أمريكة المخادعة

د.نزار العاني
في جولات السباق بين الفكر العربي والسياسة العربية ، استطاع الفكر أن يسبق السياسة . والأمثلة لا تعد ولا تحصى ، وهو أمر طبيعي حتى في تاريخ العالم ، منذ العهد اليوناني إلى اليوم ، باستثناء أمريكا منذ تأسيسها ، السياسة فيها متقدمة على الفكر بأشواط ، وهذا سر هيمنة أمريكا على العالم ، وأمامكم الدليل اليوم في الانتخابات التي فاز بها جو بايدن ، وخسرها دونالد ترامب ، وإذا بالحريق السياسي يشتعل وتحتدم المواجهة بين الاثنين ، ولا حضور للفكر إطلاقا في هذه المعمعة !
الفكر لا يسمح للخديعة أن تمر ، على عكس السياسة في التاريخ ، لأن السياسة ما عدا القليل منها ، تقوم أساساً على الخديعة !
في بداية عمل ابراهام لينكولن في السياسة ، تقدم بترشيح نفسه لمنصب بسيط ومتواضع في بلدته ، ويحدث خلاف ويعاد الانتخاب إلى اليوم التالي ، وتحدد ساعة إعادة الانتخاب ، والصالة لا تتسع لكل ناخبي البلدة ، ويقرر أعظم رئيس جمهورية في تاريخ أمريكا أن يقوم بخدعة صغيرة ، وهي أن يأتي الناخبون الموالون لابراهام لينكولن قبل الساعة المحددة بثلاث أو أربع ساعات ويحتلون مقاعد الصالة ، وهكذا لن يجد المعارضون له مكانا للإدلاء بأصواتهم . وبهذه الخدعة التي ارتكبت منذ حوالي 150 سنة ، وضع ابراهام لينكولن قدمه على أول درجة لسلّم الوصول إلى الرئاسة . (الواقعة مذكورة في سيرة لينكولن لكاتب أمريكي ، والكتاب عندي ، وربما كان خصمه المخادع . نسيت ).
أمريكا " وطن الأكاذيب الكبيرة" ، والوصف ليس من عندي ، بل هو عنوان فصل من كتاب مايكل مور (أيها المتأنق : ماذا حل ببلادي) ص 61 . يرصد الكاتب أكاذيب لكثير من رؤساء أمريكا : ريغن ونيكسون وكلينتون وجورج بوش الإبن ، والكذب نوع من الخداع ، وهو وصف لصيق ودقيق لأمريكا .
خدعة "سرقة الانتخاب الرئاسي للعام 2004" .والوصف ليس من عندي ، بل هو عنوان فصل من كتاب غريغ بالاست (أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها) ص 81 . يرصد الكاتب ما حدث في فلوريدا وغيرها من ولايات ، ففي جورجيا صوت 5412 ميت خلال عشرين سنة . انتهى الاحتيال إلى فوز الجمهوري جورج بوش الإبن على جون كيري ، بمساعدة الخدع التي اقترفها حاكم ولاية فلوريدا جيب بوش ، وكاثرين هاريس أمينة سر الولاية ، وذلك بشطب أسماء ، وحرمان أعداد كبيرة من السود لهفوات في تعبئة الاستمارات ، وأخطاء في حروف الأسماء في التصويت الإلكتروني . إنها القصة نفسها مع تبديل المواقع .
ولا غرابة من هذه السرقة للانتخابات ، والسرقة ليست عيباً أخلاقياً عند هؤلاء، فقد سرقت أمريكة ذهب العراق وآثارها ، وبالابتزاز لتغطية عورة ارتكبها السعوديون ، سرق ترامب مئات المليارات ، وأمريكة تسرق نفط وقمح السوريين ، وعلى عينك يا تاجر !
وكان جورج بوش قد فاز في انتخابات عام 2000 على آل غور الذي كان يملك أدلة على التزوير والخداع ، وثارت زوبعة أشد من التي نتابعها الآن بين ترامب وبايدن ، وقيل يومها أن آل غور أدلى بتصريح مفاده ، أنه تلقى رصاصة في صدره نيابة عن أمريكة لإنقاذ النظام الديمقراطي ، وطوى الخلاف وأقر بالهزيمة .
