"لا بدَّ من مراجعة الدستور"

الجمل- عبدالله علي:  ((هناك من طرح تعديل المادة الثامنة.. وهذه المادة هي جوهر النظام السياسي الموجود في الدستور.. وهناك عدة مواد متعلقة بهذه المادة.. فتبديل المادة الثامنة فقط هو كلام غير منطقي وتبديل المواد الأخرى من دون المادة الثامنة أيضا كلام غير منطقي.. وهذه المواد التي أتحدث عنها والمرتبطة بالمادة الثامنة بمجملها تجسد جوهر النظام السياسي في سورية.. وبالتالي التعامل مع أي بند يتطلب التعامل مع كل البنود الأخرى.. فمن البديهي أن تكون هناك مراجعة لكل الدستور سواء كان الهدف المادة الثامنة أو بقية البنود السياسية.. لابد من مراجعة الدستور)).
الرئيس في حواره مع التلفزيون السوري.

*****
وقد كنت كتبت في مقالة سابقة منشورة في موقع الجمل بعنوان (حول تعديل البنود غير الديمقراطية في الدستور) فكرة تتضمن نفس المعنى السابق جاء فيها: "الدستور يقوم على أساس الديمقراطية الشعبية التي تعتبر بمثابة حجر الأساس للبناء الدستوري بكامله، والمادة الأولى من الدستور التي تبنت مبدأ الديمقراطية الشعبية هي بمثابة الروح لهذا الدستور، وباقي النصوص الدستورية ليست سوى تطبيق لمجموعة المبادئ والقواعد التي ينطوي عليها مفهوم الديمقراطية الشعبية. وبالتالي لا فائدة من تعديل جزء من بناء الجسد الدستوري طالما أن الروح نفسها تسري في باقي الأجزاء، بعبارة أخرى يغدو التفكير في إلغاء المادة الثامنة وغيرها من المواد أمراً عديم الجدوى في ظل الاستمرار في تبني مبدأ الديمقراطية الشعبية، وبالتالي نجد أنفسنا، ونحن نناقش تعديل المواد غير الديمقراطية، ملزمين منطقياً بتحطيم حجر الأساس، المتمثل بالديمقراطية الشعبية، الذي يقوم عليه الدستور وهدم بنائه بالكامل، أي أمام مهمة مختلفة كلياً، إذ شتان ما بين التعديل الجزئي وبين التغيير الكلي".

*****
إذاً لا بدَّ من مراجعة لكل الدستور، وعدم الاكتفاء بتغيير مادة هنا أو مادة هناك.
وهذا النهج إضافة إلى كونه يعبر عن نية إصلاحية حقيقية، كما نستشف، فإنه يتفق مع الفهم الصحيح لطبيعة بناء الدستور السوري.
والمراجعة الشاملة للدستور تفترض إنهاء الأساس الذي يقوم عليه حالياً وهو الديمقراطية الشعبية، وإقامته على أساس جديد من الديمقراطية الغربية أو الديمقراطية الاجتماعية.
ونشير هنا إلى أن حزب البعث الذي كان يتبنى في دستوره نظام الحكم البرلماني، قد تبنى في منطلقاته النظرية مبدأ الديمقراطية الشعبية حيث جاء فيها: ((يجب تخطي البرلمانية باعتبارها أحد أشكال سيطرة تلك الطبقات (الإقطاعية والبرجوازية) على الجماهير الشعبية.." واعتبرت المنطلقات النظرية"أن تخطي البرلمانية يعني زوال الإطار البرجوازي شبه الإقطاعي للديمقراطية والانتقال إلى ديمقراطية أوسع وأعمق وأمتن وأسلم هي الديمقراطية الشعبية التي تكفل لجم الرجعية من جهة وتؤمن تعبئة طاقات الجماهير وإمكانياتها في عملية البناء الاشتراكي الثوري للمجتمع العربي من جهة أخرى".
ومع الإشارة إلى أن مراجعة الدستور قد تتطلب، أيضاً، إجراء مراجعة أخرى للمنطلقات النظرية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن أن نفهم من مراجعة الدستور وإلغاء الديمقراطية الشعبية أنه سوف يتم تبني النظام البرلماني في الدستور الجديد؟ علماً أن هذا النظام كان موجوداً في كلٍّ من دستور عام 1930 ودستور 1950؟.
لا أعتقد ذلك، لأن النظام البرلماني بعد تجربته، من قبل السوريين، على مدى سنين طويلة في ظل الدستورين السابقين، أثبت فشله وعدم قدرته على فرض نفسه كإطار حاضن لتفاعل الحياة السياسية والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية الموازية لها. لذلك أستبعد أن تعاد تجربته مرة ثانية. وأتوقع أنَّ مراجعة الدستور سوف تجري على أساس الخلط بين كلٍّ من النظام البرلماني والنظام الرئاسي، وأخذ بعض الخصائص من هنا وبعض الخصائص من هناك، وتشكيل نظام مختلط من شأنه أن يتناسب مع الحياة السياسية السورية التي تستلزم إجراء موازنة دقيقة بين متطلبات الديمقراطية ومقتضيات الاستقرار. وهذا النظام المختلط الذي تأخذ به فرنسا أيضاً، هو المؤهل أكثر من غيره لتحقيق هذا التوازن بين الديمقراطية والاستقرار.

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.