النقد الثقافي وتحولات الخطاب النقدي (مقاربة سياقيَّة مفهوميَّة)

14-09-2023

النقد الثقافي وتحولات الخطاب النقدي (مقاربة سياقيَّة مفهوميَّة)

عبد الرحمن نعسان:

يتساءل (جوناثان كولر) عما يحدث في الحقل النقدي حين يلحظ المرء ذلك التحول الكبير في النظرية النقدية، إذ يجد أساتذة الأدب ينصرفون عن دراسة ملتون إلى دراسة مادونا، وعن دراسة شكسبير إلى دراسة الدراما التلفزيونية، ويرى البروفيسور الفرنسي يكتب عن السجائر، وزميله الأمريكي يكتب عن السمنة ... إلخ. إن ما يحدث اليوم هو الدراسات الثقافية! هذا ما انتهى إليه (جوناثان كولر) في كتابه النظرية الأدبية (1). ولعل ما انتهى إليه (جوناثان كولر) يثير تساؤلات عدّة في ذهن القارئ: أولاها ما الأسباب التي دفعت دراسي النقد إلى هذا التحول الكبير في الاشتغال النقدي؟ وما هي علاقة النقد الأدبي (الأكاديمي) بالدراسات الثقافية؟ وهل يشهد النقد الأدبي اليوم أزمة حقيقية آلت به إلى هذا التحول الكبير؟
إنَّنا نعيش اليوم عصراً استثنائياً هذا العصر الذي يمكن أن نطلق عليه بـ (عصر الصورة) حيث شهدت فيه الثقافات البشرية أكبر تحول معرفي وثقافي تحولت معه نُظم المعرفة وآليات إنتاجها، مما فرض تحديات ثقافية كبرى. وضمن هذا السياق من التحولات الكبرى يمكن لنا أن نعي حجم التحول في الخطاب النقدي، إذ برز النقد الثقافي (الدراسات الثقافية) بوصفه تعبيراً (سوسيو-معرفي) عن تطورات حضارية وتقنية يشهدها العالم المعاصر، هذا ما يؤكده (أرثر أيزابرجر) إذ يقول "لما كان عصرنا يعتمد على الصورة التي تنتجها التكنولوجيا المتقدمة لعرضها في التليفزيون أو السينما أو الإعلان، فهو بذلك عصر النص المرئي لا النص المقروء الذي يحتاج ولا شك إلى آلية نقدية تختلف عن المناهج الأدبية والجمالية"(2). واضح من نص السابق تجاوز النقد الثقافي للنص بمعناه التقليدي للاتجاه نحو نصوص جديدة ينتجها عصر الاتصالات والمعلومات، ولكن يبقى التساؤل ما هي الآلية النقدية الجديدة التي يشير إليها (برجر) في نصه السابق؟ ولماذا هي تختلف عن المناهج الأدبية والجمالية؟ وهل هذا الاختلاف هو في حدود الاشتغال النقدي وموضوعاته اتساعاً أو ضيقاً؟ أم أننا أمام تحولٍ أكثر جذريةً يرتبط بطبيعة الخطاب النقدي ووظيفته وآليات اشتغاله؟
حقيقة لا يمكن الإجابة عن تلك التساؤلات المحورية بمعزلٍ عن سياقاتها الاجتماعية والثقافية، فعصر المعلومات الذي نعيشه قد فرض من التحولات بقدر ما وضعنا أمام تحديات، إذ إن التطورات التكنولوجية التي صاحبت التقدم العلمي أو ترتبت عليه فرضت نمط إنتاجياً رأسمالياً أكثر احتكاراً وتوحشاً أدى في نهاية الأمر إلى سيطرة الطبقات ذات السلطة أو القوة أو الهيمنة على آليات التكنولوجيا بعد أن تحولت التكنولوجيا إلى رأسمال جديد، فأصبح من يمتلك الثروة هومن يتحكم في وسائل تحقيق الثروة، ومن أهم هذه الوسائل هي آليات التكنولوجيا ووسائل الإعلام ومن هذا المنطلق يقول (أدورنو): "إن منطق التكنولوجي هو منطق الهيمنة ذاتها ... منطق حوّل صناعة الثقافة إلى مجرد إنتاج جماعي موحد المقاييس "(3).