الجمهوريون الذين زوروا في فلوريدا آنذاك يتقنون الخداع ومساربه ، وهم اليوم يشتكون من تزوير الديمقراطيين ، وكلا الأخوين ضرّاط ..... وأحدهما أضرط من أخيه !
وقصة الخداع في أمريكة لا تقف عند السياسة ، وهم يكذبون حتى بالطب والعلوم ، والحكايات كثيرة .
باعت شركة (سينتكس) التي يملكها أمريكي دواء (الثاليدومايد) لشركة (جروننتال) الألمانية ، وقد عملت مع هذه الشركة في مطلع شبابي ، وهي تعرف عيوب الدواء وخطورته على الحوامل . والذي حصل أن مئات المواليد ممن تناولت أمهاتهم الحوامل هذا الدواء ، ولدوا بتشوهات مريعة في الأطراف ، ودفع الألمان للضحايا مئات الملايين من الماركات كتعويض ، ولفلفت أمريكا الشركاتية - المصطلح لغريغ بالاست- القصة ، كي لا تتدهور سمعة أمريكة الطبية ، و(سينتكس) التي باعت ، خرجت من الفضيحة مثلما تخرج الشعرة من العجينة . بالكذب والخداع والتزوير والنصب والاحتيال . والمهم ملايين الدولارات التي سرقها الأمريكي ، وهو قانون البزنس المحترم .
منذ يومين ، كل العالم يطبل ويزمّر لهذا اللقاح الذي طورته شركة (فايزر) العملاقة ، والذي تصل فعاليته إلى 90% ، وحدث أن فايزر كذبت وخدعت وسوقت صمامات للقلب معطوبة ، وهي تعرف ذلك ، ومات 500 مريضا من أصل 800 استخدموا هذه الصمامات .
وإليكم التفصيلات : شركة (جورك شيلي) مملوكة من شركة فايزر ، وهي الصانعة للصمامات ،وكانت توصف بأنها " رولز رويس الصمامات " (كتاب أفضل ديمقراطية ص 238) ، وقد اكتشف البروفيسور فايكنغ جورك أن الصمامات معطوبة ، وتعاني من تشقق داخلها يؤدي إلى انفجار القلب ، وكتب للمديرين التنفيذيين في فايزر حول هذا الأمر فأسكتوه وهددوه . وباعت فايزر الصمامات المعطوبة في جميع أنحاء العالم . والتي كشفت الفضيحة السيدة ليفينسون ، ربة منزل من سينسيناتي ، زرع الجراحون الصمام الرولز رويس في قلبها عام 1981 ، وكانت تنتظر انفجار قلبها ، وكالعادة ، دفعت فايزر 200 مليون دولار عام 1994 للضحايا كغرامات جزائية مدنية ، ولم تستطع دائرة العدل جرجرة فايزر إلى المحكمة ، ولفلفت أمريكة الشركاتية فضيحة فايزر . والذي كذب وخدع وزور ودفع الرشاوي سابقا ، قد يكذب اليوم بشأن اللقاح الفعال 90% . المهم المصاري والمليارات ، وفرح بايدن وفرح ترامب لهذا الإنجاز ، والله أعلم يا أخوان هل هو لقاح أم نكاح ؟
مايكل مور ، كتب على غلاف كتابه (رجال بيض أغبياء) مايلي : "نحن نعيش في عالم زائف ، انتخبنا رئيساً زائفاً يقودنا لحرب ذات أسباب زائفة . عار عليك ... عار عليك يا سيد بوش " .
وأنا أكتب بالخط العريض مايلي : " عار عليكما السيد بايدن والسيد ترامب ، وعار على أمريكة المخادعة التي تقود العالم بالكذب والتآمر والدسائس والابتزاز والنصب والاحتيال ، ليس بيدها جزرة ، فقط عصا لمن عصى . تفو .... على هيك قيادة !