مشكلةُ الانتحار عند ألبير كامو

27-09-2021

مشكلةُ الانتحار عند ألبير كامو

"ما أجمل مِيتتي إذا جاءتني لأنني أطلبها". بهذه العبارة يستهل "نيتشه" رأيه في ظاهرة "الانتحار" أو ما يسميه هو "الموت في الوقت المناسب". الانتحار الذي يعتبر ظاهرة اجتماعية هدفها الفِرار من الواقع الأليم و عبثية الحياة التي تجعل من كل مافي الوجود لامعقولاً ، فيلجأ الإنسان للانتحار ظناً منه أن ذلك يخلِّصه من بؤسهِ و شقاءه ، وأنّه بإقدامه على هذا الفعل قد انتقم من ذلك العالم العبثي ، ولكن في الواقع - وكما يقول كامو - أنه انتقم من نفسه. فالحياة مستمرة به وبدونه .
هناك حجة يُدلي بها معظم من يُفكِّر بالإقدام على تلك الخطوة ، أنه لم يختار وجوده بإرادته ، فلِم لا يختار إنهاؤه والإجهاز عليه بنفسه وبملء إرادته ؟.
إذن نحن أمام هدفين يزعم المُقدِم على الانتحار أنه سيحققهما : أولهما : الهروب من عبثية الحياة. ثانيهما : إثبات الإرادة الحرة. ولكن يعتبر كامو أن الانتحار لا يُجدي نفعاً مهما كان في العالم من عبث وشقاء ، لأن الانتحار يعني الاستسلام و الهروب من المواجهة ، ومن يظن أن بانتحاره يُقدِّم خدمة لذاته ، فما ذلك إلا وهم و هلوسة ، وهو في الواقع يضحِّي بذاته ولن يتغير شيء ، وكما يقال : المنتحر يجعل من نفسه ( كبش الفداء ) لحياة مستمرة.
- لهذا السبب نقد كامو الفلاسفة الذين دَعوا إلى الانتحار الفلسفي أو كما يسميه "الوثبة الميتافيزيقية" التي تلغي دور العقل. وأول فيلسوف نقده كامو هو "كيركجرد" لأنه اختار أن يجعل العبث مجرد طريق إلى العالم الآخر الإلهي ، مضحياً بالعقل مقابل الدين ، و كأنه بهذه الوثبة يعلو على العبث الذي يريد كامو مواجهته بسيف الحياة نفسها وعدم الهروب منه. كما يوَّجه كامو نقده للفيلسوف "كارل يسبرز" لأنه يلجأ إلى الانتحار الفلسفي عندما يرى أن الوجود قائم في صميمه على فكرة الفشل والعجز عن إدراك الوجود.
- وتنبع أهمية نقد كامو لفكرة الانتحار أنه يسلط الضوء على الفشل الذي يُمنى به المنتحِر في تقديم حلول لمسألة العبث ، فهو لا يُقدِّم حلولاً ، وإنما يزيد المشكلات مشكلة ، ويضيف إلى الطين بِلَّة - كما يُقال -. فالانتحار هو فشل على فشل ، وبؤس على بؤس ، ومشكلة فوق مشكلة. كما يرى كامو أن عملية الانتحار فيها تغييب للعقل ، وانتقاصاً من دوره كواهب للحلول المجدية و المنطقية.
- إذن ، فكامو يرفض الانتحار الجسدي لأنه لا يحلّ العبث ، ولا يحقق للإنسان الغاية التي يصبو إليها بموته. فهو بمثابة حل بدائي أولي ، وهروب من العالم ، وربما يعود رفضه لتلك الفكرة أنها تقوم بإلغاء أحد عناصر التجربة العبثية : الوعي أو الذات ، ولكن العبث يُولَد من الوعي ، فإذن يجب إبقاء العبث. وهنا ينقلب التساؤل عن أفضلية العيش إذا لم يكن للحياة معنى ، إلى ما يقوله كامو : " كلما خلت الحياة من المعنى كانت أجدر بأن تُعاش ". ويقول أيضاً : "العيش هو إبقاء اللاجدوى على قيد الحياة ، وإبقاء اللاجدوى على قيد الحياة هو قبل أي شيء آخر : التأمل فيها".

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...