 

وضمن هذه التحولات الاجتماعية والاقتصادية برزت تحولات نوعية من داخل الخطاب النقدي لكي يكون النقد قادراً على استيعاب تحديات العصر ومستجداته، يصف (فنست ليتش) واقع الحركة النقدية المعاصرة، إذ يقول "لقد اتفق النقاد اليساريون عامة على اختلافاتهم المهنية والسياسية على عدم كفاية مؤسسة الدراسات الأدبية الأكاديمية والحاجة إلى التغيير. فقد ساد إجماع من الستينيات وإلى الثمانينيات بين نقاد الأدب اليساريين على ضرورة توسيع نطاق البحث النقدي وضرورة توسيع مفهوم الأدب ... وقد دعت كل هذه الاتجاهات إلى ربط السياسة بالنقد وإعادة تعريف الأدب "(4). يمكن لنا أن نستخلص قضايا عدّة من النص السابق:
- أولاً ارتباط الحركة النقدية المعاصرة بالتيار اليساري وتحديداً بالأطروحات الماركسية الجديدة على يد (ريموند وليامز) و(فريدرك جيمسون).
- ثانياً مساءلة الخطاب النقدي والمؤسسة الأكاديمية والدعوة إلى إحداث نقلة في الخطاب النقدي وذلك بتوسيع نطاق البحث النقدي بحيث يتجاوز الخطاب النقدي الأطروحات النصوصية الجمالية بربط النص بسياقاته السياسية.
- ثالثاً توسيع مفهوم الأدب ليشمل فئات مهمشة مثل أدب الطبقة العاملة والنصوص النسائية والأدب الشعبي.
وقد شكَّل التيار اليساري المعاصر بتوجهاته المختلفة نظريات نقدية متعددة، وهي تشمل التاريخية الجديدة والنقد الثقافي وكل من الدراسات الثقافية والدراسات ما بعد الكولونيالية والنسوية ودراسات الجنوسة، وهي "مشروعات نقدية متنوعة تستخدم أدوات النقد في مجالات أعمق وأعرض من مجرد الأدبية، مجال ما وراء الأدبية"(5). وهي من جهة أخرى تعبر عن محدودية النظرة الجمالية وتنطلق من هاجس أساسي، وهو مواجهة آليات الهيمنة والتنميط وكل أشكال الإخضاع، وبهذه الطريقة أتاحت تلك التيارات الفرصة لتجاوز الحدود النصوصية وتقويض مبدأ اللاتداخل الذي كان يحظر على دراسي الإنسانيات مساءلة السياسة والسلطة وكل ماله تأثير عميق في حياة الناس العملية. وضمن هذا السياق يؤكد (جون فيسك) أن مصطلح الدراسات الثقافية الذي ينطوي تحته العديد من الممارسات النقدية هو مصطلح سياسي بالدرجة الأولى، والسياسة التي يرتبط بها تعبر عن موقف اليسار العالمي في رفضه للتحولات الثقافية التي واكبت سيطرة اقتصاد السوق وقيم الاستهلاك على الثقافة الشعبية (6).
وما يذهب إليه (جون فيسك) يؤكده (سايمون ديورنغ) إذ يرى أن الدراسات الثقافية غير حيادية في توجهاتها وهي لا تدعي الموضوعية العلمية، فهي ملتزمة بمعنى أنها تتخذ موقفاً سياسياً ونقدياً بخصوص ما تلاحظه من مظالم وأضرار خاصة تجاه الضعفاء والمهمشين وهي ملتزمة من حيث إنها تعزز التجارب الثقافية وتحتفي بها من خلال تحليل دعائمها الاجتماعية وكذلك من خلال عدها للثقافة جزءاً من الحياة اليومية باختصار الالتزام هنا يعني محاولة الانغماس في العالم وقضاياه (7).
مفهوميَّة النقد الثقافي:
لقد أثار النقد الثقافي تساؤلات واسعة في مجال الدراسات النقدية، وذلك لما أحدثه من انقلاب مفهومي (وظيفي) في الدلالة النقدية، فقد عمل على بناء تصور منهجي جديد تمثل بالاهتمام بالأنساق والنظم الثقافية المضمرة واللاواعية في الخطت الثقافية الأدبية. فالنص هنا ليس بنيةً جمالية فنية وحسب، بل هوذو طابع رمزي يحمل دلالات ثقافية وسياسية واجتماعية وإيديولوجية، وينبغي على الناقد تفكيكها وتأويلها في سياقها المرجعي (8).
