التي تبذلها الصّين لتنويع مصادر مواردها الطبيعيّة، إلا أنَّ أهمية منطقة الشّرق الأوسط –وبخاصّة منطقة الخليج، بما تشمل من متنافسين إقليميين، أعني إيران والسعودية– ستزداد مع نمو الطلب المحلي في البلاد.

وبالمقابل، فإنَّ زيادة إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري والغاز، أسهمت في جعل الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم لأول مرة منذ عام 1973. لذلك، ستستمر في استبدال نفط الشرق الأوسط بنفطها في أسواق أمريكا الشمالية وأوروبا، وبالتالي خلق هذا علاقة جيدة بين الصين والشرق الأوسط.

تطورت مصالح روسيا في الطاقة في الشرق الأوسط بشكل كبير منذ فرضت الحكومات الغربية عقوبات عليها في أعقاب اندلاع الأزمة الأوكرانية في عام 2014. ولذلك، دفعت حاجة روسيا لتأمين أسواق جديدة لنفطها وغازها، وجذب الاستثمارات من دول الخليج، للعمل مع منتجي النفط الرئيسين –مثل المملكة العربية السعودية– من أجل تحقيق استقرار أسعار النفط الدوليّة، وتقويض المساعي الأوروبية لتنويع إمدادات الغاز الطبيعيّ لديها. وكذلك دعم وصول النفط والغاز الروسيّ إلى آسيا.

في الوقت الذي يحاول فيه العالم تقليل اعتماده على الوقود الأحفوري في إطار اتفاقية باريس العالمية، كيف سيؤثر التحول نحو الطاقة النظيفة في الوضع الراهن بين دول الشرق الأوسط الغنية بالنفط والغاز، ذلك إذا أعلنت الشركة السعودية المملوكة للدولة أنها تخطط للتوسع في مشاريع استخراج الوقود الأحفوري لأول مرة في الخارج؟

هذا يعتمد على طبيعة التحول. يبدو أن الغاز الطبيعيّ والنوويّ سيكونان جزءاً رئيساً من عملية التحوّل، الأمر الذي سيفيد ببساطة الدول الغنية بالغاز في المنطقة، ولا سيما قطر وإيران.

إلا أن ذلك لن يكون جيداً للمملكة العربية السعودية بخاصّة –وهي أكبر منتج للنفط في المنطقة. وبالتالي، سيؤدي الانتقال إلى الطَّاقة النظيفة إلى تقويض مركزها المهيمن في أسواق الطاقة وفي منطقة الخليج أيضاً.وفي الوقت نفسه، سيستفيد منافسها الرئيس –إيران– بشكل كبير على المدى الطويل، إذا استطاعت التخلّص من العقوبات الأمريكية، وأصبحت دولة رئيسة مصدِّرة للغاز.

وكذلك الأمر بالنسبة لقطر، التي تخضع للحصار الحاليّ من قبل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر، سوف تستمر بالتمتع بالاستقلال الذاتي كونها أكبر مصدّر للغاز الطبيعيّ المسال في العالم.

على الصعيد الدولي، اجتمعت المملكة العربية السعودية، إلى جانب الكويت وروسيا والولايات المتحدة، لمنع اعتماد تقرير الهيئة الحكومية الدوليّة في العام الماضي، والذي أبرز الحاجة إلى الحدّ من الاحتباس الحراري العالمي إلى أقل من 1.5 درجة مئوية. هل يمكن أن ينمو هذا التحالف في السياسات الدولية لتغير المناخ، وكيف يمكن أن يؤثر ذلك في مستقبل اتفاقية باريس؟

تصعب رؤية عمليّة مواءَمة بين هذه الدول الأربع كمجموعة مركبة، فكل واحدة من هذه الدول لديها جملة من الأهداف الفردية.يمكن القول: إنَّ الكويت والمملكة العربية السعودية أكثر تقارباً إلى حدٍّ كبير، في حين أن روسيا والمملكة العربية السعوديّة، على الأقل في المدى القصير، لديهما مصالح مشتركة فيما يتعلق بإدارة تدفقات السُّوق. ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى الولايات المتحدة على أنها جزء من هذه المجموعة –بل إنها ليست مجرد تجمع، بل هي على الأغلب تجمُّع مصالح قد تتفق هذه الدول إلى حدٍّ ما في سياساتها، لكني أعتقد أنها مجرد مصالح متصادفة.


ولكن هل يمكن أن يؤثر ذلك في مستقبل اتفاقية باريس؟ نعم يمكنها فعلاً إحداث هذا التأثير، لكن ليس كتحالف، بل كدول فردية. فالولايات المتحدة لاعبٌ مهم للغاية في مجال الطاقة، والمملكة العربية السعودية لها دور رئيس أيضاً في كونها الفاعل الأساس في منظمة أوبك، ومع كل التأثير الذي يمكن أن تحدثه في سياسات تغيُّر المناخ الدولية. 

 

 


المصدر: تشاذام هاوس 


الجمل ـ بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات