غوستاف لوبون : خلاصة كتاب الآراء والمعتقدات

غوستاف لوبون : خلاصة كتاب الآراء والمعتقدات

كان طبيبًا عاشقًا لروح الحضارة والتاريخ، فضوليّا لكشف أعمال الفلاسفة، يتضور من جوع الحاجة إلى الاكتشاف والعمل في تفكيك الأمم، شراهته في التهام العلوم الإنسانية كانت شديدة الوطء على القرّاء بشكلها الإيجابيّ والغزير، أراد سبر أغوار المجتمعات من خلال دراساته التي ولدت لنا مؤلفات عديدة فمن كتاب حضارة الهند وفلسفة التاريخ إلى كتاب سيكولوجية الجماهير وروح الجماعات وغيرها العديد، وأخيرًا كتابنا المرجو شرحه الآراء والمعتقدات.

 اهتم غوستاف لوبون بالفكر والإرث الذي تركه لنا الأجداد ليوصله إلى الجميع من خلال الحبر والورق، شد انتباهه تكوين الشعوب تاريخيًا ودينيًا وفلسفيًا فما برح إلا أن يكتب عنهم، كانت له عدة سقطات وخاصة الوصمة التي وُصِم بها حول معاداته للسامية التي يلصقها بها البعض، غير أنه وبغض النظر عن كل ذلك لا يمكن للمرء إلا أن يشيد بدوره المهم ومجهوداته في عدة ميادين من العلم.

ستجدون في هذا الكتاب اعتمادًا على طبعة دار عصير الكتب ترجمة عادل زعيتر في 335 صفحة، خلاصة تفسيّرية أو مراجعة تشرح أهم ما جاء في كتاب الآراء والمعتقدات حسب فصول وأجزاء معيّنة، في محاولة منا لتقريب مقاصده الفكرية أكثر.


كوجيتو الشعور

اللذة والألم:

إنّ حياة الإنسان قائمة بأكملها على استقطاب اللذّة والابتعاد عن الألم أي الوصول إلى السعادة، وإن اللذّة لا تكون إلا عبر الألم ولأقدم مثالًا شخصيًّا يشرح مقصد هذا الأمر لنا أن نتخيل أن هناك شخص يريد الوصول إلى قمة جبل متسلقًا، يبدو أنّه من الطبيعيّ وجوب أن يعاني ويصارع ويتألم حتى يصل إليه ليشعر بلذّة تحقيق هدفه، فلو وصل إلى القمة عبر طائرة الهيليكوبتر لن يكون لهذا أي معنى تبعا لذلك لن توجد اللذّة.


إنّ اللذّة والألم تحددهما الرغبة أولًا فالباحث الذي يجد لذّته في كتابة المؤلفات والبحوث يتحصل عليها من مبعث رغبته في الأمر وبهذا هو يختلف عن من يرى ويرغب في أن تكون لذتّه نابعة من إنجاز آخر. أما الأمل الذي لا يخلو من الأهمية فهو اللذة المرجوة مستقبلًا.

اللاشعور:

إنّ الشعور يأتي من اللاشعور الموروث من الأجداد في حركة تطور قديمة ولكي نفهم اللاشعور فهو مثل الإلهام الذي يصدر من المرء بطريقة لم يردها كمثال طرحه غوستاف، ويوجد في اللاشعور ثلاثة أنواع هي:

اللاشعور العضويّ: يخص الحياة البيولوجية والطبيعة.

-اللاشعور العاطفيّ: وهو غنيّ عن الشرح يخص الأحاسيس والمشاعر.

-اللاشعور الذهنيّ: حيث يُشحد بالتربية.

الشعور:


إن الشعور ينبع من منبع اللاشعور، وهو يتألف من ثلاثة أصناف كذلك هي:

الانفعالات: أي كل ما هو رد فعل من غضب وخوف.

الأحوال: وهي كل ما يلازم حالة الإنسان مثل اللطف والرفق.
الحرص: وهو كل ما هو صادر عن مشاعر شديدة وملاصقة للإنسان تستطيع التاثير عليه بسهولة مثل الحب والكره.

