آخر المواضيع المتعلقة

عربي

مجتمع

العراق

لبنان

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

المقاومة والمجتمع المقاوم

أصاب الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ، عندما أطلق الشعار المبدأ، الذي استمرّ في الزمان والمكان منذ ثورته وحتى يومنا هذا، عندما قال: المجتمع هو كالبحر بالنسبة للسمكة.
فالمبدأ استمرّ، لأن حروب التحرير لم تتوقّف منذ أيام الزعيم الراحل. كذلك الأمر، لا يمكن فصل التحرير عن المجتمع. فالتحرير هو للمجتمع، ومن نير المُحتلّ.
يُخاض التحرير عادة، من قبل النُخب السياسيّة، والتي بدورها تحشد نُخباً عسكريّة، فتضع الاهداف، وتُجمّع الوسائل اللازمة، وتبدأ حربها التحريريّة.
لكنّ ساحة التحرير هي عادة، المدى الجغرافي للوطن، حتى ولو كان لدى المقاومة ملاذاً آمناً خارج أرض هذا الوطن. والشعب عادة، هو الذي يدفع الثمن، عندما يأتي المُحتل، كذلك الأمر عندما تُحرّر المقاومة.
في ماليزيا، خاضت انكلترا حرباً ضد المقاومة ذات الانتماء الماويّ. وهي نجحت، فقط لانه كان لتلك المقاومة بُعد خارجيّ مؤثّر. ولان إنكلترا، استطاعت ان تفصل الشعب الماليزي عن المقاومة، وذلك عبر رفع مستوى معيشتهم، وتأمين سبل العيش الكريم لهم. وهي نجحت ايضاً، فقط لأنها وعدت الشعب الماليزي، أنها ستنسحب، وتعطيهم الاستقلال، عند الانتهاء من ضرب المقاومة.
حاولت أميركا الاستراتيجيّة نفسها في العراق. حتى الآن فشلت، فقط لانها لم تستطع عزل المقاومة عن المجتمع. فهي أطاحت بالنظام، وغيّرت التركيبة الداخليّة السياسيّة، لكن من دون ان تستطيع إيجاد توازن جديد يُرضي كلّ الفرقاء. وعندما حاولت اميركا، إعادة إعمار العراق، سعت المقاومة إلى ضرب المشاريع الإنمائيّة كلّها. عندها، شعر المجتمع العراقي، أن القادم الجديد، هو أسوأ من الذي كان. بناء عليه، تعثّر المشروع الأميركي.
لا تختلف حالة لبنان عن الحالات المذكورة. فالمقاومة لاسرائيل في الجنوب، كانت قبل حزب الله، وستبقى بعد حزب الله، حتى ولو بصور مختلفة. فالفرق مع حزب الله، هو في مستوى الإنجاز، نوعيّة التركيبة، الاجتماعيّة، السياسيّة، خصوصاً العسكريّة.
قبل حزب الله، خاضت منظّمة التحرير حربها من جنوب لبنان. كان للشيعة دور مهم فيها ولا يزال مستمراً حتى الآن.
في تلك المرحلة، وحتى اختفائه، سعى الإمام المُغيّب موسى الصدر، إلى بناء مجتمع مقاوم. كما سعى إلى جعل الجنوب مركز ثقل الاهتمام الوطني، وتحديد إسرائيل على أنها العدوّ الاوّل. في ذلك الوقت، أراد الامام، ان تكون المقاومة ذات بُعد وطني، وليس ذات بُعد طائفي مذهبي، وبالتحديد شيعي. وعندما خذله الوطن، اكتفى بالبُعد الشيعي، علّها في وقت لاحق تتحوّل هذه المقاومة إلى مقاومة وطنيّة.
عندما اجتاحت إسرائيل لبنان عام ,82 بدأت المقاومة وطنيّة، تحوّلت بعدها إلى شيعيّة <حزب الله>. كانت لهذه المقاومة رعاية إقليميّة على كلّ لم تخض أيّة مقاومة حربها من دون دعم خارجيّ. إلى حدّ ما، قبِل المجتمع اللبناني هذه المقاومة حتى ولو كانت شيعيّة بعكس ما طرحه سابقاً الامام الصدر لكنّه بدأ يتساءل عن مشروعها، خصوصاً بعد إنجاز التحرير.
بغضّ النظر عن الارتباط الاقليمي، لا يمكن تجاهل البُعد الداخليّ لـ حزب الله. فهذا الحزب، ولفترة طويلة كان قد أسّس مجتمعاً مقاوماً، حتى ولو كان ذا بُعد شيعي بحت، وبعيداً عن تأثير الدولة. ألم يقل سيّد المقاومة أنه يخاف من القرار السياسي اللبناني؟ وعندما نقول مجتمعاً مقاوماً، فإنما نقصد تلك الثقافة المقاوماتيّة التراكميّة، منذ تأسيس فكرها مع الإمام المُغيّب. فهناك الخطاب، وهناك السلوك، وهناك المؤسسات، كما هناك التحوّل الجيلي - Generational Change.
فلا يمكن اليوم التوجّه إلى الشيعي في مرحلة حزب الله بعد إنجازه، بالخطاب نفسه الذي كان سائداً أيام الزعامات الشيعيّة التقليديّة الاقطاعيّة. لقد تخطّى المجتمع الشيعي تلك المرحلة، لا بل هو يذكرها ويتذكّرها، فقط كنقيض سيّئ لحالة اليوم.
إن امتداد <حزب الله> في مجتمعه، هو امتداد أفقيّ، وعمودي في الوقت نفسه. وإن فصل الحزب عن مجتمعه خصوصاً الشيعي ولكي ينجح، يعني حسب هذا المنطق، انه يجب إبادة المجتمع الشيعي لا سمح الله. فهل هذا ممكن؟
تكمن معضلة إسرائيل في أنها تملك الكثير من القوّة العسكريّة. والكثير من القوّة، يعني الكثير من الاستعمال. والكثير من الاستعمال يعني الكثير من الأخطاء. والكثير من الأخطاء، يعني الكثير من التراكمات السيّئة في الذاكرة التاريخيّة للآخر وهو هنا العرب وحزب الله والكثير من التراكمات في الذاكرة، يعني الكثير من الحقد. والكثير من الحقد يعني استمرار استعمال العنف، كوسيلة وحيدة للسياسة. ومع كلّ هذه المقاربة، لا يمكن لإسرائيل أن تصمد، خصوصاً في ظلّ المقولة التالية: ينهزم العدو، فقط عندما يقتنع. LEnnemi Est Vaincu Quand il est Convaincu. حتى الآن، لم يقتنع حزب الله، إذا لم ينهزم. كما أن تدمير المجتمع الشيعي بهذه الطريقة، سوف يُقرّب هذا المجتمع من الحزب، لتكبر أزمة إسرائيل أكثر، خصوصا ان الحزب لم يقتنع كما قلنا حتى الآن.

الياس حنا

المصدر: السفير