ولعل أول ما يوجهنا في تعريفنا لمصطلح النقد الثقافي (Cultural criticism) هو تمييزه عن كل من مصطلحي الدراسات الثقافية ((Cultural studies من جهة، ونقد الثقافة (Criticism of culture) من جهة أخرى. فمصطلح نقد الثقافة هو مصطلح عام يشير إلى مختلف الأبحاث التي كُتبت في إطار التحليل والدرس الثقافي من ذلك الأبحاث التي عرضت لقضايا الفكر والمجتمع والثقافة عامة التي لا يجمعها سوى موضوع (الثقافة) بدلالته الواسعة. أما مصطلح (الدراسات الثقافية) فهو يرتبط بمصطلح النقد الثقافي لدرجة أن بعض الباحثين يرى أنهما مصطلحان مترادفان، وهذا يرتبط إلى حد كبير بنشأة النقد الثقافي الذي يُعدُّ أحد التطورات التي شهدتها الدراسات الثقافية بانتقالها إلى النظريات (ما بعد البنيوية).

 

فإذا ما أردنا أن نعود إلى بداية تأسيس الدراسات الثقافية فهي تعود إلى ستينيات القرن العشرين تحديداً عام (1964) بتأسيس مركز (برمنجهام للدراسات الثقافية المعاصرة) في بريطانيا على يد (ريتشارد هوغارت) و(ريموند ويليامز)، وقد ارتبط بقضايا الطبقة العاملة في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ثم شهد تطورات وتحولات عديدة بدأت بالنزعة الثقافية في عقد الستينيات التي تم فيها الربط الوثيق بين الثقافة والمجتمع واستندت أساساً على النظرية الماركسية ثم انتقلت بعد ذلك إلى مرحلة البنيوية التي سادت وجمعت بين الماركسية- البنيوية أوالبنيوية الماركسية ولاسيما أفكار (ليو ألتوسير) و(أنطونيو غرامشي) وغيرهما، ثم انتقلت إلى مرحلة ما بعد البنيوية والمادية الثقافية اللتين سادتا الدرس الثقافي والنقد الثقافي منذ عقد الثمانينيات وفي هذه المرحلة بالتحديد ظهر مصطلح النقد الثقافي(9). لذلك يعد الظهور الفعلي والحقيقي للنقد الثقافي في (ثمانيات القرن العشرين) ولاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية مع ظهور مجلة (النقد الثقافي) التي كانت تصدر في جامعة (مينيسوتا) في شتى مجالات الثقافية. وبعد ذلك بدأ النقد الثقافي يدرَّس في معظم جامعات الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تعتني بالعلوم الإنسانية (10). بيد أنَّ مصطلح النقد الثقافي (Cultural criticism) لم يتبلور منهجياً إلا مع الناقد الأمريكي (فنست ليتش)، في كتابه الذي أصدر سنة (1992) (النقد الثقافي: نظرية الأدب لـ (ما بعد البنيوية)*( )، والمعروف عن (ليتش) شأنه شأن كوكبة من النقاد الأنجلو ساكسونيين الذين يدمجون بين فروع العلوم الإنسانية في تحليلاتهم فقد قام في هذا الكتاب وغيره من قبل بعرض جدلي لمختلف اتجاهات الفكر الغربي المعاصر في المجالات النقدية والفلسفية والمنهجية(11). وبذلك نشأ الاهتمام بالنص الأدبي بوصفه خطاباً محكوماً بأنساق ذهنية وشفرات ثقافية، وهذا ليس تغييراً في مادة البحث فحسب ولكنه أيضاً تغييرٌ في منهج التحليل، فالنقد الثقافي كما يؤكد (ليتش) "لا يتطلب التحليل النصوصي وحده وإنما كذلك البحث في الأسس الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمؤسسية والتاريخية للإنتاج والتوزيع والاستهلاك الثقافي". وبذلك أصبح النص الأدبي ظاهرة ثقافية مفتوحة للتحليل من وجهات نظر عديدة وهذا يرتبط بطبيعة الثقافة، فالثقافة كما يعرفها ليتش "دينامية (نشطة وحية) ومتعددة الأوجه يدخل فيها الاقتصاد والتنظيم الاجتماعي ... والممارسات النقدية والأبنية السياسية وأنظمة التقييم"(12).