وإنّ للشعور ذاكرة لكنها قصيرة الأمد والتأثير إذا لم تُستذكر لهذا فهي تحتاج لتحفيزها وإيقاظها مثل عملاق نائم عبر الإعلام والخطب السياسية والطقوس إذا ما أرادوا لها البقاء، عكس ذاكرة العقل طويلة الأمد التي جلبت لنا الإرث الحضاريّ من آداب وفنون غير أنه لا يخفى على أحد مدى احتياج هذا الإرث إلى شعور الإنسان فالفنون التي وصلتنا والأساطير قد لعب الشعور الدينيّ والفنيّ والسياسيّ فيها دورًا كبيرًا مُشَكِلةً معتقدات، غير أنّها سُيرت وحُفظت من قبل العقل.


أنواع المنطق

منطق الحياة: هو كل ما يخص الطبيعة ونظامها من حفظ النوع وغريزة البقاء والنمو والارتقاء بالكائنات والحياة وهو يسري في الكون غصبًا عن إرادتنا.

المنطق العاطفيّ: هو المنطق الذي يخص كل ما من شأنه أن يتعلق بالعواطف والمشاعر والأحاسيس التي تخاطب وجدان المرء وكلما كان المرء عاطفيًّا أكثر أو ميالًا لعرض مشاعره وإظهارها في مسرح الأحداث فإنّ التأثير عليه بالعاطفة يحتل مكانة قويّة.

المنطق الدينيّ: إنّه المنطق الذي يمسّ المواضيع الدينيّة والاعتقاديّة عند الفرد باختلاف أديانهم وتوجهاتهم، يغلب عليه طابع السذاجة وسرعة الوصول إلى اليقين والانتشار كما يقول غوستاف لوبون.

 المنطق الجماهيريّ: يُبعث من خلال تشكل الجماعة وما ينتج منه، وكلما كان الشخص يفضل الالتصاق بقبيلته أو جماعته أكثر سَهل على الناس التأثير عليه عبر هذا المنطق.

المنطق العقليّ: هو المنطق الذي ينطلق من المنهج العلميّ والاستدلالي الذي يفحص ويدقق في الأشياء ويجعل من الشكّ أول أعمدته والتأمل والتجربة ثانيها وثالثها.

إنّ أول منطق ظهر في تاريخ الأرض هو منطق الحياة الذي بدأ به العالم ثم يأتي بعده أكثر منطق تأثيرًا وانتشارًا بين الناس وهو المنطق العاطفيّ يليه المنطق الدينيّ الذي يجمعه كذلك من خلال مخاطبة العواطف عن طريق الإلهيّات والروحانيّات ثم يليهما المنطق الجماهيريّ الذي يجمع العاطفة والدين معًا على شاكلة شعب أو أمة في مميزاتها الفكريّة والقوميّة والإجتماعيّة، ثم أخيرًا المنطق العقليّ الذي هو أضعف منطق من ناحية التأثير حيث لا نجده إلا عند أقلية من الأشخاص.


حروب المنطق

إنّ كل إنسان وكيفية رؤيته للحياة من زاويته فهناك من يغلب عليه المنطق العاطفيّ في تفسيره للحياة واتخاذ قراراته وردات فعله وهناك من يغلب عليه المنطق الدينيّ، غير أنّ أقلّ منطق يغلب على الفرد هو المنطق العقليّ الذي هو أحدثها كلها حيث برز وتطور بمرور الوقت ومع ازدهار الحضارات وتقدم ملكات الإنسان، كما أنه منطق أشبه بجثة حين يقف في مواجهة البقية حيث يسهل عليهم دحضه ورميه بعيدًا.

غير أنّ غلبة منطق على آخر ليست مطلقة أو كليّة فيها؛ لأن الإنسان يتأثر بجميعها ولا يستلزم بالضرورة أن يكون هناك ممسوسون بمنطق واحد فهذا زعم خاطئ، فالمنطق العاطفيّ والدينيّ والجماهيريّ يتماشَوْن معًا في معظم الحالات وهناك من نجده يستعمل منطقه العقليّ في جل حياته العلمية والعملية لكنه يتعطل حين يقابل الدين فنراه مؤمنًا بكل ما في هذا الأخير وأحيانًا نجد أشخاص لادينيين يقفون في وجه المنطق الدينيّ بشراسة لكنهم سرعان ما يجعلون من موقفهم اللاديني مجرد معتقد آخر ومنطقا دينيًّا أو عاطفيًّا أو جمعيًّا.

