الرومانسية والرومانسيون بين عقيدة المذهب ومآل الاعتقاد

24-07-2023

الرومانسية والرومانسيون بين عقيدة المذهب ومآل الاعتقاد

الجمل ـ عماد عبيد:

إذا عنَّ على بالك وفتحت اليوتيوب لتسمع أغنية عبد الحليم حافظ (رسالة من تحت الماء)، دقق في عدد مشاهدات هذه الأغنية، ستجدها قفزت على العشرة ملايين مشاهدة، كذلك أغنيته (جانا الهوى) أو (يا خلي القلب) أو أغاني أم كلثوم وفيروز ونجاة الصغيرة وعبد الوهاب وناظم الغزالي وغيرهم من مطربي زمن الأحلام الوردية.

حتى على المستوى العالمي ستجد أرقاما لمشاهدات الأغاني والموسيقا الرومانسية العالمية تفوق المتوقع، (ميراي ماثيو - كلود فرانسوا - خوليو اجلسياس - لاتا مانغيشتار – بيونسيه - جورج زامفير - ديمس روسوس - نانسي ويلسون - جولي هارتمان)

Image


هذا يعني أن الرومانسيين ما يزالون على قيد الحياة، يسمعون بشغف، ويرنون إلى فسحٍ في ملكوتٍ تهيم إليه النفس وتسمو به الروح، إلى التحليق بعيدا عن شغب الحاضر وثقل وطأته، إلى الحب والجمال والترنح فوق أرائك الغيم، والتشمس على ضفاف الحلم.

لم تكن الرومانسية كحالة تعبيرية وجدانية يتماهى معها الإنسان وليدة مذهبها الذي برزت طروحاته وتنظيراته في نهاية القرن الثامن عشر كما يصنفها المؤرخون، بل هي قديمة قدم الوجود. فكل نفس بشرية لها تهويماتها المجنحة إلى عالم الأمنيات الشفافة والتخييل فوق إسار الواقع وضنك الوقت.


لكن هل الرومانسية التي نتداول اسمها ونطلقها على المشاعر والانطباعات والأفكار والكتابات والحوارات والأحلام، هي نفسها الرومانسية التي انبثقت كمذهب فكري ابداعي تساوقت فيه فنون الموسيقا والتشكيل والأدب مع الفلسفة والثقافة برمتها؟


نشأت ظاهرة الرومانسية في الفنون والآداب الثقافة في اواخر القرن الثامن عشر وارتكزت على الرؤية الوثابة إلى الحياة المتجددة، وإطلاق الخيال الفردي انقلابا على المدرسة الكلاسيكية والعقلانية المثالية، ونقدا للأعراف الاجتماعية المسيطرة وخاصة حالة الترف الارستقراطي وهيمنة البرجوازية، وكردة فعل على الثورة الصناعية والأفكار التي عومها عصر التنوير، جوهرها الإبداع والتخييل والابتكار، انطلاقا من تأجيج العواطف وما يعتري النفس البشرية من ألم وهلع وعذاب وحب ومعاناة، ليأخذ الخيال دوره في السمو والارتقاء، فتجسدت إبداعاتها في الفنون البصرية والموسيقا والأدب، وفي هذا يقول الناقد الفرنسي (إتيان دي سينانكور 1770 - 1846) (إن الأديب الإبداعي قمين وحده بأن ينفض الحساسية الجديدة في الأدب)

Image


يرجع الباحثون أن مصطلح (Romanesque في اللغة الفرنسية) و(Romantic في اللغة الإنكليزية) تعني ترجمته الاصطلاحية (إبداع) ويشتق منه مذهب الرومانسية (Romantisme  )(الإبداعية)  للدلالة على انتماء المذهب، حيث يرجع الباحثون أصل المصطلح إلى كلمة (Roman) والتي تعني بالفرنسية رواية،  وبدقة أكثر سير البطولة المروية شعرا ثم نثرا، بينما يرى البعض أن مخترع التسمية هو اللورد الاسكتلندي الشهير بكتابة السير (جيمس بوزويل 1740-1795)، وهناك رأي ثالث يقول أن مصطلح (الرومانسية أو الرومانتيكية أو الرومانطيقية) مشتق من لفظة (رومانيوس) وهي عبارة تطلق على اللغات المنبثقة من لغة روما القديمة، تلك اللغات التي لم يكن يعترف بها إلا بعد حلول عصر النهضة، فاعتمدها الكتاب والمفكرون للتحرر من سيطرة قيود اللغة اللاتينية واليونانية، ونزوعا إلى القوميات الأوربية الجديدة.


