غلاء الأسعار يطال الأحياء والأموات في دمشق

02-11-2016

غلاء الأسعار يطال الأحياء والأموات في دمشق

لم يقتصر غلاء الأسعار في سوريا على الأحياء، إنما امتد ليطال الأموات أيضاً. ظاهرة ارتفاع أسعار البيوت وإيجاراتها في العاصمة دمشق انعكس على أسعار القبور، لتصل في بعض الأحيان إلى مليوني ليرة سورية. أدى ذلك إلى ظهور عُرف جديد يقوم على تأجير القبر بـ500 ألف ليرة، لحين فناء الجسد.
في الطريق إلى مكتب دفن الموتى في منطقة «باب مصلى» في دمشق ستجد عددًا من المكاتب المخصصة لتأمين مستلزمات الدفن. تحوّلت هذه المكاتب خلال الحرب إلى معقل لـ «سماسرة الموت»، هذا ما اتضح عندما زرنا أحد هذه المكاتب من دون الإفصاح عن الهوية الصحافية.تربة نبي الله ذي الكفل
بدأ «أبو مروان الخياط»، صاحب أحد هذه المكاتب، حديثه عن اختلاف الأسعار بين مقبرة وأخرى: «يتوفر لدينا حالياً قبور في الميدان والدحداح وباب صغير، يختلف سعر القبر حسب الموقع، في مقبرة الميدان يصل سعر القبر إلى مليون و300 ألف ليرة سورية، أما في مقبرة باب الصغير، التي تعتبر أغلى المقابر، فيتراوح سعر القبر بين مليون ونصف ومليوني ليرة. وفي حال كانت القدرات المادية محدودة من الممكن أن نقوم بـ «الاستضافة» (تأجير القبر) لمدة خمس سنوات لقاء 500 ألف ليرة سورية، بعد تلك الفترة تعود ملكية القبر إلى صاحبه. وظيفتنا أن نكون حلقة وصل بين صاحب القبر (البائع) وأهل المتوفى (الزبون)».
لا وقت للحزن عند المواطن البسيط، الأولوية للبحث عن مكان يدفن فيه عزيزاً فقده. يقول عامر العشاوي من منطقة دير الزور الذي استقر مع عائلته في دمشق بسبب ظروف الحرب «عندما توفي والدي لم أكن أتوقع أن الحصول على القبر مشكلة حقيقية. الحال مختلفة عن القرية، هناك يتآزر الناس في المصائب، ولأن الوصول إلى القرية مغامرة تعرّض الأسرة للخطر، لم يبق أمامي سوى شراء قبر عن طريق سماسرة».
يروي العشاوي أن شراء القبر كان أمراً صعباً «قمنا باستئجار قبر في مقبرة الدحداح في دمشق مقابل 500 ألف ليرة لمدة خمس سنوات، ولم يسمح لنا صاحب القبر بوضع الاسم على الشاهدة، لكي يحافظ على الخصوصية العائلية للقبر».
من جانبه يشير حسام الدين النقطة، مدير مكتب لدفن الموتى، إلى ان كل قبر يحمل رقمًا تسلسليًا وتعود حرية التصرف بالقبر إلى مالكه أو أحد الورثة، «يحق لصاحب القبر أن ينزل قريباً له، أو أي شخص آخر، شرط أن يأتي باثنين من الورثة لكتابة تعهّد أن لا مانع من الاستضافة لخمس سنوات وبعدها يعود القبر إلى مالكه الأساسي».
تشكلت أزمة القبور في الأوضاع الراهنة بسبب النزوح إلى دمشق، كما أن عددًا من المقابر في الأرياف التي شهدت اشتباكات باتت خارج الخدمة. يؤكد النقطة «هناك خمس مقابر خرجت من الخدمة بسبب الأحداث؛ منها مقابر برزة وجوبر والقدم والقابون، وعدد الوفيات في تزايد. وصل عدد الوفيات الطبيعية في دمشق، بحسب إحصائية سنوية لعام 2015 إلى 8941 وفاة طبيعية ما عدا الشهداء، لقد بات معدل الوفيات اليومي يتراوح بين 20 و40 حالة وفاة».
ساعد على انتشار ظاهرة تجارة القبور سماسرة يعملون في الخفاء مستغلين حاجة المواطن لتأمين القبر، ورفضه الدفن في مقابر خارج دمشق. يمنع القانون بشكل كامل بيع القبور، لكن المواطنين يفعلون ذلك خارج إطار المحكمة، ثم يقومون بالتنازل عن القبر بحجة أنه تنازل بدون مقابل مادي. لكن في الواقع يكون الاتفاق مسبقًا حول السعر خارج إطار المحكمة التي تمنحهم الحكم القضائي بالقبر، بحسب ما أكده المحامي عماد الدين الصباغ. «يتضمّن القانون المدني 1200 مادة لا تشمل بيع أو شراء القبور، إلا أن القبر يعامل معاملة العقارات في حالات البيع أو التأجير، وذلك بالاتفاق بين الطرفين على سعر محدد ليتم التنازل في المحكمة وفق سعر آخر تهربًا من الرسوم. لا بدّ من وجود قانون لحماية المواطن من الاستغلال والابتزاز».
إن كانت هذه التجارة تتم بموافقة الطرفين، إلا أنها تخالف كل القيم والقوانين الأخلاقية والوقفية التي تلزم محافظة دمشق بمتابعة هذه القضية، لكونها الجهة المسؤولة والمشرفة على القبور.

حسانة سقباني

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...