إن المنطق العاطفيّ والدينيّ والجماهيريّ يمكن أن يُتِم تطويره وإنمائه بفعل بيئة الإنسان التي يعيش فيها من خلال التربيّة والتقاليد والعادات. وحتى الغرائز التي لها سطوة كبيرة على الإنسان يُمكن أن يُكبح جماحها بفعل هذه الأنواع من المنطق وما تضخه من خوف من العقاب وطمع في الثواب والعيش في جماعة أو حضارة.
 وإنّ البطولة كمثال يورده غوستاف أي القيام بالأعمال البطولية والمخاطرة بالنفس مثل إنقاذ شخص يغرق لا يُتم بالمنطق العقليّ فلو كان يتم عبر ذلك ما استطاع الإنسان أن يقفز و ينقذ غيره بل يُتم من خلال العاطفة التي لا تتأمل ولا تفكر في عواقب الأمور.

وأيّ رجل سياسة يريد إحكام قبضته على يد شعوبه يستعمل معهم المنطق العاطفيّ والدينيّ ليثيرهم ويحفظهم على نحو ما يريد ومن هذا المبعث تحدث ثورات الشعوب ويُخرق القانون بسببها، لكن كل هذا يكون عبر استعمال القائد منطقه العقلي لينجح في خطته كما فعل نابوليون.**

الآراء والمعتقدات

إنّ الآراء والمعتقدات هي من فصيلة واحدة، فالمعتقد هو شامل سواءً كان دينيًّا أو سياسيًّا أو اجتماعيًّا حيث لا عقل له، أما الرأي فهو كذلك يدخل داخل هذه الدائرة ويخوض فيها من فرد لفرد ويمكن للرأي أن يخص الجانب العلميّ والعقليّ لكن غوستاف لوبون يذهب في كتابه حول المعتقدات والآراء التي تصاحب الدين العاطفة والجماعة والحياة أكثر من أيّ شأن آخر.

إنّ المعتقد يتصل بالإنسان عبر اللإرادة واللاعقل ويجمع اللاشعور مع الشعور حيث يُشَكل جميع مجالاتنا الحياتيّة من دين وسياسة إلى أخلاق، كما أنه يختلف عن المعرفة التي تتصل بالعقل فقط فأي معتقد يرغب صاحبه في برهنته عبر التأمّل والتجربة فهو بذلك يصير معرفة إذا تمت البرهنة طبعًا، إن المعرفة كذلك تستلزم الشكّ والريبة عكس المعتقد الذي يوجب الإيمان والتأثر العاطفي والقبول من أول مرة. وإن المشاعر التي تتحكم في المعتقد لا تتطور بل تبقى نفسها عكس المعرفة والعلم.


مكونات الآراء والمعتقدات:

الأخلاق: تلعب الأخلاق دورًا مهمًا في تكوين معتقد وآراء الفرد حول عدة اتجاهات فالثوريون مثلًا والذين يصفهم مؤرخنا بالمنحطين لا يميلون إلى التخلّق والأخذ بالأخلاق التي تجعلهم بعيدين عن مثل كهذا ثورات واندفاع عكس المحافظون.

المثل الأعلى: وهو أسمى قمة للمعتقد يراها الفرد غاية وهدف أو ما يميز مذهبه سواء كانت مستقيمة أو منحرفة فهو في عينه كلُّ الصواب.

الإحتياجات: إنّ تطور الحضارة كان عبر الإحتياجات، فإنسان الكهوف قد خرج منها لحاجته إلى الغذاء وإن الحاجة هي التي جعلت البشرية تتقاتل فيما بينها، إن الدين هو بحاجة كذلك إلى تفسير الكون وإن الحاجة هي التي تجعل المرء يسلك معتقدًا ثوريًا، كما أنها مرتبطة باللذة والألم أيضًا حسبه.

المنفعة: إنّ المنفعة لها قدرة سحرية على تحويل رجل السياسة نحو رفض اتجاه ما حين لا يجد منفعته فيه وقبوله مجددًا عند لمسه منفعة فيه، وللإيضاح أكثر حول رؤية غوستاف لوبون يمكنني تقديم أمثلة مثل: اعتناق دين معين لأجل منفعة فيه كالجنة أو مغانم يفوز بها مؤمنيه الشيء الذي يجر المرء إليه، غير أن المنفعة كما يرى صاحب الكتاب في أغلب الأوقات يمكن أن تؤدي إلى انحلال الأخلاق.

الحرص: إنّ الحالات الثابتة التي سبق أن ذكرناها تمنع الإنسان في أن يرى الأمور كما هي، كما أنه يتعصب عن كره لخصومه ولآراء أخرى، وإن الحرص السلبي هو ما يسيطر أكثر علينا مقارنة بالحرص الإيجابي مثل الحب.

