الموتُ حيّاً

22-04-2023

الموتُ حيّاً

الجمل _ عماد عبيد:

(لا تخفْ من الموتِ، بل من الحياةِ الناقصةِ) عبارةً حارقةٌ قالها صاحب دائرة الطباشير القوقازية، المسرحي الألماني الشهير (برتولد بريخت 1898-1956) ، قالها وهو المعايش لويلات حربين عالميتين كانت بلاده فيها في مرجل النار الضارية، يومَ توحشَ الإنسان حتى بلغ ذروة البهيمية، ومع ذلك بقي بريخت ينهمر مسرحا وشعرا وأدبا جمّا، وجلَّ خوفه من نصف الحياة، إذ اعتبر أن رحلة الانسان من صرخة النور إلى هجعة العتمة حياة ملئ الفم، عليه أن يعيشها مكتظة بالعطاء والفرح والحضور الوجودي المتوهج، لذلك خشي على الذين لم يكملوا حيواتهم فترجلوا في المنتصف، والمنتصف هنا ليس العمر الفيزيائي الزمني، بل منتصف الوجود الإنساني (نصف الحضور ونصف العطاء ونصف السعادة ونصف الانجاز ....) 

أين نحن منك يا بريخت، لم نعش هذا المنتصف وما لمسنا نعومة جسده بعد، وربما لم نهتد إلى أطلال درب الحياة برمتها بعد، فنحن مجرد طحالب تنمو على ضفاف الزمن، نلعق الدم النازف من جراحاتنا، ونضحك ضحكة البلية الشريرة، وما زلنا نراهن على ثعالب النور ورماد الحرائق.

ليتك تداهمنا بزيارةٍ خفية، لترى أي حال آل إليه المآل، كيف تضعنا وصرنا عصفا مأكولا لحماقات الأمم العظمى وشذاذ الآفاق، لمصير صيّره جلاوزة السلطان وعهر الساسة وزنادقة الدين وبيادق هذي الصحراء محض رغاء، نكابد هذه الحياة كغرقى فقدوا الأمل بعناق اليابسة، نستصرخ الموت ألا يتلكأ في مسعاه، فالجباه الصافيات تفضح الخيانات، والذين مازالوا يضحكون لم يسمعوا بوشيش القافلة.

 هنا في بلادنا المديدة الضياء نجرش الزمن بالرحى الخشنة، لم نعد نصدق العصافير والفراشات، نستقبل الصباحات بالمعوذات، ونودع الهزيع بالنوم الرجيم، نعلم أن وراء كل ابتسامة أرواح تتداعى، وخلف كل هدوء عجاج سديمي، لا نثق بالآتي، وقرأنا سورة العاديات على ركام سوالف الأيام. 

Image

في بلادنا المعصومة عن زلل الابتهاج وخطيئة السعادة وكوارث العدالة، صادقنا الهلع وفرشنا له سرير الاشتياق، ألفنا الحرمان وأدمنا الوجع، أما الذّل فكافأناه بعنجهية الصلابة وبسالة التحدي، وشرّعنا له مواثيق التبرير كما دمحنا له غطرسته.

في بلادي يا سيد بريخت جيل ولد وكله اعتقاد أن الموت اليومي نشيد الصباح، وأن السرقة مهنة ينظمها القانون، والكذب أدب مجازي يمارس فن الانزياح، وأن الجوع طقسٌ جوي، والعتمة ترف للبسطاء الرومانسيين، وأن

العذاب سيران شهي في مناكب الأرض السّادية الطباع. 

ثمة قلوب مازالت تقطف الريح، وتخمّر في عيونها ماء ثمل، تتذكر مناقب الفرح البري، وتترك قطيع غزالاتها يرعى الكلأ الداشر في مرابع الحلم، طوبى لها، أهي تلعب على حبل الجسارة، أم أعلنت القطيعة مع أرصفة الجوع وحواري اللهاث،نصف حياة يا لها من حياة، كم نتمنى أن نعشها، أن نبلغ أولى درجات سلمها، فقد ارتطمت طموحاتنا بالسقوف الواطئة، وأضحى جل همنا ألا نموتَ أجنةً أو خدّجا، أو بلهاء.

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...