الرواقية المستعادة

مشير باسيل عون:

قلما اجتاز مذهب من المذاهب الفلسفية كالرواقية (stoïcisme) حقبات التاريخ، وظل على حيويته وإلهاميته وسحره الجذاب. استطاعت مدرسة الحكمة الأخلاقية الجليلة هذه أن تزدهر في أول نشأتها في القرن الثالث قبل الميلاد. وتمكنت من الصمود في ظل انتشار المسيحية في الإمبراطورية الرومانية، حتى إن بعض الباحثين يعاينون في رسائل بولس الرسول أثراً جلياً للأخلاقية المسلكية الرواقية. كانت الرواقية، قبل ذلك، قد أثرت في كتابات اليهودية المتأخرة، فظهرت آثارها في سفر الحكمة (الكتاب المقدس، العهد القديم) وفي أعمال فيلون الإسكندري (حوالى 20 ق. م – 45 ب. م). وما لبثت أن استعادت بعضاً من ألقها في عصر النهضة، فدعاها بعضهم بالرواقية المحدثة. أما في الأزمنة المعاصرة، فحظيت باعتناء بارز في أعمال كوكبة من الفلاسفة من أمثال بيار أدو (Pierre Hadot)، وميشال أونفري، وميشال فوكو، ومارتا نوسباوم (Martha Nussbaum)، وجوليا أناس (Julia Annas)، وأندره كونت-سبونڤيل، وسواهم.


من الثابت أن المدرسة الرواقية الإغريقية التي أسسها زينون الكيتيوني (حوالى 334 – حوالى 262 ق. م) في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد أقفلت أبوابها مع آخر الرواقيين الإمبراطور ماركوس أورليوس (121-180)، صاحب التحفة البديعة "خواطر مهداة لي". 

غير أن الرواقيين كثر في تاريخ الفلسفة، من أبرزهم الفيلسوف الإغريقي سمبليسيوس (Simplicius)، آخر الأفلاطونيين المحدثين في القرن السادس الميلادي، والقديس إغناطيوس دلوايولا، والمفكر الإنسي البلجيكي جووست ليبس (Joost Lipse)، صاحب نظرية الرواقية المسيحية، والأسقف والمفكر السياسي والأخلاقي غيوم دڤر (Guillaume du Vair)، والفلاسفة الفرنسيون مونتنيه (Montaigne) ودكارت وسبينوزا، وغيرهم من الفلاسفة الذين تخلقوا بأخلاق الرواقية من غير أن يتنكروا لمذهبهم الفلسفي الخاص.

في الأزمنة المعاصرة، استثار كتاب الفيلسوف الأميركي لورنس بكر (Lawrence C. Becker) "الرواقية المحدثة" (1998) موجةً عارمةً من الإقبال الكثيف على كتابات الرواقيين الإغريق، وفي اعتقاده أن الفلسفة الأخلاقية تمنح الإنسان التصور الأخلاقي الأنسب الذي يهيئه لاستثمار مكتسبات العلوم الوضعية والنفسية في إحياء كيانه الداخلي وإنعاش وجدانه. وما عتمت الموجة أن استنهضت همم أهل الفكر في الغرب، فالتأمت في عام 2012 مجموعة من الباحثين الأنغلوساكسونيين في منتدى فكري وجودي عرف بالرواقية الحديثة (Mondern Stoïcism)، ينظرون في فائدة الرواقية الشفائية النفسية، منشئين موقعاً إلكترونياً (Stoicism Today) وحدثاً سنوياً (Stoic Week). في الفضاء الفرنسي، تكوكبت مجموعة من الباحثين في جمعية فلسفية اسمها ستوا غاليكا (Stoa Gallica) تتصور الرواقية فلسفة حياتية تواكب الإنسان في تدبر معنى وجوده، وتمهد له سبيل الفوز بالسلام الداخلي والهناء الكياني.

