" قانون النسخ "

اسماعيل زين العابدين: يوجد في هذا الكون قانون "النسخ" - النسخ بمعنى الإزالة - وهو أن "الأعلى نفعاً أو الأكثر نفعاً لأكبر عدد ممكن من الناس ولأطول فترة زمنية ممكنة ينسخ الأدنى نفعاً أو الأقل نفعاً لأقل عدد ممكن من الناس" . وإذا عدنا للواقع التاريخي الماضي والحالي والمستقبلي أيضاً سنرى هذا القانون العام لايتوقف عن العمل. اكتشاف الزراعة نسخ الجمع والالتقاط والصيد . الديمقراطية نسخت حق الملوك الإلهي والفراعنة والديكتاتورية - مازالت الديكتاتورية في البلاد العربية فقط وهي في طريقها للزوال مهما بدت لنا أبدية - لا شيء ولا أحد فوق قانون النسخ - السيارات والطائرات نسخت الحيوانات في السفر والتنقل - و"كبسولات الرصاصة" ستنسخ السيارات والقطارات في المستقبل القريب وأجريت التجربة ونجحت - الآلات نسخت العضلات . البارود نسخ السيوف والرماح . والقنابل النووية نسخت البارود ونسخت الحرب بين الكبار في العالم ماعدا الصغار الذين يتقاتلون بالبارود ومشتقاته ولكن سيزول هذا في النهاية. الطاقة النووية نسخت الطاقة الكهربائية في التنوير والتدفئة في بعض دول العالم. الجرار الحديث نسخ المحراث القديم. العالمية نسخت - او في طريق نسخ - القوميات والعنصريات والطوائف وذلك الافتخار بالانتماء لبلد معين أو لون معين او عرق معين  أو طائفة معينة هو من بقايا الانتماء القبلي للقبيلة الذي عاشه الإنسان طويلاً ، وهو في طريقه للنسخ التام في النهاية. قانون النسخ ساري المفعول على الأفكار وعلى التكنولوجيا. الكمبيوتر الأكثر تطوراً نسخ الكمبيوتر الأدنى تطوراً. الموبايل الأحدث ينسخ الموبايل الأقدم حتى لم نعد نستطيع اللحاق بالتطورات وعمليات النسخ السريعة. ليس هناك مقاييس دقيقة للخير والشر. فماهو خير عندك شر عندي والعكس، وماهو خير في مجتمع شر في مجتمع اخر والعكس. هذه النسبية البشرية في الخير والشر فوقها "قانون النسخ المطلق ". ليس هناك عبث. نابليون اكتسح العالم وكان له ضجيج ولكنه انطفأ أخيراً ومات معزولاً منفياً في جزيرة نائية. وحتى هتلر الذي أشعل العالم مات منتحراً مهزوماً تحت رحمة أربع جيوش. بإمكاننا أن نمجد من نشاء وما نشاء، ونعيب من نشاء وما نشاء، ونسمي الخير شراً والشر خيراً ونطلق على الهزائم انتصارات. ولكن قانون النسخ التاريخي لايحابي أحداً ولايرحم أحداً. الأسماء والمصطلحات والألقاب لاتعني شيئاً ولن تغير الوقائع الأصلية. الكثيرون يعتبرون الديمقراطية شر وكفر في البلاد العربية ولكن حبهم او كرههم او تحقيرهم لن تجعل الديمقراطية تكف عن الانتصار في مختلف المجالات في الدول الديمقراطية. راسكولنيكوف-في رواية الجريمة والعقاب الذي قتل مرابية عجوز واختها لأنه كان مفتوناً بنابليون - في نهاية الرواية بدأ رحلته التدريجية نحو ميلاده الجديد - بعيداً عن نابليون - في السجن بعد صدمة الحب اللامشروط وصدمة الإنجيل التي قامت بهما سونيا في القصة . ونابليون لم يعد سوى أسطورة او قصة للتسلية ولن يظهر نابليون جديد في أوروبا لأن الاتحاد الأوروبي نسخ هتلر ونسخ نابليون وألمانيا ليست فوق الجميع وفرنسا ليست فوق الجميع. اتحدت أوروبا بدون هتلر وبدون نابليون وبدون حرب وبدون فتح عسكري.