ويحدد (ليتش) معالم النقد الثقافي الذي يدعو إليه، فيذكر ثلاث خصائص أساسية، هي:
1-لا يؤطر النقد الثقافي فعله تحت إطار التنصيف المؤسساتي للنص الجمالي بل ينفتح على مجال عريض من الاهتمامات إلى ما هو غير محسوب في حساب المؤسسة النقدية. فالنقد المؤسساتي يشكل جانباً مهماً من مشروع النقد الثقافي، وذلك نظراً للارتباط الوثيق بين الممارسات الخطابية والمؤسسة المنتجة للخطاب أي بين الممارسة الخطابية واللاخطابية، "فالبنية المؤسسية التي ينبث عنها الخطاب تكون هي تجسيداً لذلك الخطاب ... وكلاهما مثبت بعلاقات القوة الكامنة فيهما"(13).
2-يعتمد النقد الثقافي على نقد الثقافة وتحليل النشاط المؤسساتي بالإضافة إلى اعتماده على المناهج الأدبية مثل تأويل النصوص ودراسة الخلفية التاريخية.
3-ينطلق النقد الثقافي من تحليل أنظمة الخطاب والإفصاح النصوصي، فالنص هنا "ليس سوى مادة خام تستخدم لاستكشاف أنماط معينة من مثل الأنظمة السردية والإشكاليات الأيديولوجية وأنساق التمثيل، وكل ما يمكن تجريده من النص"(14). فالنقد الثقافي عند (ليتش) يعتمد على منهجية جينالوجية* لتعرية الخطابات بهدف تحصيل الأنساق الثقافية (النظم الثقافية المهيمنة) استكشافاً واستكناهاً متأثراً بجينالوجيا نيتشه وميشيل فوكو.
وفي تحديده لطبيعة العلاقة بين النقد الأدبي والثقافي يشير ليتش إلى أنهما مختلفان، ولكنهما يشتركان في بعض الاهتمامات: بحيث يمكن لمثقفي الأدب أن يقوموا بالنقد الثقافي دون أن يتخلوا عن اهتماماتهم الأدبية غير أن المشكلة تكمن كما يرى (ليتش) في أن بعض المهتمين بالدراسات الثقافية يصرون على الفصل بينهما، فيقولون إن على النقد الثقافي أن يركز على الثقافة الشعبية والجماهيرية ويتخلى عن دراسة الأدب وما يتعلق به من خطاب ونظرية، بوصف تلك الحقول الأدبية محدودة ومتعالية. والملاحظ هنا أن ليتش يتحدث عن الدراسات الثقافية والنقد الثقافي بوصفهما شيئاً واحداً في الأساس وهذا يعود لما أشرنا إليه سابقاً من التداخل المفهومي والاصطلاحي بين الدراسات الثقافية والنقد الثقافي (15).
ومعلوم اليوم لدى العديد من الباحثين أن تأثير الدراسات الثقافية لم يعد حكراً على الأوساط الثقافية الغربية: بريطانيا وأمريكا وفرنسا، بل امتد إلى العالم كله ومنه العالم العربي خاصة في العقد الأخير من القرن العشرين وبداية هذا القرن. يذكر في هذا السياق (سايمون ديورنغ) أنَّ "السمة الأبرز للدراسة الثقافية اليوم هي طريقة توجهها نحو العالمية... حيث تدرَّس بشكل أو بآخر في معظم الأنظمة الأكاديمية الوطنية... ويشكل هذا تحدياً فمن ناحية مع تعولم التخصص تزداد صعوبة أخذ أي سياق ثقافي كمعيار فما بالك بعده كونيا. إن آفاق الحوار والتبادل والبحث العلمي تتسع مما ينسجم كلياً مع توجه هذا التخصص"(16).