العرق: يلعب العرق دورًا هامًا في ذلك والعرق ليس جينيًا بل هو روح الشعب وتقاليده وبيئته وكل أمة مطبوعة بهذه الشؤون، بل حتى في طبقات المجتمع نعثر على الاختلافات، فيكون مثلًا رأي العامل ليس كرأي النبلاء.

العوامل المتحكمة في الآراء و المعتقدات:

التلقين: إنّ الجرائد، والكتب، والإعلام، والقادة يتحكمون ويضخون مزيدًا من المعتقدات في الشعوب وغرسها مع إطالة ذاكرتها.

الانطباعات الأولى: وهي أول ردة فعل تصدر عن المرء حيال شأن ما يصبح بعد ذلك رأيًا ومعتقدًا ثابتًا، فالناس لا يحبون التدقيق واستعمال العقل لأن أول شيء يسودهم هي الانطباعات.

الاحتياج إلى التفسير: الدين مثلًا وليد الحاجة إلى تفسير الكون ومعضلات الوجود.
 الألفاظ والصيغ والصور: الخطابات السياسية، والإعلانات المصورة، والكاريكاتور وكل ما ييشابههم.

 الأوهام: إنّ الخيال  الهلاوس أو ما يتوهمه المرء يلعب دورًا لا يمكن إنكاره في ما يخص المعتقدات ومن يجيد إيهام غيره بأي وسيلة سينجح في جذبه إليه.

الضرورة: إنّ الضرورة تتحكم في آراء الفرد فالمجتمع الفرنسي كمثال يورده الكتاب يعيش على رغم قوانينه التي هي ضرورية له لمواصلة التقدم و نشر الأمن، فالمرء يؤمن باحترام الغير والقانون والحقوق؛ لأنها ضرورية.


السيطرة على الآراء والمعتقدات:

العقل: إنّ العقل وحده يختلف في تناوله للآراء والمعتقدات كما أن عدة آراء ومعتقدات تتغير عند الشعوب أو حتى تندثر ، فمن دين إلى دين و من مذهب إلى آخر يبدله المرء أو الدولة ، ليس حسب العقل بل حسب الزمن والظروف ، غير أنّ العقل يستحيل عليه أن يقدر على مهمة السيطرة عليها مهما حاول.


التجربة:إنّ التجارب وعلى عكس العقل تقلب الآراء والمعتقدات رأسًا على عقب وتتحكم بها. فكم من حادثة حصلت لأمة من الأمم جعلتهم يبتعدون عن معتقدات كانوا ينقادون ورائها! غير أنه ولسطوة هذه المعتقدات وسحرها الذي يخلب العقل فإن الناس لا يعتبرون من التجارب في معظم الحالات إلا إذا كانت شديدة وكارثة عليهم. مثل التعصب الدينيّ وقرارات الفرد المؤمن المتطرفة فكم من حروب دينية وسياسية لا تزال تحدث في عالمنا وتُقرَر بفعل المنطق العاطفي وما يماثله رغم نتائجها الفظيعة على مر التاريخ.


العادة: إنّ العادة هي ما تجعلنا نعمل ذاك وذاك وهي من تساعدنا في حياتنا اليومية على شق طريقنا في الحياة، كما أنّها تمد يد العون للإنسان في التعود وألفة الواقع الذي يواجهه مهما كان شديدًا، وسواء كانت العادات سلبية وايجابية فإن قدرتها بالغة، حيث تقوم عدة معتقدات على العادة التي يمكن أن تُغرس في الناس من خلال التربية.


انتشار الآراء والمعتقدات:

التوكيد والتكرار: وهو الإقرار والتأكيد على اتجاه معين، لا يحتاجان إلى إعمال العقل فيهم ويجب أن يكونا حماسيان مثل هذا التوكيد المطروح من قبل غوستاف لوبون : من يربي الضأن للحصول على أصوافها؟ هو الفلاح، من ينتج الخمر والنبيذ؟ هو الفلاح، من يطعم الطرائد؟ هو الفلاح لكن من يأكل أطيب الخبز وأطرى اللحوم؟ ومن يلبس أفخر الثياب؟ و من يشرب خمر بوردو والشامبانيا؟ و من ينتفع بالطريدة؟ هو ابن الطبقة الثرية.

والتكرار الذي يكرر حتى يعتقد الشخص بصحته مثل: إن الجيوش الألمانية هي دون جيوشنا قوة.