تنطلق الرومانسية من فكرة الإبداع كحامل أساسي لها، والمفكرون الألمان هم من اعتنقوا هذا المصطلح حيث أطلقوه على الإبداع الموسيقي، ومن نجوم تلك الحقبة (جان بول ريختر 1763- 1825) و (فريدرك شليغل 1772- 1829) ووجهة نظرهم أن على الفن أن يحطم الحقيقة ويسمو بالنفس إلى الروحانية العالية.


لئن كانت ألمانيا مهد فكرة الرومانسية، إلا أن تجلياتها تبلورت في إنكلترا، وتوهجت وأخذت مداها في فرنسا لتبلغ أعلى شأنها في مطلع القرن التاسع عشر، حيث تعتبر فرنسا (معمل أفكار أوروبا)، فبعد هجرة عدد من الكتاب الفرنسيين إلى إنكلترا وألمانيا هربا من تبعات الثورة الفرنسية، تأثروا بثقافة تلك البلاد وتلاقحت أفكارهم مع أفكار الأدباء والمفكرين هناك، وعادوا بثروة معرفية وفكرية تجلت كقيمة مضافة إلى أفكارهم الأساسية، فها هو الشاعر الفرنسي (شاتوبريان 1768- 1848) يترجم إلى الفرنسية رائعة عملاق الأدب الإنكليزي (جون ميلتون 1608- 1674) (الفردوس المفقود)، ولتصرح الكاتبة الفرنسية (مدام دي ستايل 1766-1817) بعد عودتها من ألمانيا بالقول:(شعر أهل الشمال يناسب تفكير الأمم الحرة أكثر مما يناسبها شعر الإغريق)، وكتبت كتابا أشادت فيه بالروح الألمانية التواقة إلى الحياة.


لم تتولد أفكار المذهب الرومانسي من الآداب والفنون حصرا، بل مهّد لها فلاسفة ومنظرون أفذاذ، فالفيلسوف الأديب الفرنسي (فولتير 1694-1778) كان من المعجبين بشاعر إنكلترا الكبير (وليام شكسبير 1564-1616) حيث نشر أدبه وروج له في أنحاء أوروبا، لأنه يعتبر شكسبير مجددا ومتحررا من النموذج الأدبي الإغريقي المسيطر على أوروبا في تلك الحقبة، وعليه انتهج فولتير فكرة التجديد واعتمد مبدأ النقد، وكان لأعماله الفرشة المهيئة لبزوغ المذهب الرومانسي.


أما (جان جاك روسو 1722-1778) ابن المدرسة الطبيعية، الداعي إلى العودة إلى الطبيعة والحياة الفطرية، وتشذيب النفس من عكرها الداخلي والتعامل مع الآخرين بشفافية وبساطة وتصدير الخير والمحبة لهم، ومقولته الشهيرة:(علينا أن نترك الطفل يدرج وحده في الطبيعة ليكتسب خبراته بنفسه). فإن أفكاره ساهمت بشكل كبير في ولادة هذا المذهب الإشكالي.


غير فولتير وروسو ظهر فلاسفة ونقاد كانوا أكثر وضوحا في جرأتهم وتصريحاتهم وانتقاداتهم، كالفيلسوف والناقد الفرنسي (دينيس ديدرو 1713-1784) والألماني (مانويل كانط 1724-1804)، اللذان انتقدا الفلسفة اليونانية القديمة، وابتدعا أفكارا جديدة نظّرت لمفاهيم الجمال وعلاقته بالمتعة والفرق بين الدافع والسبب. وسنتعرف على الفيلسوف الألماني الرومانتيكي (فريدريك نيتشة 1844-1900) أحد أهم المؤدلجين للمذهب الرومانسي بأفكار لم تكن مألوفة سابقا.


كل هذه الخمائر الفلسفية والتنظيرات المعرفية ساهمت في تهيئة الأجواء للثورة الرومانسية، ومن علائم مبادئ هذا المذهب، الفردانية – التلقائية في التعبير – فصل الأدب عن الأخلاق – الحرية في الاعتقاد – الابداع والابتكار – الاهتمام بالمسرح والآداب الشعبية والقومية.