وما انتهى إليه (سايمون ديورنغ) يؤكد لنا أنَّ خصوصية النقد الثقافي ترتبط في مدى فاعليته وقدرته على توظيف المناهج والنظريات ضمن الأفق الثقافي الذي يشتغل عليه الناقد، ولعل هذا ما يثير تساؤلاً حول خصوصية وفاعلية النقد الثقافي في الخطاب النقدي العربي؟
النقد الثقافي في السياق العربي:
إذا ما أردنا أن نحدد بدايات ظهور النقد الثقافي في الخطاب النقدي العربي، نجد أنَّها تعود إلى العقد الأخير من القرن العشرين تحديداً مع رائد النقد الثقافي (عبد الله الغذامي) الذي سعى في كتابه التأسيسي (النقد الثقافي: قراءة في الأنساق العربية) إلى تخصيص مصطلح النقد الثقافي ليكون مصطلحاً قائماً على منهجية أدواتية وإجرائية، وقد أورد الغذامي العديد من التعريفات للنقد الثقافي، أهمها تعريفه الذي ورد في كتابه (النقد الثقافي)، يقول فيه:
"النقد الثقافي فرع من فروع النقد النصوصي العام، ومن ثم فهوأحد علوم اللغة وحقول (الألسنية) معني بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيغه ما هوغير رسمي وغير مؤسساتي ... وهومعني بكشف لا الجمالي، كما هوشأن النقد الأدبي، إنما همه كشف المخبوء من تحت أقنعة البلاغي/ الجمالي"(17). والملاحظ من تعريف عبد الله الغذامي السابق اقتصار النقد الثقافي على النقد النصوصي واعتباره فرعاً من فروع النقد الألسني، وهذا التصور للنقد الثقافي يختلف إلى حد كبير مع المنطلق الأساسي للنقد الثقافي (الما بعد بنيوي) بوصفه فاعلية عَبَرَ منهجية تجسد العديد من الآليات المنهجية والاستراتيجيات النقدية وتوظف مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية ضمن شبكة علائقية في مقاربة الظاهرة الثقافية.
وقد حدد عبد الله الغذامي تساؤلات أساسية تشغل النقد الثقافي وتميزه عن النقد الأدبي، وهي (21):
1-سؤال النسق بديلاً من سؤال النص.
2-سؤال المضمر بديلاً من سؤال الدال.
3-سؤال الاستهلاك الجماهيري بديلاً من سؤال النخبة.
ويرى عبد الله الغذامي أن هذه الأسئلة لم يكن النقد الأدبي يهتم بها ولم يكن يقف عليها. ومن هذه التساؤلات سنشهد ولادة النقد الثقافي.
وعبد الله الغذامي في تبنيه للنقد الثقافي ينطلق من نظرية (قيرتز) في الأنثروبولوجيا الرمزية وهي نظرية تقوم على الدراسة النصوصية للثقافة أي دراسة "الأنساق الثقافية من واقع النصوص أو الوثائق المحفوظة"(22)، فمفهوم الثقافة عند (غيرتز) هو بالأساس مفهوم رمزي (سيميائي) وذلك بالنظر إلى الإنسان بوصفه "حيوان عالق في شبكات رمزية، نسجها بنفسه حول نفسه"(23) لذلك يؤكد أنَّ تحليل الثقافة "يجب أن لا يكون علماً تجريبياً يبحث عن قانون بل علماً تأويلياً يبحث عن معنى"(24)، ووفقاً لتصور (غيرتز) هذا يرى الغذامي أن الثقافة ترتكز على النظم الرمزية وليس على الجانب الإمبريقي (التجريبي المحسوس) للثقافة، فيعرف الثقافة على أنها: "ليست مجرد حزمة من أنماط السلوك المحسوسة، كما هو التصور العام لها، كما أنها ليست العادات والتقاليد والأعراف، ولكن الثقافة بمعناها الأنثربولوجي ... هي آليات الهيمنة، من خطط وقوانين وتعليمات ... التي تشبه ما يسمى بالبرامج، في علم الحاسوب، ومهمتها هي التحكم بالسلوك. والإنسان هو الحيوان الأكثر اعتماداً على هذه البرامج التحكمية غير الطبيعية من أجل تنظيم سلوكه"(25). وهذه الحزم البرمجية اللاواعية التي تحكم السلوك الثقافي هي ما يطلق عليها الغذامي بـ (الأنساق) التي هي موضوع النقد الثقافي.
