أدونيس في قمة أبو ظبي الثقافية : الإنسان يصنع زمنه

07-03-2024

أدونيس في قمة أبو ظبي الثقافية : الإنسان يصنع زمنه

ألقى الشاعر والمفكر أدونيس، الكلمة الرئيسية الأولى في القمة الثقافية- أبوظبي 2024، بمنارة السعديات بدولة الإمارات العربية المتحدة، وركَّز فيها على شعار القمة «مسألة وقت»، ووضع إطاراً لعلاقة الإنسان بالأزمنة، وقدرته على الإبداع، وإمكانات الآلة في تحقيق حلم الإنسان، وهيمنة الآلة على الزمن الراهن.

وأكد أدونيس، خلال كلمته، أن قوة الإنسان تكمُن في قدرته على طرح الأسئلة، أكثر ما تكمُن في قدرته على تقديم الإجابات، وأن الزمن ليس آلة؛ بل الإنسان هو الذي يبتكره، وأن العلة ليست في الآلة نفسها أو في زمنها، وإنما في العقل الذي يستخدمها.

وإلى نص كلمته:

السيد محمد خليفة المبارك، السيدات والسادة الحضور، رداً على سؤال حول المستقبل طُرح في إحدى محاضراته قبيل موته، أجاب ستيف جوبز، قائلاً "المستقبل ليس موجوداً، علينا نحن البشر أن نبتكره". ستيف جوبز، مؤسس "أبل"، والذي يوصف بأنه واحد من كبار الرائيين والخلاقين المجددين في هذا العصر، يُذكرني هذا الجواب بجواب لمتصوف عربي قاله منذ نحو ١٠٠٠ سنة؛ رداً أيضاً على سؤال "ما الوقت؟"، قائلاً "الوقت هو ما أنت فيه".

اسمحوا لي أولاً أن أشكر القائمين على هذا اللقاء، فكرةً ودعوةً وتنظيماً؛ خصوصاً أنه يتيح إعادةَ النظر جذرياً وعلى نحو شامل في المفهومات السائدة عن الزمن، إبداعاً وحضارةً، وعن العلاقات بين الأزمنة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وعلى الأخص عن العلاقات بين الزمن والإنسان وعبرها وفيها؛ بين الإنسان والإنسان، حين ننظر في لحظتنا الراهنة إلى الوضع الكوني في مختلف تجلياته السياسية والاقتصادية والثقافية وفي ضوء الجوابَين السابقَين، ونسأل ما هذا الزمن الذي يهيمن على العالم الذي ننتمي إليه ونعيش فيه؟ فسوف نكون أمام جوابَين أساسيَّين.

خلاصة الجواب الأول هي أن زمن الإنسان يتمحور حول الآلة لا حول الإنسان؛ فهو زمن انتزعت منه خاصيته الإنسانية والهاجس الذي يملؤه ويسيره ويقوده، لا يدور حول مستقبل الإنسان المنفتح الحر الخلاق، سيد نفسه وسيد مصيره، وإنما يدور حول مستقبل الآلة وتقنياتها، حول العبودية والهيمنة، وسؤاله الأساس؛ ليس كيف أحرر العالم؟ بل هو كيف أُخضع العالمَ وأنوِّع سجونَه وقيودَه؟

هكذا يكاد الإنسان يصبح شيئاً بين الأشياء، يكاد يصنع كما يصنع أيَّ شيء؛ بل أكاد أقول يصنع كمثل الرغيف، يعجن ويخمر ويخبز ويقسم ويوضع على المائدة في ولائم متنوعة فقيرة غنية بين ولائم على مستوى الكون، سلاماً وحرباً، ثقافةً وسياسةً، اجتماعاً واقتصاداً، فناً وفكراً وعلماً، باسم الحاضر والدفاع عن حقوق الإنسان يلغي الإنسان نفسه في تنويعات إبادية قلما عرف التاريخ توحشاً يضاهيها، وباسم المستقبل ها نحن ندخل في حضارة ما بعد الإنسان، بعد أن تخطانا الزمن الذي أسَّس لثقافة الآلة أو ما بعد الإنسان.