على غرار الفلسفات الحياتية الوجودية التي تخاطب الإنسان في معترك نضاله اليومي، عرفت الرواقية سبيلها إلى الرواية الأدبية أيضاً. فإذا بالروائي الأميركي الشاب رايان هوليداي (Ryan Holiday)، صاحب الرواية الذائعة الصيت "ثق بي، فإني أكذب" (Trust Me. I’m Lying)، ينسج قصتين بليغتين يتناول فيهما تعاليم هذه الفلسفة، عنوان الأولى "العقبة هي السبيل" (The Obstacle Is the Way)، وعنوان الثانية "الأنا هي العدو" (Ego Is the Enemy).

جاذبية الحكمة الرواقية

تعلن الفلسفة الرواقية أن الإنسان، إذا أراد أن يفوز بالسلام الداخلي ويكتسب حكمة الحياة السليمة، ينبغي له أن يلجم أهواءه، ويناصر عقله، ويختار الحياة اختيار الإرادة المستنيرة عوضاً عن أن تختاره الحياة على كره منه، ويحيا في روحية التكيف الفطن، ويموت في غير خوف وارتعاد، ويؤثر بناء الكينونة العميقة فيه وفي الكائنات التي تحيط به على الاستماتة المخزية في الاستملاك والإثراء المادي البحت، وينشط إرادته في ضبط الوقائع والأمور والأحداث التي تتعلق به وبقدراته الذاتية، ويعرض عن معاندة الأحوال ومجابهة الاضطرارات القهرية التي تخرج عن نطاق مشيئته وحدود إمكاناته.


تميز الفلسفة الرواقية ثلاثة حقول من المعارف: الفيزياء والمنطق والأخلاقيات. غير أنها تعتمد مبدأ الاتصالية بين حقول المعرفة كلها. فلا تفصل بينها فصلاً قاطعاً. مستندها في ذلك أن الكون كائن حي، فريد، منسجم، منتظم، يأبى الفراغ. أما ما يضمن وحدة الكون وتناغمه، فإنه العنصر الإلهي، أي الروح أو النفس (pneuma) غير المنظور الذي ينغل في الكائنات كلها، ويجعلها على انتظام في القوام وانسجام في التنسيق. إذا كان أفلاطون يرسم أن الأرض موطن الفوضى، فإن الرواقيين الذين يترصدون أحوال الطبيعة والبيئة والطقس يذهبون مذهباً مخالفاً، فيفترضون نظاماً ضابطاً تؤيده الملاءمات المدهشة الناشطة بين ظواهر الكون. بما أن كل فعل يستلزم فاعلاً ومنفعلاً، فإن العنصر الإلهي، وهو الفاعل الأسمى، لا يمكنه إلا أن يكون منغلاً في المادة، كامناً فيها، لصيقاً بها ومحايثاً لها، ملازماً إياها، حتى يتسنى له أن يفعل فعله التدبيري في الطبيعة والكائنات.


الوعي المنحرف أصل الشقاء الإنساني


بناءً على هيئة الكون هذه، يعتقد الرواقيون أن للإنسان قدرةً عظيمةً على الانعتاق من التصورات التي تستوطن وعيه. بفضل ملكة التصديق (sunkatathesis)، يستطيع الإنسان أن يرفض الانطباعات التي ترتسم في وجدانه من جراء أثر الأحداث الخارجية. لذلك يتصرف الحكيم تصرف الإنسان الذي تحرر من تصوراته الخطأ، فبلغ مرتبة السيطرة الذاتية على أهوائه وميوله ورغباته وتصوراته وأفكاره. لا الألم، ولا المآسي، ولا الأحزان تقلقه وتقض مضجعه. ولا الثروات، ولا الكنوز، ولا الامتلاكات تخدعه وتبهج أيامه. كل ما هو قائم خارج الإنسان مطبوع بطابع الحياد، لا تصح عليه صفات الحسن أو السوء.

