ليلة في بيت رجاء النقاش
لا اتذكر كثيراً، لكن رجاء النقاش لا يحتاج الى ذكريات كثيرة ليحضر في البال «كان واحداً من لقاءات قليلة لكني اتذكر بيتاً جميلاً» وليست وفيرة جداً بيوت الكتّاب المصريين التي توحي بالرخاء. صالة أنيقة ورجاء الوسيم مع زوجته وابنته الجميلتين وصهره النبيه والوسيم ايضاً، حلمي التوتي الرسام المعروف أنيقا ومرحاً واكثر استرسالاً من لوحاته. سليم سحاب بهيئة المايسترو التي له لكن بتبسط وبدون طاووسية. مائدة كريمة ومرح ولطف، ليلة سعيدة في بيت سعيد، فيما بعد علمت ان الصهر اللامع اصيب بالسرطان وتوفي شاباً. علمت ان رجاء في مرض عضال، مع ذلك لم تنكسف هذه الليلة في ذاكرتي، ولن اشتبه ابدا بالسعادة التي صادفتها فيها. سيبقى كل هذا الجمال والمرح حاضراً وسيبقى رجاء وسيماً ورقيقاً، لن نسلم للموت كل شيء.
اول ما تعرفت به على رجاء النقاش كان مقدمته الطويلة لديوان احمد عبد المعطي حجازي الاول وربما الاجمل «مدينة بلا قلب» لا اذكر من هذه المقدمة الا انها كانت مليئة بالسياسة ولم يكن الديوان كذلك، فالواضح ان رجاء ذلك الحين لم يكن ليتصور شيئا بدون سياسة، ثم ان المقدمة نفسها كانت مضمومة الى الديوان كأنها شيء منه او كأنها تكمل البيان الذي فيه، ديوان حجازي هذا قال الشعر على نحو لم يكن مسبوقاً، قاله بجملة لا تهول ولا تفخم ولا تذهب الى الاقصى ولا تنشد، الارجح ان رجاء لاحظ جدة الشعر وطراوته لكنه شاء ان يضع ذلك في رصيد سياسة جديدة ايضا. ذلك الحين كان رجاء شيطان حجازي ويجمعهما قرب غريب من حزب لم ينغرس في مصر ولا كان له أرض فيها هو حزب البعث، ديوان حجازي كان اشهارا مركبا لتلك الصداقة ولذلك الاتجاه، بعدها غدا رجاء النقاش من طلائع الناصرية ولعب في الصحافة والنقد دوراً لم ينفصل كثيراً عن السلطة. لم ينتكس رجاء في عهد السادات، لقد واصل طريقا يصعب على من اختطه ان يحيد عنه، في هذا الازدواج بين السلطة والثقافة او في هذه السلطة الثقافية التي كانت تتحول بتحولات الظرف، كان رجاء من هذه الطبقة من مديري الثقافة او امراء الصحافة، وفي بلد مؤمم الصحافة والثقافة يصعب الابتعاد عن السلطة لكنها لا تدمغ الجميع بذات السمة، فقد كان رجاء محبوباً لانه في لطفه ودماثته تجاوز اسوار الموقع وبرودته وقساوته، لقد خالفه كثيرون في سياسته ولا بد من انهم قالوا فيها ما يدين وما لا يدين، لكن شيئا يتجاوز السياسة ويتجاوز الموقع كان يجعل في رجاء النقاش على الدوام شيئا من المثالي المتحمس الذي بدأ به شبابه.
أيا كانت مسالك رجاء النقاش فإن زهوته ومدار حضوره كانا في الناصرية، كان هنا مبدأه وتربيته وأفق حياته، تكون حول عبد الناصر جيل من مثقفي مصر الشبان آنذاك. إذا كانت الناصرية قد باتت اليوم بعيدة وفي التاريخ، فإنها حاضرة في تكوين هذا الجيل ولا تزال لدى أفراده الذين غدوا كهولاً او شيوخاً، المرجع الروحي، ولا يزال سجالهم الاساسي معها، تاريخ هؤلاء مع الناصرية وبقاؤها فيهم وسجالهم في ما بعد معها وحضورها السري في نتاجهم او معركتهم ومن اجلها احيانا، وتنقيحهم او تبريرهم لها في ما بعد. كل هذا هو المجال الذي بقيت فيه الناصرية اكثر ما بقيت. المباركية، اذا جاز التعبير، بعيدة عن الناصرية وزخمها، لكن نتاجات ناصريي مصر الاوائل لا تزال تتتابع في الرواية وفي الأدب وفي السياسة، ولا نزال نشعر بأن السيرة الناصرية لكل هؤلاء لا تزال محركاً اساسياً.
بوفاة رجاء النقاش نفهم ان هذا الجيل يرحل، ومع رحيل آخره ستكون خاتمة سفرائنا الى الغيبة الناصرية الصغرى وسندخل في غيبة أكبر وقد تكون بلا نهاية.
عباس بيضون
المصدر: السفير
إضافة تعليق جديد