المثال: وهو الاقتداء بشخص أو جماعة أو هدف معين مثل اعتناق عدة شبان الاشتراكية بسبب نجاح بعض الاشتراكيين في العضوية البرلمانية كما يورده الكتاب.

النفوذ: هو سطوة أحد الشخصيات على الفرد حد تقديسه وعبادته.
 العدوى النفسيّة: إنّ المنطق العقليّ لا ينتشر عبر العدوى النفسيّة على عكس الدينيّ وغيره حيث ينتشر عبر الوسط والتربية والبيئة والمصاحبة كأن تمتهن السرقة بفعل احتكاكك بمجموعة لصوص، وكذلك عن طريق الحوادث التي تنشرها الصحف حيث تساهم في نشر حوادث القتل التي تؤثر عليهم فينحازون إليها ويقلدونها، كما يلعب الخوف دورًا في العدوى النفسية فهو يُعد من بين أقوى المشاعر الانفعالية الذي يجر بالمرء إلى اعتناق معتقد أو رأي ما.

الطراز : و هو كل ما على شاكلة اللباس، والتمثيل، والفنون. يلعب فيه الإقتصاد، والبيئة، والدين، والعاطفة، والعقل أدوارهم ويتحكمون به كما أنّ الطراز يقوم على الجماعة وقبوله وأي طراز فردي يضمحل وكل هذا يمكن تبسيطه عبر طرح أمثلة مثل الملابس التقليديّة التي تتحكم فيها الجماعة أوالعصريّة التي تتحكم فيها الجماعة كذلك والاقتصاد والبيئة والمناخ والفنون، والملابس الدينيّة.

الكتب والإعلانات: إن الأمريكيّين أساتذة العالم في الإعلانات والترويج للأفكار والأشخاص حسب غوستاف لوبون.

جريان الآراء: لجريان الآراء قوة كبيرة في اتخاذ القرار فتوحد الناس على آراء معينة ونشرها بينهم أو مواقفهم حول حدث جراء الكتب والإعلانات والعدوى النفسيّة خاصة الأحداث السياسية يولد قرارات مصيرية حتى في شؤون الحكم كما يجر إلى ثوران الآراء.

ثوران الآراء: و هي الانفعالات الشعبية التي تتولد جراء جريان الآراء وردة فعلهم حد إشعالهم لشرارة الثورة حيث يقول مؤرخنا أن الجماعة تثور و تستعمل بفعل العدوى من دون حتى أن تعرف صواب ذلك الرأي أو إذا ما كان صادقًا أو احتمال إمكانية نفعه لهم، وإن الكثير من الحروب نسبةً لزعمه حدثت جراء ذلك مثل فتن برلين وعصيان برشلونة والإنقلاب التركي.

تشدد المعتقدات والآراء:

إنّ المعتقد غير متسامح بشكل قاسي بالأخص حين نراه في الدين والعاطفة وعند الجمهور، فجميعها يشترك فيها جماعة من الأشخاص من دون نسيانها اختلافها وجهات نظرها من فرد لآخر وانقسامها وتشتتها عكس العقل الذي يستخدمه الأقلية التي تعتني بالحضارة والتي تحب إخراج ما تنتجه حسب قواعد ثابتة كما يرجون، عكس الأكثرية التي لا يهمها غير الخوض في الآراء والمعتقدات والقفز من معتقد لآخر والتقاتل فيما بينها. وإنه من الأفضل حسب رأي غوستاف لوبون أن تبقى الأقلية التي تعتني بالحضارة أقليّة وإلا ستسود الفوضى إذا صار العكس.

إنّ المعتقدات والآراء قد يصل بها الأمر حد تجاهل الحشمة  السلطة وفي هذا يعطينا غوستاف مثالًا للقديسة بيربيتوا** التي كانت ابنة أحد أعضاء مجلس شيوخ قرطاجنة والتي اعتنقت المسيحيّة سرًّا، لقد فضّلت في الأخير أن تُعرض عارية على الملأ لتنهش جسدها بعد ذلك الحيوانات على أن تَحرق اللبان في الهيكل الإمبراطوريّ.

إنّ الإيمان يتطلب اليقين الأعمى والمطلق وبذلك فإن المؤمن يؤمن من دون أدلة، وحين يمنح الشخص أدلة على صحة إيمانه أو يدعي أنّ إيمانه مطابق للعقل ما الأمر إلا سذاجة وسرعة تصديق حسب غوستاف وإن السّحرة من أكبر الأمثلة على هذه السذاجة التي تصدق ألاعيبهم حتى الآن.


