هل كان آدم عملاقا ؟

د. سامح عسكر: القصة بدأت من الكتاب المقدس حين قال بأن البشرية عمرها 8 آلاف عام،وبتفاسير المسلمين أن طول آدم أول البشر 60 ذراعا أي 30 مترا ثم ظل الخلق يتناقص طوله حتى وصل إلى وضعه الحالي..

السلفيون والشيوخ بحكم ظاهريتهم الفكرية قبلوا النصوص والتفاسير على ظاهرها وفشلوا في تجاوز معنى النص أو تأويله لصالح العلم، بينما في اليهودية والمسيحية وجدنا تأويلات مقبولة لعمر الأرض ومن بينها أن هذا العمر – 8 آلاف عام – لحساب عدد الأنساب المعروفة وليس لكل البشرية أو للأرض، وبالتالي وصل المعنى أن العمر يقيس تاريخ البشرية منذ اختراع الكتابة وبدء التدوين..وهذا أصبح مقبولا..

شيوخ المسلمين ورثوا هذه الصورة من العهد القديم ، وبالاستقراء من بقية العهد أن عمر الأرض لم يتجاوز آلاف السنين..ولا زالت هذه مخيلتهم التي يرفضون بها التطور، ويحاولون بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة إثبات أن آدم كان عملاقا..برغم أن ذلك غير مقبول علميا من ناحيتين:

الأولى: تاريخ العظام والأحافير يقول أن الإنسان يتضخم حجمه بمرور الزمن لا ينقص، أي أن أسلاف الإنسان المعاصر كانوا أقل في الحجم والطول منذ انتصاب قامته في عصر "الهومو إريكتوس Homo erectus" أي الإنسان المنتصب الذي عاش قبل 1،5 مليون عام، وبالتجربة يمكن مقارنة أحجام وأطوال المصريين القدماء – مثلا – في المتاحف بالأطوال والأحجام المعاصرة فقد كانوا أقل طولا وحجما..

الثاني: هذا الطول العظيم 30 مترا يستحيل تحقيقه في كائن منتصب القامة، إذ سيشكل ذلك ضغطا كبيرا على عظامه واتزانه وسيكون بحاجة لوزن ضخم جدا قد يبلغ مئات الأطنان لكي ينتصب ويمشي بشكل طبيعي، فضلا عن قدرة القشرة الأرضية على تحمل ذلك الوزن حيث من المؤكد أن علامات كبيرة وحُفرا ستحدث جراء الحركة، ولولا أن الديناصور العشبي – أضخم كائن وجد على الأرض – كان يمشي على أربع وله ذيل كبير يحفظ اتزانه ما استطاع الحركة، أي أن البشرية الأولى وفقا لهذه الصورة الخرافية عند الشيوخ يجب أن تمشي على أربع ويكون لها ذيلا طويلا يحفظ اتزانها لكي تمشي..!

الصورة القديمة للعالم كانت أن الأرض مركز الكون وهي مسطحة الشكل، هذا اختفى كليا مع كوبنيكوس وجاليليو ويوهانس كيبلر، وجاء القرن العشرين بالسفر عبر الفضاء ليثبت بشكل مؤكد قاطع أن الأرض مجرد (جرم سماوي) ضمن مجموعة شمسية ضمن مجرة درب التبانة ضمن مليارات المجرات الأخرى، وبالتالي فالأرض لا تشكل حبة رمل ضمن صحراء شاسعة جدا، وبما أن هذه الحقائق العلمية لم تكن ظهرت بعد فالإنسان القديم تعايش مع هذه الخرافة أن الأرض مركز الكون والشمس تدور حولها وعمر البشرية فقط آلاف السنين، وأن القطة خلقت من عطسة الأسد والفيل كان رجلا لوطيا فمسخه الله...إلخ

هذه كانت حدود معارف أجدادنا ولو كنا في زمنهم سنقول كما يقولون. نحن فقط محظوظين لأننا نعيش عصر العلم ونعذر أجدادنا فيما جهلوه دون تطاول أو إهانة، لكن أن يأتي شيخا ويريد أن يفرض هذه الخرافات علينا ويجبرنا على الاقتناع بما قاله أسلافه – محدودي العلم – وقتها يجب الانتفاض ليس فقط لأنه كذبا وتزييفا علميا، بل هو إهانة لذكاء طلاب المدارس

فالطفل بالابتدائية صار يعرف أكثر من ابن تيمية وابن حنبل، ويدرس في المدرسة أشياء لم يكن يحلم بها الشافعي، ولو كنت على زمان البخاري وقلت لهم أن الإنسان سيصعد إلى الفضاء ويصل المريخ سيتهموك بالجنون، لأن القمر وقتها لم يكن مجرد جرم سماوي انفصل عن الأرض قبل 3 مليار عام، ولكن (طبق مهلبية) وزينة وضعها الله إلينا لتزيين السماء وإنارة الأرض في الظلام...