أفكار ومعتقدات هؤلاء الفلاسفة، إضافة إلى النزعة التحررية من تبعات الثقافة اليونانية والإغريقية القديمة المهيمنة على الحياة الثقافية في أوروبا، وإضافة إلى حالة التبرم من جمود المدرسة الكلاسيكية وتغول الذهنية الارستقراطية، ومادية الثورة الصناعية، كل هذه الأسباب كانت الإرهاصات التي فجرت في العقل الأوروبي فكرة استيلاد مذهب جديد يحرك المياه الراكدة ويدعو إلى الابتكار والاعتماد على التخييل منطلقا لحياة جديدة متحررة من إسار ماضيها، ومحركة لحاضرها، ومستشرفة لمستقبلها، ولعل من أهم ميزات المذهب الرومانسي أنه لم يقولب مفاهيمه ومعتقداته بقواعد مسبقة، بل ترك للتلقائية والعفوية أن تبلور مبادئه تماشيا مع حالة التطور الزمني والمستجدات الحياتية.


تجلت ذروة التوهج للأفكار الرومانسية في الموسيقا والأدب، فالأدباء الرومانسيون هم من اخترعوا مصطلح (الخلق الشعري)، لأن الأدب في نظرهم خلق وابتكار وليس محاكاة للطبيعة والحياة كما تذهب المدرسة الكلاسيكية، والخلق ولادة جديدة طموحة شاسعة الرؤى حتى على مستوى الفكر الفلسفي، فظهرت نظرية (الإنسان الأعلى – السوبرمان) عند نيتشة، ونظرية (الوثبة الحيوية) عند (هنري برجسون 1859-1941).


تفتقت مواهب الأدباء الأوروبيين على ابتكارات وإبداعات جديدة تنتمي إلى هذا المذهب الوليد وسمت بأنها الأجمل في تاريخ الأدب العالمي ، وسيشهد تاريخ الأدب أسماءً لشعراء وكتّاب نوابغ تفجرت إبداعاتهم من رحم الرومانسية، فكانت البدايات مع  رواية (آلام فارتر) للألماني (يوهان غوته1749- 1832) صاحب مقولة (الأنوثة الخالدة تجذبنا إليها) وإبداعات الشاعر الحالم (فريدريك شيلر1759-1805)، والأدباء الإنكليز اللامعين أمثال (ويليام وردزورث 1770-1850)، (صموئيل كولردج 1772-1834)، (اللورد بايرون 1788-1824)، (بيرس شيلي 1792-1822)، و(جون كيتس 1795-1821)   أما فرنسيا فجاء البريق أكثر إبهارا، ومن الأوائل (ألفونس دي لامارتين 1790-1869) إلى مواطنه (شاتوبريان 1768- 1848)، و(فكتور هوجو1802-1885) والروائية (جورج صاند 1804-1876)  ويجمع النقاد أن قصيدة (ألفرد دي موسيه 1810-1857)، (ليلة أكتوبر) تعتبر أجمل ما كتب في تاريخ الأدب الرومانسي، هذه القصيدة التي كتبها دي موسيه ولعا وهياما بعشيقته جورج صاند بعد أن لحق بها إلى إيطاليا وهناك سقط مريضا بعد أن هجرته وكسرت فؤاده.


عربيا ستظهر علائم التأثر بهذا المذهب متأخرة عن اجتراحاتها الأولى أوروبيا، حيث تجلت بوضوح في الأدب، والموسيقا، والفن التشكيلي بخجل، أما فلسفيا، فبما أن الفكرة مستوردة، والفلسفة العربية تعاني من التأخر والجمود ما يجعلها قاصرة عن التنظير لهذا المذهب، فاتكلت على الترجمات واستجدت بها، وستظهر المدارس الأدبية التي تلقفت الفكرة بعد أن وصلتها ناضجة ومتبلورة وواضحة المعالم. فبدأت مع مدرسة الديوان المؤلفة من أقطابها الثلاثة (عباس محمود العقاد 1889-1964) و(عبد الرحمن شكري 1886-1958) و(إبراهيم المازني 1889-1949)، ويبدو أن مرجعيتها تستند إلى الرومانسية الإنكليزية نظرا لارتكاز ثقافة روادها عليها، هذه المدرسة (الديوان) تسلحت بالنقد المقذع لكل من يتعارض مع توجهاتها، فحاربت الفن الروائي، واستعدت الكلاسيكيين المتمثلين برائدهم (أحمد شوقي 1868-1932)، وتنطحت للمحدثين أمثال (صلاح عبد الصبور 1931-1981) و(أحمد عبد المعطي حجازي 1935)، ولم يسلم من طعناتها حتى أهم أقطاب الرومانسية كالشاعر المبدع (إبراهيم ناجي 1898-1953)، علما أن سدنة تلك المدرسة لم يوسموا بالعقيدة الرومانسية كفكر مطلق، لكنهم انتهجوا اسلوبيتها في الثورة على أعراف من سبقهم.


