ماذا قيل في ندوة الأدب والمنفى بمهرجان الدوحة

10-04-2007

ماذا قيل في ندوة الأدب والمنفى بمهرجان الدوحة

ورد عن أحد الرهبان في القرن الثاني عشر الميلادي قوله: الإنسان الذي يجد وطنه أثيراً لم يزل غراً طري العود؛ أما الذي يرى موطنه في كل مكان فقد بلغ القوة؛ غير أن المرء لايبلغ الكمال الا إذا عدّ العالم بأجمعه أرضاً غريبة عليه؛ فالغض هو من ركز حبه في بقعة واحدة من الأرض، والقوي هو الذي شمل العالم بحبه، أما الإنسان الكامل فهو الذي أطفأ جذوة الحب في أعماقه.

أقيمت ندوة «الأدب والمنفى» ضمن فعاليات مهرجان الدوحة الثقافي بحضور العديد من المفكرين والأدباء والباحثين العرب الذين قدموا من بلاد هي اليوم بلادهم، ولكنها ليست كذلك تحدثوا عن المنفى الذي يشمل كل حالات الاغتراب والابتعاد والتهميش فأشار أدونيس (شاعر وناقد سوري) الى الهجرة التي لاتعني في ذاتها منفى بقدر ماهي عليه على العكس، خروج من صحراء الداخل تحركها رغبة دفينة في انتقال الشخص من مرحلة الانسان ـ الجماعة، الى مرحلة الانسان ـ الفرد. 
 وهي الرغبة في الحرية والانعتاق. إنها رغبة الخروج من التقليد المقيد الى التجديد المحرر. وأورد أدونيس قصيدة كان قد كتبها في باريس تحت عنوان (لا الخارج بيتي، والداخل ضيق علي). في هذا مايفسر المكان الآخر الذي يعيش فيه فيما وراء التخوم ـ في منفى ـ وطن. فيما وراء المنفى والوطن. واللغة العربية تعني هنا، لغة الشاعر، لغة انتمائه الانساني والثقافي هي مدار المكان وهي طينه، والأفق، وهي مادة المعنى، وهي فضاء التمرد وسماء الحرية. الوطن عند أدونيس ذائب وحاضر في المنفى والمنفى ذائب مقيم في الوطن. قائلاً: ‏

«ولد جسدي في هاوية وصار نفسه هاوية. فليس المنفى شيئاً أضيف الى حياتي. إنه حياتي نفسها. ‏

في حين رأى الناقد والمترجم فخري صالح (فلسطين) أن مفهوم المنفى ذو طبيعة معقدة إنه مفروض ومرغوب يجري السعي إليه وتفضيل الاقامة فيه وكذلك دمه بوصفه حالة من عناقه، وتندرج حالتا الوجود الخاصتان بالمنفى والاغتراب في تشابهات تجعل من الصعب التمييز بين المنفى والمغترب ويمكن الإشارة في هذا السياق الى التجربة الفلسطينية التي تتضمن أنواعاً عديدة من الابتعاد القسري والنفي العنيف والإبعاد، وأحياناً، الاغتراب عن الوطن لأن الشروط السياسية الاجتماعية والثقافية هي التي دفعت الفلسطينيين الى خارج الوطن الأم مايفضي الى تعقيد مفهوم المنفى وضرورة النظر إليه من جوانب مختلفة وعدم الاكتفاء بالمعنى اللغوي ذي الدلالات السلبية للمنفى. 
أما الدكتورة فريال غزول (العراق) فقد أوضحت أن أدب المنفى ليس جنساً أدبياً بقدر ماهو أدب يلازمه حدث هام وهو النفي وهو موازٍ لأدب السجون أو أدب المقاومة أو أدب الرحلة، مشيرة الى أن أدب المنفى يغطي الأجناس الأدبية كلها وهو ليس جديداً في الأدب وان كان حضوره اليوم يطغى على تيمات أخرى باعتبار «عبور الحدود» هجرة أو نفياً أو لجوءاً. 
ثم قدم واسيني الأعرج (الجزائر) شهادته الذاتية بعنوان «أراضي المنفى» متحدثاً عن منفاه الباريسي قائلاً: صحيح أنني خسرت أرضاً جرحت ذاكرتي ولكني ربحت وطناً عظيماً هو وطن الكتابة، أرضي الوحيدة والنهائية.. وحدها الأصدق وحدها الأبقى عندما يذكرك الآخرون صحيح أن أقسى مافي المنافي هو أن تعرف بأنك ستموت وحيداً في العزلة خارج وطنك وخارج أرضك ولكن المنفى يمنحك حياة لم تتخيلها ووطناً تنشئه بسهرك وأظافرك وخوفك لن تتخلى عنه مهما كان الثمن غالياً وعسيراً. وأضاف: أتساءل اليوم وأنا في قمة صفائي الذهني الذي لاأضمنه بعد سنوات وبعد كل هذا الشطط والحزن والعمر الذي لايقاس بآلام من سبقوني هل خسرت وطناً حقاً عندما خرجت في ذلك اليوم الشتوي القاسي ولم ألتفت ورائي كي لاأتراجع؟ لاأدري، ولكني أدرك جيداً أن نخسر وطناً يفترض سلفاً أن نحس بالمواطنة؛ وتلك مسألة أكثر تعقيداً وأكثر التباساً. 
وفي المقابل تحدث الروائي نبيل سليمان (سورية) في قراءته المستفيضة للعديد من الروايات العربية لأبرز الروائيين الذين انعكست ظاهرة النفي في أعمالهم.. فنعمة النفي أفادت الرواية العربية فلولا المنفى الطوعي أو القسري. هل كانت الرواية العربية عرفت روايات عبد الرحمن منيف أو غالب هلسا أو سليم بركات؟. ‏