ولعل من المفيد أن نشير إلى أن مشروع الغذامي لم يتوقف عند أطروحته الرائدة (النقد الثقافي: قراءة في الأنساق العربية)، بل أخذ هذا المشروع تطورات عدّة أهمها الانتقال من النص المقروء إلى النص المرئي وهوما عبر عنه صراحة في كتابه (الثقافة التلفزيونية: سقوط النخبة وبروز الشعبي) حيث وظف فيه مقولات النقد الثقافي في نقد الخطاب التلفزيوني وخطاب الصورة مؤكداً التحول الثقافي الذي معه تحول نظام الدلالة إنتاجاً واستقبالاً (26).
على الأهمية الريادية لمشروع عبد الله الغذامي، بيد أننا نلحظ أن ولادة النقد الثقافي عربياً مع مشروعه وتلازمه به قد جاء حاملاً عللاً منهجية وإيديولوجية، بيد أن المشكلة لا تتوقف عند حدود النشأة والريادة، بل في عملية الاستجرار التابعة، فمعظم الدراسات التي جاءت بعده كانت استجراراً له (الاستثناء قليل في حدود علمنا)، فعلى مستوى تصوري عام تجد سمات رئيسة مهمينة على الخطاب النقدي الثقافي عربياً، نخلصه بالإشكالات الآتية:
- تغييب البعد السياسي من النقد الثقافي، فغدا أقرب إلى الدراسات الأكاديمية على النصوص الشعرية.
- هيمنة التصورات الثقافوية على حساب التفسير المادي على منوال الطريقة الغذامية بافتراض (هيمنة الشعر العربي على بنى الاجتماعية والثقافية العربية).
- اختزال النقد الثقافي بالتوجهات ما بعد الحداثية مع تغييب المرجعية الماركسية.
- اعتماد مصطلحات وتوظيفها على نحو سطحي، منها على سبيل التمثيل لا التخصيص مصطلح (النسق الثقافي)، وهو ذو مرجعية أنثروبولوجية تأويلية مؤسسة على نحو مكثف مع غيرتز، بيد أنها تحضر في متن الغذامي على نحو مجتزأ فاقد الفاعلية المفهومية والإجرائية.
- تضخم المادة الشعرية على وجه التخصيص (الشعر الجاهلي) على حساب الأجناس الأدبية الأخرى، والأهم على حساب الأدب الشعبي والثقافة الرقمية التي هي في الأساس مجال النقد الثقافي وفاعليته ورهانه.
( ) النظرية الأدبية،جوناثان كالر، ترجمة رشاد عبد القادر، منشورات وزارة الثقافة دمشق (2004)،ص:55.
(2) النقد الثقافي تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية، أرثر أيزابرجر، ترجمة وفاء إبراهيم ورمضان بسطاويسي، (المجلس الأعلى للثقافة 2003)، ص:15.

(3) الخروج من التيه (دراسة في سلطة النص) ، عبد العزيز حمودة، عالم المعرفة الكويت (298) ،ص: 269.
(4) النقد الأدبي الأمريكي من الثلاثينيات إلى الثمانينيات، فنسنت ليتش، ترجمة محمد يحيى، المشروع القومي للترجمة (المجلس الأعلى للثقافة 2000) ،ص: 408.
(5) النقد الثقافي (قراءة في الأنساق الثقافية العربية) ، عبد الله الغذامي، دار البيضاء المغرب (2008) ، الطبعة 8،ص:14.
(6) الخروج من التيه (دراسة في سلطة النص) ، عبد العزيز حمودة،ص:258.
(7) الدراسات الثقافية: مقدمة نقدية، سايمون ديورنغ، ترجمة د.ممدوح يوسف عمران، عالم المعرفة الكويت (2015) العدد 425،ص:12.
(8) نظريات النقد الأدبي في مرحلة ما بعد الحداثة، جميل حمداوي، مكتبة المثقف (لا يوجد التاريخ)،ص:89.
(9) انظر: حول تطورات التي شهدها مركز برمنجهام: مقدمة في النقد الثقافي، عبد النبي اصطيف، مجلة الموقف الأدبي-العدد520-آب/2014 ،ص:26. وانظر أيضا: النقد الثقافي، عبد الله الغذامي، ص: 17.

(10) نظريات النقد الأدبي في مرحلة ما بعد الحداثة، جميل حمداوي،،ص:90.