وتكر سبحة الذكر لأقلام أعلام الشعر والأدب عربيا المتأثرين بالمذهب الرومانسي أمثال (علي محمود طه 1901-1949) – (أحمد زكي أبو شادي 1892-1955) – (أبو القاسم الشابي 1909-1934) – (جبران خليل جبران 1883-1931) – (ميخائيل نعيمة 1889-1998) – (إيليا أبو ماضي 1890-1957) – (عمر أبو ريشة 1910-1990) ونكاد نحتم أن ما من أديب عاصر تلك المرحلة أو حتى جاء بعدها إلا واختط نهج الكتابة الرومانسية بغض النظر عن التحولات التي طرأت على مسيرته فيما بعد.

Image


ونعود إلى السؤال الحائر، هل الرومانسية التي نتداولها ونسبغها على من يسافر بخياله إلى عالم الحلم والجمال والعاطفة الجياشة والأمنيات القصية عند سماعه للموسيقا الدافئة وتماهييه مع الفن الهادئ والكتابة الشفافة، هي نفسها الرومانسية التي ابتدعها روادها كألية تفكير ودعوة للثورة على عقيدة الماضي القار والطغيان المادي، وانقلبوا عليها بتقديس الفردانية والاشتغال على توظيف الألم والهلع والعذاب والمعاناة كمادة أساسية للإبداع والتخييل؟!


فكثيرا ما نصف الحالمين المتطلعين إلى مناجاة الطبيعة والامتياح من بكورتها، والرنو إلى الهدوء واستدعاء العاطفة والحب، وتصوير الجمال الخلاب، والتعلل بالأمل، بالرومانسيين، غير أن نشوء هذا المذهب لم يكن غايته هذه التطلعات وتعويمها كأسلوبية إبداعية وسلوكية حياتية.


في الواقع لقد استقر مصطلح الرومانسية وفق ما نتداوله الآن، حيث طغى تعميم الحالة على ما ارتكس في أذهان القراء والسميعة والمتذوقين وفق ما قرأوه وسمعوه وأبصروه من نتاجات مبدعي تلك المرحلة في الأدب والموسيقا والفنون البصرية، دون البحث عن أسبابها وعقائدها، ولأن النفس البشرية تنزع إلى الجمال وتهيم مع العاطفة وتحلق بها الأحلام وتورطها الأمنيات، في عالم يمور بالويلات والحروب والشدائد، نراها تنزع للعودة إلى تلك الابداعات هربا من الواقع المضني وتحللا من تبعات أثقال الزمن الراهن، لهذا سنجد أن مشاهدات الأغاني الموصومة بالرومانسية فائقة العدد، مثلما سنجد أن الكثير من القراء يستهوون قراءة الأدب المندرج تحت هذه التسمية، كذلك عشاق السينما والمسرح والفن التشكيلي.


والواضح أن الرومانسية بمفهومها الاصطلاحي الشائع تجدد نفسها وتتطور مع الزمن، فما كان يطلق عليه ظاهرة رومانسية قديما، حلت محلة ظواهر جديدة وإن اختلفت في المسار، كأنها رومانسية حديثة، تتماشى مع متطلبات الحياة والعصر، فالذين يترنمون على أغاني عبد الحليم وأم كلثوم ونجاة، جاء بعدهم جيل يترنم على أغاني كاظم الساهر وماجد المهندس وسميرة بن سعيد، والذين يمتلؤون بقراءة (الملاح التائه) لعلي محمود طه، أو أشعار جبران خليل جبران، أو قصائد الحب لنزار قباني، سيتلوهم جيل يستعذب قصائد الشعراء اللاحقين ممن نسجوا على نول الشغف الرومانسي، وإن تغيرت التسميات أو تبدلت الطرق والأساليب، أو اختلفت الأمزجة،... إنها الرومانسية .. الثورة المستدامة.


    

 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...