متسائلاً اذا كان ذلك يؤكد «رب ضارة نافعة» فما الذي يعوض على المنفي الا أن يتقوض فعل النفي؟ ‏

أما الناقد كمال أبو ديب (سورية) الذي دخل في عامه الواحد والأربعين لهجرته، فيرى أن تجربة المنفى منشأ، تجربة في المكان لكن أشد تجلياتها ثراء في الفن، تجليات في الزمان بل تجليات توحد المكان بالزمان، فالمنفى يفتح فضاءات جديدة للنفس وآفاقاً جديدة للعين بصراً وبصيرة، يغدو الفضاء فضاءً مركباً ،تتشاجر فيه المبصرات والمدركات وتتعانق ويغدو البصر بصراً محللاً مركباً عبر الرؤية المقارنية وهذا مايعيده حسب قوله الى نقطة البدء حيث تصور الإنسان لنفسه منفياً من جنة الله الى توليد كل ما نملكه الآن من معرفة. 
 وأشار الدكتور محمد لطفي اليوسفي (تونس) أن ثمة علاقة سرية في المتخيل العربي الاسلامي بين اللغة والفردوس والمنفى. يلح هذا المتخيل على أنه في البدء كان الفردوس حيث خلق الإنسان ووهب اللغة أشد المقتنيات خطراً، وأكثرها مضاءً وبهاءً.. باللغة سمى الانسان الكائنات كلها والموجودات جميعها دعاها باسمها ثم كانت الخطيئة وكان الطرد من الفردوس نفي الانسان في برية الفناء ولم يبق بين يديه من طيبات الفردوس شيء غير اللغة.. باللغة سيكتشف العالم ويسميه، وباللغة سيحضر التاريخ انها تمثل في اللاوعي الجمعي هبة مقدسة هي آخر ماتبقى بين يدي الكائن من طيبات فردوس البداية لكنها هبة تظل تذكر المرء، وإنْ بطريقة سرية بأنه طريد ومنفي. 
 ‏ واعتبر الروائي إبراهيم الكوني (ليبيا) أن الفضاء الميتافيزيقي الذي يروق للمعاجم أن تسميه صحراء ماهو إلا الاغتراب في بعده المجسد برغم المحاولات في وضع حدود جغرافية له ،مؤكداً أن الصحراء هي ظل مكان ولم تكن يوماً حقيقة المكان كما أنها وطن اللاوطن ومكان اللامكان لأنها في نظره ميتافيزيقيا المكان والهوية الضائعة لمفهوم الأوطان. 
وأوضح الكوني أن الأوطان ربما تدري أن الأبناء الذين خرجوا منها لم يغتربوا إلا ليبشروا برسالتها ويصيروا لأوطانهم فدية. ‏

ثم تناول الشاعر سيف الرحبي «عُمان» المنفى والتجربة والاغتراب مشيراً الى أن الكائن المنفي أو المغترب في برهتنا ليس ذلك المقذوف خارج منطقة مكانية تسمى الوطن وانما ذاك الذي أضاع مكانه جذرياً في هذا العالم وبدأ رحلة التيه، فلم يعد للتجوال في خرائط الجغرافيا حلم كشف وإشراق لا للرحيل ولا للعودة لا للوطن ولا للمنفى تهشمت في مخيلته ووجدانه هذه الثنائيات لتحل محلها خارطة متناقضات داخلية متموجة بجمال وقسوة خاصين. ‏

وتطرق الناقد فيصل دراج (فلسطين) الى أحد المحاور المهمة في علاقة الأدب والمنفى وهي السيرة الذاتية والمنفى فرأى أن السيرة الذاتية في معناها الحقيقي هي الكتابة عما سمّاه «صحراء الحياة» التي تقاس بزمن الروح لا بالزمن التاريخي، وهذا مايعين حسب قوله فكرة المنفى في أكثر أشكالها حرقة واكتمالاً بؤرة مركزية لكل سيرة ذاتية جديرة باسمها متناولاً بعض النماذج مثل كتاب «الأيام» لطه حسين وسيرة سميرة أمين «مذكراتي» واحسان عباس في «غربة الراعي». ‏

اختتمت الندوة أعمالها بورقة بحثية قدمها الباحث الجزائري أحمد يوسف تحت عنوان «اللغة وأدب المنفى» الذي تساءل فيها عن ثيمة الأدب في المنفى، فهل صارت تعميماً والأدب الحديث تخصيصاً قاعدة لتوصيف نقدي ومنوالاً لتصنيف أجناسي وتحليلاً لمحتوى تيماتولوجي ؟..مشيراً الى أنه بهذا التساؤل دخل أدب المنفى دائرة المساءلة التاريخية من حيث أنه يؤلف ظاهرة إنسانية عالمية تنضاف الى أدب المهجر وأدب الخارج مؤكداً أننا بحاجة الى عمل انطولوجي دؤوب لرسم التضاريس المختلفة والمتباينة لأدب المنفى الذي كتب في مختلف دول العالم. ‏

عزيزة السبيني

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...