ومن يعمل لصالح الإنسانية سوف ينسخ من يعمل لمصالحه فقط أو لمصالح بلده فقط أو طائفته فقط. الحدود أصبحت فكرة مجردة. وبهذا الجهاز الصغير الذي معي ومعك نستطيع اختراق كل الحدود وأن نتواصل مع أي شخص واي مكان في العالم. وهذا يساهم في انتشار وترسيخ فكرة "العالمية" ضد فكرة "القومية والمذهبية والطائفية والعرقية العنصرية". هل العالمية خير أم شر؟ عندما نتوه ونحتار ننتظر الزمن وقانون النسخ ليؤدي فعله الساحر . عقلي أو عقلك ليس المقياس. عقولنا تخلط بين الحقائق والأوهام وتتلاعب بالكلمات وقد يسيطر عليها الخيالات الجامحة. ليست المسألة بالامنيات والأحلام. فكل واحد يرى مايريد ان يرى ولكن قانون النسخ لايجامل المسلمين لأنهم مسلمين والآن نحن منسوخون في العالم ونقتل بعضنا البعض لأجل خرافات واوهام ولهذا لانعيش بسلام وكرامة وامن في بلادنا وهائمون على وجوهنا خلف الحدود والجنود والقيود ننتظر الخلاص من الدول الديمقراطية كي تؤوينا عندها.. واللامسلمون الديمقراطيون يعيشون بسلام وأمن في بلادهم ونحن نحلم بالوصول إليهم. مهما غازلنا أنفسنا ومهما احتقرنا غيرنا، قانون النسخ لايغازل أحداً. 

والإنسان مخلوق عنيد ولكنه تلميذ نجيب وقانون النسخ أستاذ صبور.. الخير الأقل نفعاً يزول وسيزول والشر الأكثر ضرراً يزول وسيزول. حسب برتراند راسل بالإمكان الآن مسح الفقر بالوسائل التكنولوجية مسحاً تاماً من الكرة الأرضية كلها. الأدوات جاهزة وسيتم هذا في المستقبل. لايصدنا انتصار الشر المؤقت الزائل العابر عن الإيمان بالقانون التاريخي الصارم. حتى التلذذ بالتعذيب والسادية والمازوخية لن تفلت من قانون النسخ.

كتب فرانتز فانون الافريقي كتاب "معذبو الأرض" وكان عالم نفس يناضل ضد الاستعمار. وعالج في عيادته الضحايا والجلادين. الذين تعرضوا للتعذيب والذين قاموا بالتعذيب،فوجد آثار التعذيب المروعة على الطبيعة البشرية حتى عند الذين كانوا يعذبون الآخرين. الماركيز دي ساد أمضى حياته في السجون . قانون النسخ هو الذي يحاكم السادة والسادية في النهاية. إذن ليس نابليون هو المركز بل "مصير نابليون" هو المركز.. المصير والخواتيم والنهايات هي التي تقطع الجدل العقيم. حسب علم النفس السلوكي : "السلوك البشري يُصان أو يختفي بنتائجه التطورية". قانون النسخ يحتفظ بالسلوك الذي أثبت نفعه ويزيل السلوك الذي لم يثبت نفعه. ليس المقياس كيف ترى أنت السلوك بل ماذا يفعل السلوك في النهاية في العالم. الشر ليس شراً بحد ذاته بل لأنه ضار بالبشر، والخير ليس نافعاً بحد ذاته، بل لأنه مفيد للبشر. يوماً ما ربما كانت الحرب نافعة، اليوم هي مجرد سوق لتصريف السلاح. وسوف يزيلها قانون النسخ من الأرض ويعم السلام العالم. 

 الحرب ليست أبدية... حتى الحروب ستزول - حتى من بلادنا العربية - بعد انتشار العالمية والمساواة. هذا العالم سيتغير ولقد تغير كثيراً في العمق والاتساع وقانون النسخ ماض في عمله للأبد.