لا بد، والحال هذه، من أن يتذكر الناس أن ما يتعلق بالإنسان إنما هي التصورات التي ينسجها في ذهنه، في حين أن ما لا يتعلق بالإنسان يرجع جله إلى الوقائع الخارجية. ذلك بأن كل امرئ قادر على ضبط التصورات والأفكار والتخيلات والتوهمات التي يبنيها في وعيه الذاتي. ولكنه يعجز عن تغيير الحقائق الوجودية، كالمرض والاعتلال والموت والضغينة وتنابذ الطباع وشرور المسلك، وعن استبدال الأحداث الخارجية، كالكوارث والجوائح والاختلالات البيئية والاضطرابات الفلكية وما شابه. لا يملك الإنسان، على سبيل المثال، أن يقهر الموت، ولكنه يستطيع أن يبدل تصوره الذاتي وفكرته الخاصة في الموت.

الجبرية الرواقية الحكيمة

وعليه، يجب على الإنسان أن يرعى حريته رعاية سليمة حتى تقوده إلى معاينة النظام العقلاني الانسجامي الكوني. فالنفس الإنسانية متحدة اتحاداً بالروح الإلهي الذي يستوطن الكائنات في عمق وجودها. كلما أقر الإنسان بالنظام الإلهي المبثوث في تضاعيف الزمان، استطاع أن يقبل برحابة صدر معاكسات الدهر ومباغتات الزمان. ذلك بأن الكون هو في صميم بنيانه موطن الخير والصلاح والجمال، لا يصيبنا منه أي مكروه إلا ذاك الذي نتوهمه بالمخيلة (fantasia) الوهاجة التي تفتعل فينا أفدح الأضرار. 


معنى ذلك أن الحكمة الإلهية (اللوغوس) تسير الكون نحو القدر (fatum) المرسوم في عمق بنيانه. يشبه الرواقيون المصير بعربة تسير كلباً ذكياً يستطيع إما أن يجاري حركة العربة، وإما أن يخالفها. ينبغي لكل إنسان أن يرضى بهذا المصير الكوني الذي هو جزء فاعل منه، شرط ألا يخضع للتصورات الخطأ التي تزينها له مخيلته المتفلتة. فالسعادة والحزن في الذهن، لا في الواقع. أما قدرة الإنسان، فخاضعة لأحكام هذا المصير. ما من حرية تستطيع أن تبدل في مصير الكون، لا بل قوام الحرية أن يقنع الإنسان بقسمة الزمان وحكمة الدهر. لذلك وصف هيغل النفس الرواقية بالبهاء الذي ينطوي على ذاته.


لا عجب، والحال هذه، أن يرشق الناس الفلسفة الرواقية بالجبرية والخنوعية والعبثية. غير أن الرواقيين انبروا يدافعون عن حكمة مذهبهم. فأبانوا أن الدهر لا يظلم الإنسان الذي يثق بصلاح النظام الكوني في أرحب معطياته وأعمق حقائقه. من أصول الحكمة الرواقية أن يتزهد الإنسان ويتقشف ويتجرد من نوافل التخيلات المؤذية التي تلتهم وعيه. ومع أن الحكيم الرواقي ينشد الزهد الوجودي، غير أنه لا يستنكف من العمل المفيد في المدينة الإنسانية. فإذا به يعتصم بالفضيلة ينثرها في أرجاء المجتمع فعل خير ومحبة وصلاح. في كتاب "ثبات الحكيم" يحرض الفيلسوف الروماني الرواقي سنكا (توفي عام 65) على انتباذ الكسل والفتور، والانتساب الناشط إلى المجتمع حتى لا يقع الإنسان فريسة الأوهام الانعزالية التي تفقده الاتزان والحصافة والهدوء الداخلي. ذلك بأن الإعراض عن شؤون الناس علامة ضعف وسمة جبن، تفصح عن رغبة ملتوية في الهروب المرضي إلى الأمام الوهمي.في إثر دورات من الحياة شتى، يضطرم الكون اشتعالاً ليعود إلى طبيعته الأصلية، إلى النار الخلاقة التي تعيد تكوينه في هيئة أخرى ودورة جديدة. الحقيقة أن الرواقية لا تعترف إلا بالكائن المادي، ولكنها تختبر أربعة أصناف من الكيانات غير الجسمية: المكان، والزمان، والفراغ المنبسط خارج الكون، والكلام القابل العبارة (lekton, le dicible). في الكلام وجهان: الصوت الملفوظ الذي يمتطي الهواء ليبلغ التصور، والدال الذي ينطوي على المعنى. بيد أن البنية التعبيرية الأساسية تتألف من ذات وفعل، على نحو "أفلاطون يعلم"، بخلاف البنية الأرسطية المكونة من الحامل (الذات) والمحمول (الصفة)، على مثال "أفلاطون مائت". يدل التميُز اللغوي هذا على فلسفة الحركة الرواقية التي تخالف فلسفة الجوهر الأرسطية. فالحياة في الحركة، لا في الجوهر.