(11) يشار هنا إلى أن بعض الباحثين قد ترجموا عنوان الكتاب بـ: النقد الثقافي: نظرية الأدبية (ما بعد الحداثة) ، منهم الدكتور جميل حمداوي، انظر، المرجع السابق،ص:95. والأصح هو (ما بعد البنيوية) ترجمة لـ: Post structuralism.
(12) النقد الأدبي الأمريكي من الثلاثينيات إلى الثمانينيات، فنسنت ليتش، ترجمة محمد يحيى، المشروع القومي للترجمة 2000،،ص:408.
(13) المصدر السابق، ص: 104.
(14)النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، إيان كريب، ترجمة محمد حسين غلوم، عالم المعرفة (الكويت 1999)،ص: 244
(15) النقد الثقافي، الغذامي: 17.
* مفهوم الجنيالوجيا (Genealogy): هو مفهوم فلسفي تاريخي يشير إلى نمط من التفكير النقدي في أصل الأفكار والقيم، ويعود هذا المصطلح إلى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، ووفقاً للمنهج الجينيالوجي تٌفسر الأفكار والقيم سواء أكانت دينية أم أخلاقية بانتزاعها من سماء الميتافيزيقا، و الرجوع بها إلى الوجود الحسي الملموس أي إلى الوجود الإنساني المفرط في إنسانيته بكل ما يمور من إرادات و مصالح متناقضة ومتصارعة من أجل امتلاك العالم، ومنح الظواهر المعنى. لهذا فإنَّ لكل ظاهرة أو مفهوم تاريخيته، وليست هذه التاريخية سوى تاريخ علاقات القوى والصراع. فالتاريخ ليس سوى تتابع لعلاقة القوى المتصارعة من أجل انتزاع المعنى. فكل ظاهرة وكل موضوع يتغير معناه تبعاً للقوة التي تمتلكه. من هنا يُعنى المنهج الجينالوجي بدراسة المفاهيم والقيم بتشابكها بعلاقات القوى والصراع. وفي هذا يتقاطع المنهج الجينالوجي مع النقد الثقافي كما سيتبين لنا في سياق دراستنا. انظر حول مفهوم الجنيالوجيا: في سوسيولوجيا الخطاب: من سوسيولوجيا التمثلات إلى سوسيولوجيا الفعل، عبد السلام حيمر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت (دون تاريخ)، ص: 279 /278/239. وانظر أيضا: التاريخ والحقيقة لدى ميشال فوكو، السيد ولد أباه، دار المنتخب العربي 1994، ص: 56/57.
(16) انظر: دليل الناقد الأدبي، سعد البازعي وميجان الرويلي، المركز الثقافي العربي (دار البيضاء- المغرب 2002 الطبعة 3) دليل الناقد الأدبي، سعد البازعي وميجان الرويلي، ص: 308.

(17) الدراسات الثقافية: مقدمة نقدية، سايمون ديورنغ، ص: 21.
(18) النقد الثقافي (قراءة في الأنساق الثقافية العربية) ، عبد الله الغذامي،ص:84.
(19)انظر حول ذلك: نقد ثقافي أم نقد أدبي؟،عبد الله الغذامي وعبد النبي اصطيف، دار الفكر (دمشق 2004)
(20) تتحدد رؤيا عبد الله الغذامي للمرحلة الثقافية الراهنة بالتساؤل الجدلي حول العلاقة ما بين الحداثة وما بعد الحداثة
(21) النقد الثقافي عبد الله الغذامي،ص:17.
(22) نقد ثقافي أم نقد أدبي؟،عبد الله الغذامي وعبد النبي اصطيف،ص:37.
(23) موسوعة علم الإنسان (المفاهيم والمصطلحات الأنثروبولوجية) ، شارلوت سيمور سميث، ترجمة: محمد الجوهري، المركز القومي القاهرة (2009) الطبعة الثانية، مادة نص،ص:517/518.
تأويل الثقافات، كليفورد غيرتز، ترجمة محمد بدوي، المنظمة العربية للترجمة الطبعة الأولى بيروت (2009)، ص: 82.
(24) المرجع السابق،ص:82.
(25) المرجع السابق،74.
(26) الثقافة التلفزيونية: سقوط النخبة وبروز الشعبي، عبد الله الغذامي، المركز الثقافي-العربي الدار البيضاء (2005)، ط 2، ص:18.

 | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...