العقيق الأحمر للبنت.. واللازورد الأزرق للصبي!

محاولة البحث عن جذور العادات ومعانيها تعدّ عملية شائقة، خاصة عندما تظهر بعض الطقوس وكأنها غير مفهومة وغير مبررة أو معروفة الدوافع، لكن عبر النبش والبحث عن ارتباطاتها بالثقافات القديمة تظهر مجموعة ما نسميه «المثيولوجيا» والمفاهيم التي يتناقلها الناس ولا تفنى بفعل الزمن، فقد درج في جميع أنحاء العالم تقريباً تخصيص اللون الأزرق للولد واللون الأحمر الفاتح أو الزهري للبنت، حيث تعمل الأم على تحضير «الديارة» بناء على ما تكشفه صورة جهاز “الإيكو” التي تحمل للعائلة جنس المولود قبل الولادة بفترة، فإن كان الجنين ذكراً قامت الأم باعتماد اللون الأزرق في الملابس والشراشف والوسائد وغير ذلك، أما إذا أكدت الصورة أن الجنين المنتظر بنت من دون شك، فإن الخيار يذهب فوراً إلى اعتماد اللون الزهري في جميع ما يخص لباس المولودة الجديدة ..

بالعودة إلى لوح أثري محفوظ في معهد الدراسات الشرقية في جامعة شيكاغو يعود إلى عام (1700 – 1800) قبل الميلاد وقد نقش عليه باللغة الأكادية ما يلي: «المرأة الحامل مثل الوعاء الذي يحمل العقيق الأحمر أو اللازورد، إنها ممتلئة بالعقيق الأحمر أو اللازورد الأزرق .. ولكننا لا ندري إن كان الجنين في جوفها عقيقاً أم لازورداً»؟..

لنتخيل أن العقيق الأحمر أراد الإشارة به القدماء إلى الأنوثة، أما اللازورد الأزرق وتدرجاته فقصدوا به الذكورة.. فعلى الأرجح ترتبط عادة تخصيص المولود الذكر باللون الأزرق والمولدة البنت باللون الزهري بثقافات ما قبل الميلاد كما يكشف هذا اللوح المكتوب باللغة الأكادية ويظهر فيه هذا الطقس الذي تحول إلى عادة اعتمدتها معظم شعوب العالم، فمن المعروف أن السوريين القدماء صاغوا ملامح الحضارة البشرية عبر مكتشفاتهم المعرفية فسادت ثقافتهم حتى عصور طويلة وشملت أصقاعاً متباعدة من الأرض وكان من الطبيعي أن نعثر على تأثيرهم على مساحات ممتدة وداخل حضارات ولغات وطقوس شعوب تعدّ بعيدة جغرافياً عنهم.. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على أدوات التجميل التي برع فيها السوريون منذ عهود قديمة تعود إلى السومريين ثم توارثتها الشعوب وأضافت عليها كل ثقافة شيئاً من خصوصيتها..

عند البحث عن سبب تخصيص القدماء للذكور من المواليد باللون الأزرق وللإناث باللون الزهري أو الأحمر الفاتح، لن نستغرب هذا الأمر، فإن خبراء الألوان يتحدثون عن دلالات يحملها كل لون، فالأحمر الفاتح يعبّر عن الشغف والمشاعر القوية ويزرع في الإنسان طاقة تحفيزية عالية كما ينطوي على الأناقة والدفء والقوة، وجميعها صفات يمكن أن تكون نسبتها عالية عند الأنثى.. أما بالنسبة للون الأزرق المخصص للمولود الذكر، فعلى عكس ما يعتقد الناس فإن دلالاته ترتبط بالتنظيم والتفرد ولا يرتبط بالشهية إلى الطعام، بل يعبر عن الفردية وهي صفات ترتبط بالذكر أكثر من الأنثى.

لا يبدو هذا التحليل غريباً عن السوريين القدماء الذين كان لهم الفضل باكتشاف اللون الأرجواني وبرع فيه الفينيقيون على نحو خاص، وهو يستخرج من صدف «الموريكس».

 

 



تشرين