ثبات وتقلب المعتقدات:

إنّ المعتقدات تحتاج دومًا إلى إعادة إحياء وتذكّر كما أسلفنا الذكر لأنها تتقلب تقليبًا، فغوستاف لوبون يرى أنه لو حدث اندثار طقوس دينٍ معيّن كالحج والأعياد الدينيّة واختفى بذلك من حياة الفرد فسوف يُفقد هذا المعتقد شكله والديانة مع مرور الوقت؛ لأن هذه الطقوس هي ما تمثله وهي ما تجعل المعتقد يثبت في الشخص وما معابد المصريين القدماء إلا نوعًا من هذه المظاهر و لهذا فإنّ العدوّ حين يدخل محتلًا أمة ويحطم هياكلها ومعالمها المقدّسة هو في الحقيقة يهدف إلى إلغاء آلهتها.

غير أن المعتقدات بأنواعها لا تفنى على الإطلاق بل تتطور، حتى عند قدوم معتقد جديد فلا شكّ أنه سينهل من نهر المعتقد السابق ويتبنى عدة أمور فيه بما في ذلك الطقوس، وإنّ المعتقد الأقوى هو الذي يتغلب على باقي المعتقدات سواء من ناحية قوة التبليغ أو قوة سلطته ونشره وتأثيره لكنه سرعان ما ينقسم إلى طوائف ومذاهب واتجاهات، فالمعتقد ينتشر ويتقلب ويتحول بشكل سريع لكن أعمدته الأساسية باقية إذا ما اختفى، ولا يختلف المذهب عن المعتقد الرئيسيّ فهو أشد تعصب من المعتقد وحسب لوبون فإن البروتستانتيّة مذهب الإصلاح المسيحيّ الذي خرج من يد لوثر** هو من أكثر المذاهب تعصبًا في التاريخ على عكس ما يراه المرء وإن كالفين** بنفسه يقول: يجب على أولئك أن يضهدوا هؤلاء.

كما أنّ التوحيد الدينيّ عند غوستاف هو شيء أضّر أكثر مما نفع وهو بذلك يرى أنّه كان من الأفضل لو ظلّ الإنسان يُعَدِّد الآلهة على توحيدها الذي جر البشرية لحروب ودوغمًا شديدة.إنّ المعتقدات السياسيّة أو الشعبية يمكن لها أن تصبح دينية أو مثلها وأهم دليل على ذلك التقديس الذي حصل لعدة شخصيات سياسيّة حد تأليهها مثل نابوليون بونابرت الذي عبده بعض الأشخاص وما للأمر من حماس واندفاع يمس أصحابه. كما أن التعامل مع المذاهب والاتجاهات السياسيّة لا يقدر عليه غير الدين فلا اختلاف حول كون السياسة متفقة معه، فالشيوعية أكبر مثال على ذلك عند غوستاف، فها هي هي الكاثوليكيّة التي يقوم دينها المسيحيّ على المساواة بين الجميع واحتقار الأغنياء كانت من أشد المؤيدين الشيوعية في بلجيكا كونها تذهب إلى ما تذهب إليه.

خاتمة

لقد حاول مؤرخنا في هذا الكتاب أن يدرس الآراء والمعتقدات من ناحية مختلفة وغير مألوفة بعيدًا عن الأساليب التي ينتهجها علماء النفس والتي كانت عاجزة على أن تفكها جميعها كما ادعى، وإنّ القارئ لكتابه سرعان ما يلحظ أنّ غوستاف لوبون بنفسه لم يستطع التخلي عن عدة معتقدات وآراء له كانت تطل بوضوح من بين حروف كلماته مثل شعوره السلبي اتجاه الاشتراكيين أو ميله إلى المحافظة ورأيه في المرأة الذي لا يخلو من السذاجة وكذلك وجهة نظره حول الأديان.

إنّ سطوة الآراء والمعتقدات لكبيرة حد تأثيرها على الباحث الذي يكتب عنها مهما كان مركزه ومهما كان ميالًا للمنطق العقليّ فلا عجب في أنّ الناس يفضلون دومًا الموضوعيّة والأكاديميّة لاعتقادهم أنّها نزيهة بشكل مطلق، إنّ الآراء والمعتقدات تشابه الشبكة العنكبوتيّة التي تظل حتى حين نظن أننا أفسدناها وقطعنا أوصالها، لا نراها بالعين لكنها تظل في العمق وعلى السطح.

 


المحطة