راهنية الفلسفة الرواقية في علوم النفس المعاصرة

في النفس الإنسانية ميول وأهواء ورغبات طبيعية. إلا أن الصلات الاجتماعية تحرفها عن طبيعتها، فتجعلها مصدراً للاضطراب الداخلي. إنها الانفعالات التي تصيب النفس من غير أن تحصل على مؤازرة العقل. فالانفعال عقل لا عقلاني، بحسب تعريف الرواقيين، أي حكم يجردنا من قدرتنا على السيطرة الواعية على ذاتنا. فالعادات والأعراف ومناهج التربية غالباً ما تقنعنا بأن الألم شر في ذاته. ولكن الرواقي الحكيم يعتقد أن الشعور بالألم الجسدي غير اختبار المشقة المعنوية الأدبية. ومن ثم، فإن الانفعالات لا تخالف العقل في طبيعتها، بل في انحرافها عن مقتضياته. ليست الانفعالات سيئة بسبب من مخالفتها الطبيعة العقلية، بل سوؤها ناجم عن ضلالها العقلي. فالعقل عينه انفعال حميد، مستقيم المسلك، سليم المقاصد.في كتاب "علم النفس الرواقي"، يؤكد ميكائيل بيشة (Michaël Pichat) أن التحريات النفسية التي أنجزها الرواقيون، لا سيما تلك التي أوجزها الفيلسوف الإغريقي الرواقي إبيكتيتوس (توفي عام 135) في اختبار الاضطراب الناجم عن التصورات الذهنية، لا عن الأشياء في حقيقتها، إنما هي استقصاءات موضوعية أسهمت في تعزيز علوم الشفاء المعرفي والمصاحبة النفسية. في كتاب "المحادثات"، يتحرى إبيكتيتوس عن أصل الاضطراب النفسي في ولادة التصورات الذهنية: "إننا لا ننطبع انطباعاً بالأغراض الحسية التي نصادفها فحسب، ولكننا أيضاً نحتفظ ببعض الأمور ونعزل بعضها الآخر، ونضيف ونختلق أموراً من عندنا، فننتقل من أمور إلى أخرى تلازمها ملازمةً". معنى هذا القول أن الإنسان صاحب مأساته الأول، يرتطم بوقائع الحياة، فيعريها من حقيقتها، ويخلع عليها من القدرات والمعاني والدلالات ما يجعله يضطرب اضطراباً عظيماً لشدة وقع هذه التصورات في فؤاده. والحال أن الحكيم الذي يرضى بنظام الكون، ويقتنع بحدود الوجود، ويقبل أحكام الحياة، لا يملك إلا أن يفوز بهدوء النفس، وسكينة الوجدان، وطمأنينة الضمير. ذلك بأن الوجود طور من أطوار الكون الفسيح، يحث الإنسان على الانضواء إلى نظامه الحكيم. ومن ثم، ينبغي لنا أن نضاعف من يقظتنا لكي ندرك معنى الأحداث والطوارئ، ونحبس انتباهنا لنتقصى مقاصدها الخفية، ونجلو ذهننا لكي نتبصر في مغزاها المستتر. ذلك كله في غير اضطراب، ولا تعنت، ولا تعسف، ولا اكتئاب.