وخلاصة الجواب الثاني هي أن العالمَ يعيش في أزمنة ثلاثة؛ زمن ما يُسمى عملياً العالم الأول، وزمن ما يُسمى عملياً أيضاً العالم الثالث، والزمن الآخر الذي يتراوح بينهما هبوطاً وصعوداً وجذباً ومجداً؛ لكن إذا نظرنا إلى هذا العالم الثالث بوصفه أفراداً في معزل عن الأنظمة والجماعات والمؤسسات، فسوف نجد أن الفرد في العالم الأول ليس في حد ذاته وبوصفه فرداً أكثر ذكاءً أو قدرةً على الإبداع من الفرد في هذا العالم الذي يُسمى ثالثاً، ليس "دونك" على سبيل المثال بوصفه فرداً أعمق إبداعاً وأعظم إنسانية من أبي العلاء المعري، وليس ديكارت أكثر فهماً للعالم والإنسان من ابن رشد أو من ابن الرواندي، وليس بودلير أكثر شعريةً من أبي نواس، وليس ملارمي أعمق أو أعلى جماليةً من أبي سلمان، هكذا..

وفي هذا تحديداً تكمن بالنسبة إليَّ أهمية هذا اللقاء؛ فهو يتيح لنا جميعاً أن نبحث في مشكلة أَعُدَّها شخصياً جوهرَ مشكلاتنا العربية الإسلامية كلها، حياةً ومصيراً، ومدار هذه المشكلة هو أن الزمن في أبعاده التكوينية لا يبحث تجريدياً في ذاته ولذاته كما تبحث النظريات في المختبرات في معزل عن رياح الحياة وأعاصيرها عن غبارها وجناتها وينابيعها، لا يبحث الزمن في معناه إنسانياً إلا وهو بين يدي الإنسان، في بيته، في سرير نومه، في حلِّه وترحاله، في خطواته إلى عمله، في عمله ذاته، وفي قلبه وعقله، إضافة إلى فرحه وحزنه، إلى فكره ودفاتره وكتابته، إلى مخيلته وأحلامه؛ أنه الحب والكراهية، الجمال والقبح والإبداع، الخير والشر، الشعر والرسم، الموسيقى والغناء، الفلسفة والعلم؛ أنه الكتاب واللوحة والقصيدة، الماء والخبز. نعم؛ الزمن ابتكار والزمن هو ما أنت فيه، جسد آخر داخل جسد الإنسان، تارة يبدو كمثل غيمة؛ شباباً أو شيخوخة، وتارة كمثل لجة علواً واقتحاماً، وفوراً كمثل زلزال، وأحياناً كمثل كرة بين يدَي طفل، وقبل كل شيء ليس الزمن آلةً وليس هو مَن يخلق الإنسان؛ بل الإنسان هو الذي يبتكره، ثانية ثانية، دقيقة دقيقة، ساعة ساعة، يوماً يوماً.. كيف حدث إذن؟ كيف حدث إذن أن الزمن الذي نعيش فيه أو يفرض علينا باسم الحداثة والتقدم أو باسم العالم الأول، كيف حدث أن يستعبدنا؟ وأن ترتبط به حياتنا ارتباطاً يكاد يكون في مستوى الوجود ذاته؟ كيف حدث أن يستعبد الزمنُ الإنسانَ بدلاً من أن يحرره؟ إنه زمن الآلة، إنها الآلة.. آلة الاستعباد سياسياً واقتصادياً؛ لكن يظل السؤال ملحاً، كيف أمكن أن يصبح الإنسان مبدع الآلة وسيدها تابعاً لها؟ ولماذا؟ كيف أمكن أن ينظر إلى الآلة كأنها الأكثر ذكاء وتعقلاً من الإنسان نفسه؟ وكيف حلَّ زمنُ الآلة الذي يبشرنا بالإبادة المتواصلة وبالموت اللا متناهي محلَّ زمن الطبيعة، زمن الحياة اللا متناهية، زمن الحب والشعر، زمن الصداقة والحرية والإبداع؟ وعلينا جميعاً أن نلاحظ أن زمن الآلة يزداد شراسةً في تطويق الإنسان بكل ما يهدد وجوده على هذا الكوكب البديع، الأرض الأم، ولا ينحصر هذا التهديد في البيئة والمناخ وتدمير البشر ومنجزاتهم الحضارية الفريدة والهجرات فردية وجماعية وطوفان البحار والمحيطات؛ حيث تغرق المدن ويتناقص الغذاء ويسود الجفاف وتنقرض الأنواع، وإنما يتخطى ذلك إلى الوباء التدميري الشامل بأشكاله العديدة المختلفة الذي يبتدعه البشر أنفسهم.. هكذا يبشرنا زمن الآلة؛ أننا سندخل في زمن ما بعد الإنسان، زمن الروبوتات نقيض كامل لزمن الطبيعة، والإنسان نفسه، ونقيض كامل لأُمِّنا الأرض، وطن الإنسان واصل الحياة وهكذا نصل إلى الحياة في ثقافة تواجه الحاضر بالغائب، وتطرح الأسئلة على الماضي؛ لكي يرسم لها صورةَ المستقبل، كم هو الزمن إذن وبخاصة في صيغة المستقبل، غامض خطر مرعب، كم هو كذلك حتى أمام أعيننا وبين أيدينا، لكأنه يبدو لي شخصياً مجسداً في مجمع آلي ضخم يتمدَّد متشعباً إلى ما لا نهاية في الاتجاهات كلها، ناشراً السموم والكوارث في هذا الهواء الكوني الطلق؛ لكن يبقى في جحيم هذا كله، وضد هذا كله زمن آخر هو زمن الطبيعة، زمن الإنسان، الطبيعة، زمن الإنسان عقلاً وجسداً وطاقات خلاقة، وها نحن جميعاً في هذه القاعة نجيء من أمكنة مختلفة، ويجمعنا معاً على تباعدها وتباينها مكان واحد، ونشترك ثقافياً وعلمياً في قضايا ثقافية واحدة؛ لكننا في الوقت نفسه نختلف على أكثر من صعيد، وتتباين آراؤنا في معنى الحب والشعر والجمال والحرية والصداقة وفي غيرها كذلك، ذلك أن هذه كلها لا تجيء من المشترك العام أو لا تجيء من الآلة وثقافتها وإنما تجيء من الطبيعة، من الفرادة الخاصة بكل شخص منا، فمن المستحيل أن يحلم الإنسانُ نفسه الذي يحلمُ به الآخر القريب، ولو كان أخاه أو أُمَّه أو أباه، فكيف يمكن إذن أن يحلم حلمَ الآخر البعيد الذي لا يعرفه؟ هكذا يستحيل على البشر أن يعيشوا جميعاً في زمن واحد إلا شكلياً وبالدلالة التجريدية المحضة، وفي هذا بالضبط سر فراداتهم وهوياتهم، فلكل منا زمنه الخاص داخل الزمن العام الشامل، والأشياء هي وحدها تتساوى أزمنة وأمكنة. 

