هل المطلوب من الدراما البدوية أن تتحول إلى واحة مُجمَّلة؟

12-09-2008

هل المطلوب من الدراما البدوية أن تتحول إلى واحة مُجمَّلة؟

تدعونا إشكالية إيــقاف عرض المسلسل البدوي »سعــدون العـواجي« الذي تــبثه حصرياً قناة »أبوظــبي« في دورتها الرمضــانية الحالية، وقبلها إشكاليـة القرار الذي اتخــذته إدارة »إم بي سي« بـ »تأجيل عرض المسلــسل البدوي »فنجان الدم« حتى إشــعار آخر«، إلى إعــادة طرح سؤال الفن، كما يجب أن يقدم نفــسه تلفــزيونياً: هل المطــلوب من المســلسل الدرامــي أن يكون صورة عن الواقع أم مطلوب منه أن يكــون واقع صورة مفترضة؟ /من »فنجان الدم«.
إلى أي حد مسموح أن نؤرخ لحياة عشناها في مسلسل تلفزيوني دون أن نضع أنفسنا في دائرة الاتهام بالتشــويه والتجــني، ودون أن نستــغبي عقل المشاهد؟ وما هو حجم الخـطوط الحمراء التي يجب أن نراعيها إذا ما كــانت الحــقيقة كاملة بين أيدينا؟ وهل محاكاة الواقــع في عمل إبداعي جريمة، وهل إغفالنا أخطاء التاريخ عند إعادة قصه هي الفضيلة..؟!
وبعيداً عن التعميم، وأمام إشكاليتي »سعدون العواجي« و»فنجان الدم« نجد أنفــسنا أمام سؤال ملح: عن أي مجتمع بدوي يريدوننا أن نتحدث؟
يعود تاريخ إنتاج أول عــمل بدوي إلى عام ١٩٧٣ حين قدم الأردنيون الدراما البــدوية »فارس ونجود« التي أخرجها إيلي سعادة، وبعد عامين قدمت مسلسلات: »وضحا وابن عجلان« و»رأس غليص« فمسلسل »نمر بن عدوان«...وتتالت الإنتاجات التلفزيونية البدوية التي تقاسم إنتاجها الأردنيون والسوريون، من دون أن يثير أي مــنها حفيظة أحد، رغم أنها جميعها قدمت المجتمع البدوي بصورة افتراضية، فخلقت بيئة بدوية لا نشاهدها إلا على التلفزيون، وأبعد ما تكون عن الواقع الحقيقي، فيها البدوي مجرد ساكن خيمة يرعى الغــنم، ويدخل قصص حب مستحيلة، وعلى هامش هذا الحب تنشأ قصص الشجاعة والشهامة والحكمة مقابل الغدر والخيانة.
والغريب أن الأعمال البدوية التي تلقى اعتـراضاً اليوم، هي الأعمال ذاتها التي انطلقت من تلافي عيوب الأعمال البدوية السابقة، وذلك بتقديم مضامين متطورة، ضمن زمان ومكان محددين، ورؤية واقعية للمجتمع البدوي، فدارت أحداث »فنجان الدم«، وفق البيان الترويجي للعمل، في »بداية القــرن التاسع عشر، حين كان العثمانيون يبســطون ســيطرتهم على معظم البلاد العربية، فيما كانــت الصــراعات دائرةً على جبهتين: الجبهة الأولى تجمع القبائل العربية من جهة، والعثمانيــين من جهة أخرى، والثانية تجمع بعض القبائل العربية في مواجهة بعضها«، بينما ينسج مسلسل سعدون العواجي أحداثه، وفق توصيف مخرجه نذير عــواد في فترة »مرت على المنطقة أصابها خلالهـا الجفاف وجاعت فيها القبائل فكثرت الغزوات التي صـنعت أبطالاً تحدثت عنهم القبائل، والفترة التي يتحـدث عنها العمل تعود إلى ١٧٥٠ تقريباً وتمتد الأحداث لمدة ٦٥ سنة«.
تحديد الزمان والمكان يبدو أنه فتح باب التأويل فاعترضت بعض القبائل التي وجدت تشابهاً بينها وبين بعض الشخصيات والأسماء والأحداث في هذين العملين، وارتفعت أصوات تتحدث عن »إيقاظ الفتنة النائمة بين القبائل«، وعن »احتواء العمل على إساءات لشخصيات وقبائل عربية معروفة تاريخياً«. بل وانبرت أقلام صحافية تهاجم المسلسلين والقائمين عليه، في وقت تناقلت أروقة الوسط الفني أحاديث عن ضلوع جهات إنتاجية منافسة في عمليتي التحريض على العملين والسعي لإيقافهما.
والمثير للدهشة أن كل ذلك الهجوم تم وما من أحد اطلع على المسلسلين كاملين، فما المطلوب إذاً...؟
هل المطــلوب أن نستـسلم لمجــتمع بدوي افتراضي لمجرد أنه جــميل، ونرفــض محــاكاة الواقع لمجرد تخوفــنا من تــأويل عابر لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن ينال من حقــيقة المجــتمع البدوي المعـروف بثقافته وأخــلاقه الــعالية وقيمه...؟
إشكالية المسلسلات البدوية الجدية والتأويلات العــابرة ليــست الأولى في تاريــخ الــدراما، ففي العام المــاضي أثار الجزء الأول مـن مسلسل »الحصرم الشامي« للمخرج سيــف الدين سبيعي الجدل نفسه حين تناول بعض الجــوانب الخــاصة في تاريخ مدينة دمشق أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، كتــبها الســيناريست فؤاد حمــيرة عن »حوادث دمشـق الــيومية« للبـديري الحلاق. مبتعداً بمسلسله عن الشكل الفكلوري للمجتمع الشامي كما قدمته الأعمال الشامية السابقة.
ولكن المسلسل اتهم حينها بتشويه تاريخ دمشق، وللمفارقة أيضاً اتهم صناع العمل بإثارة الفتن بين الناس، وكانت النتيجة منع عرض العمل خلال شهر رمضان.
إذاً القضية تتعلق بعقلية فردية لا مجتمع بذاته، عقلية تريد من الدراما أن تكون عبارة عن غرفة مكياج لا تظهر على الشاشة إلا الوجوه الجميلة، عقلية تريد من حياتنا فلكلوراً لا يصلح إلا للمتاحف، وإلا لماذا لم تعترض الأصوات على الصورة الساذجة التي قدمتها الدراما من قبل عن المجتمع البدوي؟


ماهر منصور
المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...