فاطمة المرنيسي كافحت بدون إيديولوجيا ولا استفزاز

18-12-2015

فاطمة المرنيسي كافحت بدون إيديولوجيا ولا استفزاز

فاطمة المرنيسي كافحت الفكر الذكوري بدون استفزاز وحاورت التراث العربي الإسلامي بدون تحيّز أيديولوجي وانتقدت التنميط الغربي للثقافة العربية والإسلامية وشيطنته للحريم والحجاب اللذين عرفهما الغرب قبل الإسلام.
رحلت فاطمة المرنيسي.
رحلت «أهم» مغربية في التاريخ الحديث.
لا أدري لماذا كلما تذكرتها أستحضر تلك الثواني القليلة التي جمعتني بها في المصعد في مقرّ اتّحاد العمل النسائي بـ «ديور الجامع» بالرباط، ليلة افتتاحه... قابلتها أكثر من مرّة، لكن تلك اللحظة بالذات ظلت راسخة مثل التفاتة خارج الزمن، ربما لأننا كنا بصدد التأسيس لمرحلة جديدة في مسار تحقيق حلم العدالة والمساواة، ربما لأنها في تلك الليلة بالذات كانت جميلة، مرحة وغاصة بالموجات الإيجابية. أتذكرها بهيئتها المتفردة، بزيّها المغربي المبتكر (أخبرتني صديقة مشتركة أنها كانت تصمم أزياءها بنفسها وتناقش خياطها التقليدي في أدق التفاصيل) أتذكر حليها الفضية وألوانها الدافئة... أتذكر قامتها: فاطمة المرنيسي كانت امرأة شاهقة، وكنا جميعا نرفع عيوننا لنراها.
هي أستاذتنا في السوسيولوجيا وأستاذتنا في الحركة النسائية وأستاذتنا في التصالح مع الجسد الأنثوي ومع الثقافة المغربية. كانت فخورة بنفسها وبمغربيتها، وكنا نحن الطالبات الرافضات للحصة التي خصصت لنا في قسمة الأدوار الجنسية وللوضع الثقافي الذكوري الذي حاصرنا فيه التاريخ، أقول كنا نرى فيها طموحاً علمياً أسمى نتمنى أن نصله يوماً ونموذجاً ناجحاً، بكل بساطة، يؤكد لنا أن «استثناءنا» كنساء متمرّدات كان يؤكد القاعدة.
الذين يدركون دور بعض الشخصيات في صناعة التاريخ يعرفون بالتأكيد أن وفاة فاطمة المرنيسي اليوم خسارة فادحة... يقول الباحث السوسيولوجي أحمد شراك: «فاطمة المرنيسي اسم مغربي وعربي وكوني لا أعتقد أن المغرب سينجب اسماً من عيارها في المدى القريب أو المتوسط، لأنه لا يمكن ببساطة استنساخها، ومن ثمة الخسارة الكبرى للمغرب الثقافي».
كانت استثنائية، لأنها انتصرت للفكر المغربي المتنور، ولاستعمال العقل في تناول القضايا ذات الحساسية الثقافية أو الدينية. استثنائية لأنها قدمت دعماً كبيراً لكل المبادرات النسائية في مراحلها الجنينية، واستثنائية حين حاورت التراث العربي الإسلامي من أجل دحض أسسه الذكورية العتيدة: حفرها كان بواسطة معول البحث العلمي المبني على الاستدلال، حاورت النصوص القديمة المقدسة منها وشبه المقدسة بدون السقوط في زلة استفزاز الخصم الإيديولوجي. نقدها لم يكن يكتفي بتحليل المعطى التاريخي قصد العثور على ما يبرر ويعطي مصداقية لمشروعها التحرري، بل كان يعتمد أسلوباً هادئاً يراعي حساسية القضايا واحتمال ردود أفعال عاطفية قد تقف حجر عثرة في وجه مشروعها الاجتماعي.
كانت المرنيسي تعمل بمنطق المثل المغربي القديم الذي يقول: «من لحيتو لقّم ليه» (من لحيته ناوله اللقمة) بمعنى مجابهة الفكر الذكوري بنماذج مشرقة في تاريخه الخاص ومن داخل إرثه الثقافي ذي المشروعية الدينية. بروح جدالية عالية وبشجاعة علمية، غاصت في التراث لترفع عن مطلب العدالة والمساواة «تهمة» كونهما مطلبين دخيلين غربيين وغريبين عن ثقافتنا العربية الإسلامية. كانت مشغولة ليس فقط بالبحث عن بؤر الضوء في التراث العربي الاسلامي بل أيضاً بتصحيح بعض المفاهيم التي كانت تنمّط الثقافة العربية وتختزلها. في كتابها «هل أنتم محصّنون ضدّ الحريم»، ترى المرنيسي أن الغرب عرف مؤسسة «الحريم» قبل العرب، حيث تقول: «ليس العرب آباء الحريم، فقبل ظهور الإسلام كان العرب يعيشون في فقر مدقع لا يسمح لهم بالحصول على الحريم، بل كانوا يطمحون إليه تقليداً لجيرانهم البيزنطيين الأقوياء، باعتباره ترفاً. وبمجرّد ما وضعهم الإسلام في مصاف الدول العظمى حتى استوردوه كما نستورد السيارات الفارهة اليوم»، لم يكن الغرب منزّها عن مشرطها العلمي. أتذكر كيف فجّرت في وجه الغربيات صفعة «الحريم 38» الذي وضعته في مقابل حريم الحجاب. الغرب الذي كان يشيطن الآخر ويقدم نفسه طاهراً، لم يكن بكل تلك الطهرانية، بحيث رأت في هوس الغربيات بالقياس 38 حصاراً يضاهي حصار الحجاب على المسلّمات وأنّ الفكر الذكوري مثل فيروس يغيّر شكله وهويته ليستمرّ. لقد أمضت حياتها مشغولة بفهم ما يؤسّس «سلطة الذكورة» من خلال الأساطير والرموز والحكايات المتداولة بين الناس.
مثل العديد من المفكرين عبر التاريخ كان الأدب هو عشق فاطمة المرنيسي الخفيّ. مارست الكتابة الأدبية ليس فقط من خلال إنتاجها الذي صُنّف كمحكيّات أو روايات أو سيرة ذاتية بل أيضاً من خلال استغلالها لفن النوادر والحكم والأمثال والهزل في عدد من كتاباتها ودراساتها من قبيل: «سلطانات منسيّات»، «شهرزاد ليست مغربية» و «الحريم السياسي» وغيرها. كانت الكتابة عندها تنهل من حقول معرفية متباينة كالمنطق والموسيقى إلى جانب الفقه والتصوف ومثل طفلة كانت شغوفة بحفر الأرض أكثر من شغفها بما سيفضي إليه هذا الحفر من اكتشاف... عاشت مشروعها الخاص مفتونة بالحفر الذي يفتح أمامها قنوات جديدة (أتذكر هنا كيف أعطاها البحث في أوضاع النساء المغربيات المشتغلات في النسيج فكرة تأليف كتاب عن السجاد المغربي). هذه المرأة المفكرة التي جاءت لتؤسس لا لتقتفي أثر غيرها برهنت للعقل الذكوري أنّ المرأة «تنجب» من رحمها وتستطيع أيضاً أن «تنجب» من عقلها... هي مسار حياة، مسار آمن بما جاء في نبوءة سركون بولص ذات قصيدة حين قال:
«البضاعة الوحيدة التي تشبه الذهب هي الطريق»... مضت فاطمة المرنيسي مبتعدة عنا وتركت لنا الذهب.

لطيفة باقا

المصدر: الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...