اسمحوا لي هنا أن أذكر اسماً عربياً آخر هو الفيلسوف الفارابي، وأن أقدم إليكم عبارة فريدة وعالية في هذا الإطار الذي نتحدث عنه، تقول العبارة "كل موجود في ذاته فذاته له، وكل موجود في آلة، أياً كانت، فذاته لغيره"، وسؤال الإنسان عن الزمن في ضوء هذه الكلمة يبدأ بسؤال الإنسان عن نفسه (هل أنا موجود في ذاتي؟ وكيف؟ ولماذا؟)، وما هذه الآلة التي تنفيني أو تحولني أنا نفسي إلى آلة، ذلك أن البحث في مسألة الزمان هو بحث في الكينونة، وبحث في الهوية ومعناها، وسؤالي أنا شخصياً بوصفي عربياً هو: هل أحيا وأفكر وأكتب وأعمل في زمن يمكن أن أسميه إبداعياً زمناً عربياً علماً وفناً وفلسفةً واقتصاداً وسياسةً وسيادةً وإرادةً أم أنني على العكس أحيا في زمن الآخرين؟ لكن عليَّ أن أسأل كيف؟ ولماذا؟ التبعية لزمن الآخرين تعني أن الذات لا هوية لها، ولا سيادة لها حتى على نفسها، ومن لا سيادة له لا إرادة له، يكون مجرد أداة لآخرين يصنعون بها أزمنتهم ويفرضونها، ويعممون بطريقة أو بأخرى قليلاً أو كثيراً، وذلك هو الاستعمار الاستعبادي من داخل في أعلى أشكاله؛ لكن انطلاقاً من هذه الذاتية التي هي جوهر الإنسان واستناداً إليها يمكن القول إن زمن الآلة مهما كان طاغياً عاجزٌ عن استئصال الإنسان من الطبيعة في صورتها العليا، يستحيل أن يكون للآلة رحم وطفل ورضاعة، يستحيل أن تعشق أو تحب أو تصادق أو تبدع أو تحلم، يستحيل عليها قبل كل شيء أن تفعل أيَّ شيء إلا بإشراف الإنسان وتعليمه وقيادته، والعلة إذن ليست في الآلة نفسها أو في زمنها، وإنما العلة في العقل الذي يستخدمها، العلة في الإنسان نفسه. ولأن الوجود كان سؤالاً يتجدد باستمرار وينتظر جواباً يتجدد هو أيضاً باستمرار؛ فإن قوة الإنسان الأولى لا تكمن في الأجوبة مهما عَلَت، وإنما تكمن على العكس في الأسئلة، يستحيل على الآلة أن تطرح بذاتها وبلسانها وشفتَيها في معزل عن سيادة الإنسان وإرادته، أيَّ سؤال؛ لا على الوجود ولا على نفسها.

بعبارة موجزة؛ الإنسان مبدع الآلة والإنسان سيدها، والعلة مرة ثانية هي في هذا الإنسان نفسه.

أصل إلى الخلاصة التالية: مهما تغيَّرت الأزمنة أو تعددت يبقى زمنان رئيسان؛ زمن الذات وزمن الآخر، وهو زمن ليس آلةً، ليس برميلاً يتدحرج فيه الإنسان، وليس ظلاً يأوي إليه، وليس أدوات يستعيرها، وليس لباساً يتزيَّ به. إنه بالأحرى قلب آخر يحيط بقلب الإنسان، وينبوع حياة يتدفق داخلاً إلى الذات خارجاً منها إلى ما حولها. الإنسان بتعبير آخر هو الزمان، وفيه تتلاقى لحظات الحرية ولحظات الإبداع، لحظات الانعتاق مما انتهى، والانخراط في اللحظات التي تبدع ما يأتي؛ حيث يحيا الإنسان طبيعته الخلاقة حلماً وعملاً ذاتاً وآخر وزمن الإنسان. إذن إما أن يكون حرية أولى وابتكاراً متواصلاً وإما أن يكون قيداً وسجناً، ذلك هو المفتاح الأساس لعلاقة الإنسان بنفسه ولعلاقته بالإنسان الآخر، ولعلاقته بالعالم؛ وهو نفسه مفتاح لأبواب الزمن ومعناه، بلى؛ لا زمن لمن يعيش ويفكر ويعمل تابعاً لزمن الآخرين، لا زمن لمن لا يبتكر زمناً، قُل لي ما زمنك وسوف أقول لك ما مكانك ومَن أنت.

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...