حول مسابقة "حكايتي"

أُعلنت مساء أمس في مكتبة الأسد نتائجَ مسابقة "حكايتي" التي أقامتها مؤسسة "وثيقة وطن لتدوين التاريخ الشفوي" وكنت سعيداً بإلقاء كلمة لجنة التحكيم في ختام الحفل، وسعادتي نابعةٌ من أني كنت خائفا من ضياع روايات الحرب التي ستعطي السوريين الموعظة التي قد تجنبهم حروب المستقبل وتقنعهم بأن الثورة الحقيقية ـ بعدَما دجَّنت أمريكا الثورات ـ هي الثورة المعرفيّة التي تجري داخلَ رؤوسنا لاتحت أرجلنا؛ ولكن مبادرة المسابقة الفريدة من نوعها شجعت السوريين على الإدلاءِ برواياتهم، حيث شاركَ فيها 800 مواطن سوري قدموا حكايات كانوا أبطالها الحقيقيين.. وقدسألَنا بعضُ الإخوةِ المشاركين في المسابقة، عن المعايير التي اعتمَدَتْها لجنةُ التَّحكيم في اختيار الحكاياتِ الفائزةَ، فوجَبَ علينا أولاً التَّفريقُ بين مصطلحِ الحكايةِ، ومصطلح القصَّةِ القصيرة، من حيث أنَّ للقصةِ قواعدَ وشروطاً فنيةً متفقٌ، عليها بينما تعتمدُ الحكايةُ على سردِ الحدثِ وبراعةِ الرَّاوي، ذلك أنَّ الحكايةَ بسيطةٌ وواضحةٌ يفهمها كلُّ النَّاس بالمستوى نفسِه، بينما القصةُ، على الأغلب، غامضةٌ وملتبسةٌ، وهي إيحائيَّةٌ متعددةُ المعاني والدَّلالات أكثرَ منها تقريريَّة، وقد تكون متخيَّلَةً، بينما حكاياتُ مسابقة مؤسسة "وثيقة وطن" واقعية تقريرية تحكي عن حدثٍ يكتُبُهُ شاهدُ عِيانٍ لتُعْتَمَدَ كمادَّةٍ تاريخية، وفي ذلك نفعٌ كبيرٌ من حيثُ أنَّ التاريخَ سابقاً كانت كتابتُهُ وتدوينُهُ من عملِ السُّلُطاتِ السِّياسية، أما هنا مع "وثيقة وطن" فإنَّ الشَّعبَ هو من يكتُبُ تاريخَهُ ضمنَ ضوابطَ علميةٍ، لتأكيدِ مصداقيَّة الرِّواية.. وسيتمُّ اعتمادُ عددٍ كبيرٍ من الحكايات وإدراجُهُا إلى جانب تلك الفائزةِ في كتاب سنويٍّ تصدرُهُ المؤسسة.. ونظراً لما تقدَّمَ فإنَّ أعضاءَ لجنة التحكيم، قد اعتمدوا المنهج الذَّوقي في الاختيار، مع تساهلٍ في شروطِ القَصِّ، لأنَّ توثيق الحدث بغيتُنا أكثرَ من الكتابة الفنية، وقد ركَّزْنا على أهمية الحدث وأسلوبِ السَّرد، حتى ولو كان مكتوباً باللهجة العامية، حيثُ سيعملُ فريقُ مؤسَّستنا على سماعِ الرِّواياتِ الفائزةَ من أصحابها مع توسُّعٍ في التفاصيل، لكي تتحولَ الحكايةُ إلى وثيقةٍ تاريخيةٍ معتمَدَةٍ رسمياً... فنحنُ إذاً نبحثُ عن الحدث أكثرَ من رغبتنا في صناعة كُتَّابٍ، حدثٍ أنتم أبطالُهُ وضحاياه، وقد توافَقَتْ آراءُ أعضاءِ اللجنة على غالبيَّة الحكاياتِ الفائزة، دونما تنسيقٍ مسبقٍ بين بعضنا البعض، حيث فرضت قوَّةُ الحدث وبراعةُ الرَّاوي نفسَهَا علينا.. وقد وجدنا أن ما يوحِّدُ بين الحكايات هي أجواءُ الحربِ والألمِ المشتركِ والخوفِ، مع الحُلُمِ بالأمانِ والسَّلام، فالألمُ هو ما يُنْضِجُ التَّجربة، وكلَّما كان ألمُكَ كبيراً، كلما اتسعت زاويةُ رُّؤيتك ومعرفتك، غيرَ أنَّ الحكاية تنتهي بنهاية العذابِ والوصول إلى أرض السَّلام، حيث يرعاها أبطالُ جيشنا الأسطوري...
مبارك للفائزين... وللبقية ممن ترشَّحَتْ قصصُهُمْ للتَّدوين في كتاب مؤسسة "وثيقة وطن"...
كان معنا في لجنة التحكيم الأساتذة نهلة السُّوسو ووليد معماري بالإضافة إلى الجهد الكبير الذي قدمه طاقم العاملين وأمناء المؤسسة الكرام.
 
نبيل صالح