فتاة تهوى القتال حبّاً به

13-09-2007

فتاة تهوى القتال حبّاً به

تعتقد جنا أنها مختلفة عن سائر الفتيات... لا تشاركهن الهوايات والاهتمامات... التسوّق يصيبها بالملل، والجلوس ساعات أمام المرآة، فيما أصابع المزين تعبث بشعرها، يوّلد لديها إحساساً بضيق النفس والغثيان...

جنا تمارس رياضة «تاي - بوكسينغ» القتالية (الملاكمة التايلندية). تحبّ تسلّق المرتفعات وتفضل السباحة في البحر على التمدد تحت الشمس لاكتساب سمرة تقصد صديقاتها لأجلها الشاطئ.

تحب التخييم، ولا تعاني أي مشكلة مع النوم على الأرض مظللة بخيمة عكس معظم صديقاتها اللواتي لا يحتملن حتى التفكير بالنوم في خيمة أو تسلّق جبل أو ممارسة القتال. وهن يعتبرن تلك الأمور «صبيانية» ويعنين «ذكورية»، لا تليق بفتاة.

«ليش ما بتعملي رقص؟»، تسألها إحدى الفتيات اللواتي يعرفنها... وحين تناقشها جنا، تجيبها... «الرقص للبنات، البوكسينغ بخليكي تصيري مسترجلة»... بالطبع، من يعرف جنا يعرف أيضاً أنها احتوت غضبها، لا بل كبتته.

ومع أن القتال للرجال بحسب معظم النساء في محيط جنا، ليس في هيئتها أو مشيتها ما يشير إلى «استرجالها». بنيتها قوية، لكن، وبطبيعة الحال، ليست بقوة بنية رجل ولا هيئته... والعنف ليس في أساس طبعها...

وهي لا تلكم الناس يميناً ويساراً في الشارع، إذا اعترض أحدهم طريقها. لا تركل الأبواب والجدران إذا استاءت من شيء. تمارس القتال لأنها، ببساطة، تحب هذه الرياضة، وليس لأنها تشعر بالحاجة إلى الدفاع عن نفسها من «الرجال»، كما يظنّ بعض الذين لا يفهمون أسباب حب فتاة للقتال...

لم تلحظ جنا تغييراً جذرياً في طباعها بعد قرارها ممارسة التاي بوكسينغ منذ أكثر من سنة. لم تزدد عدائية بل تعلمت الصبر والتخطيط الذكي لكل خطوة. «التاي علمني أن أفكّر جيداً قبل أن أقرر، وأصبر على الأمور، إللي بتاخد وقت»، تفاخر جنا. كما أنها سعيدة لأن التاي زودّها بالطريقة السليمة للتخلص من المـــشاعر الســـلبية، والغضب الذي يتراكم داخلها بفعل الضغط اليومي. «بالتاي أفشّ خلقي، من دون أن أؤذي أحداً. وأعصابي تهدأ، لأني أخرِج كل التعصيب، وأعبّي طاقة جديدة»، كما توضّح.

لكن هذا الحماس الذي تكنّه جنا لرياضتها المفضلة غالباً ما يواجه بالاستغراب، وأحياناً الارتياب من محيطها. بالنسبة الى أحد أصدقائها الذكور «جاد»، «البنت التي تلعب بوكس تصبح أوفر OVER – قوية». لذلك، هو يخاف على رفيقته من «القوة الزائدة» ولا ينفك يرجوها أن توقف هذه «الرياضة العنيفة» قبل فوات الأوان!

لكن عدداً من صديقاتها يفاخرن بها أمام الشباب، فبنظر صديقتها باسمة «جنا شخــــصيتها قوية، وجـــسدها قـــوي»... ولأنها تمارس القتال «لا أحد يتجرّأ على مشـــاكــستنا»، تعلق باسمة مازحةً أمام أصدقاء لها.

إذا كانت جنا وجدت بين أبناء جيلها من يفهم شغفها بالتاي بوكسينغ، لا تزال، بعد سنة ونصف سنة، تجد صعوبةً كبيرة في إفهام أمرها لمحيطها العائلي. أسرتها في البيت متفهمة تماماً... لا تحاسبها والدتها على خيارها ولا تنفر أختاها من الوضع... ولو أنهن يفضلن لو تنتقل جنا إلى نوع آخر أقل عنفاً من الرياضة. تذكر جيداً يوم فاتحتها أختها أمل بالموضوع: «لماذا لا تختارين رياضة ثانية أقل عنفاً وأذى؟»، فأجابتها جنا يومها «لأنّي بحبها»...

هذا بالنسبة الى أمل، شقيقها الكبرى. أما رنا، شقيقتها الوسطى، فيسيطر عليها «خوف» من عنف هذه الرياضة، إذ «لا أعتقد أني أستطيع ممارسة القتال العنيف الذي يتطلب جهداً جسدياً كبيراً»، كما تبرر. وعلى رغم عدم رضاهما، لم يصدر عن الأختين تعليق سلبي أو إلحاح على التغيير، «لأن اقتناع جنا وحبها تلك الرياضة هما ما يهم». وتكتفي أمل ورنا بتقبل الأمر لأنه يسعد جنا، بينما تفتخر والدتها بأنها تلعب بوكس... بالطبع، بعد محاولات كثيرة، ويائسة، لإقناعها منذ البداية باختيار رياضة مختلفة: «لأنو أصلاً كتافك عراض، بدّك يعرضوا أكتر؟!». إلاّ أن الوالدة، وأمام ارتياب الأقارب ودهشتهم... وأحياناً هزئهم، تساند ابنتها بتعليق من قبيل: «إيه، قوية بتعمل بوكس».

وهكذا، تصرّح جنا عن خياراتها أمام عائلة لا تعارضها ولا تشجعها... وأمام صديقات متحفظات من دون أي سبب واضح. ولا تنوي جنا الإقلاع عن تلك الهواية التي أقبلت عليها أنها أعجبتها.

ناي الراعي

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...