السوريون .. والانتحار بالاختلاف

الجمل- عبدالله علي:   سوريا في أزمة. لا أظنُّ أنَّ أحداً يجادل في هذه الحقيقة، لكننا لن نكون بعيدين عن الجدال والسجال عندما نحاول تحديد جوهر هذه الأزمة وماهيتها. نقول ذلك بسبب الاختلاف الكبير الناشئ حول تحديد الأعراض الثانوية للأزمة ومظاهرها، وما تكاثر عنها من فعل وردِّ فعل. فإذا كنا نختلف في الأعراض والمظاهر البادية للعيان، فما بالك في الجوهر الذي يحتاج استكناه ماهيته إلى قدرة هائلة على التجريد والتأصيل؟.
لم ندع شيئاً إلا واختلفنا حوله، من مظاهرات الاحتجاج إلى المطالبة بإسقاط النظام إلى العصابات المسلحة إلى المواجهة القمعية إلى استغلال الطائفية والعشائرية إلى غيرها من الأمور الأخرى التي أفرزتها الأزمة. وتحوَّل الاختلاف إلى انقسام، والانقسام إلى شرخ، والشرخ إلى هوَّة، والهوَّة إلى خطر يهدِّد الجميع دون استثناء. وقد يكون الاختلاف الواقع والخطر الجسيم الناشئ عنه، من الحقائق النادرة المتفق عليها بين السوريين كافةً. ومن الأسف القول أنه حتى هذا الاتفاق يبعث في النفس الدهشة والاستغراب والكثير من الألم، ليس من باب ندرة وجوده في ظل الاختلاف المهيمن، وإنما من باب اعتباره دليلاً يؤكد على عمق الهوَّة التي تنتظر سقوطنا فيها، لأنَّ جسامة الخطر المحدق بالجميع، وطناً ومواطنين، لم يمنعنا من الاستمرار في الاختلاف والتمادي به. وهذه نقطة في غاية الأهمية ينبغي التوقف عندها ملياً، وهي أن الاختلاف قد يصل لدينا إلى درجة الانتحار. لذلك تفرض علينا الحكمة أن نأخذ العبرة سريعاً من هذا الدرس، ونعمل في المستقبل على وضع ضوابط تمنعنا من الانتحار بالاختلاف. بل علينا أكثر من ذلك، أن نسعى جاهدين لتحويل الاختلاف من أداة للانتحار إلى أداة لإغناء الحياة.
الاختلاف أكثر من حقٍّ، إنه فطرة راسخة وطبيعة متأصلة في النفوس البشرية، فالإنسان في وجوده الفردي يتمايز ويختلف عن سائر البشر الآخرين، لذلك لا يمكن لعاقل أن يفكر في إلغاء الاختلاف وتحويل البشر إلى نسخ متطابقة، لاستحالة ذلك عقلياً، ومخالفته للفطرة والطبيعة.
وهكذا فإن الاختلاف لا يمكن أن يكون مشكلة، وبالتالي فإن الاختلاف الجاري اليوم بيننا نحن السوريين هو دليل عافية، وعودةٌ منَّا نحو الفطرة ومقتضيات الطبيعة. قد يرى البعض في هذا الكلام نوعاً من المثالية المفرطة ويتهمنا بالرومانسية السياسية، لأن اعتبار الاختلاف دليل عافية كما ذهبنا إليه من شأنه حسب هذا البعض أن ينفي وجود أزمة، مما يتناقض مع ما أعلنَّاه في مستهلِّ المقالة من اتفاقٍ على وجودها.
لكننا نسارع إلى التأكيد على أن الاختلاف ليس مشكلة، دون أن ننفي وجود الأزمة، لأن الأزمة ليست أن نختلف وإنما كيف نختلف أو كيف نمارس الاختلاف مع بعضنا البعض؟
جوهر الأزمة، كما أعتقد، ليس في أننا مختلفون حول النظام هل علينا إسقاطه أم إصلاحه؟ بل هو أننا لا نعرف كيف نختلف ولا نحسن ممارسة الاختلاف وما زلنا نعتقد أن الاختلاف يقتضي إلغاء الآخر أو تغييبه أو إسكات صوته بكل الوسائل المتاحة، متغافلين عن استحالة تحقيق ذلك مهما توافرت لدينا من إمكانيات وقدرات. لذلك تكون نتيجة اختلافنا دائماً هي وقوفنا على حافة الهاوية السحيقة التي تهدد الوطن بكل كيانه، ولا يكون لدينا مانع من القفز عن هذه الهاوية نحو المصير المجهول تحقيقاً لنبوءة الانتحار التي تحوم حول رؤوسنا جميعاً، وكأنَّنا نأبى الانقياد لفطرة الاختلاف الراسخة في النفس البشرية، ونرى في وجود "المختلف" عنَّا إنكاراً لوجودنا، فيتساوى لدينا أن ننتحر أو أن نُنحر به.
*****
من حيث المبدأ يقتضي العقل أن نتفق على أنَّ الاختلاف السياسي بين الفرقاء لا يستحق، مهما اشتدَّ، أن ندفع بالوطن إلى حافة الهاوية، على أن لا يعني ذلك اتخاذ الوطن ذريعةً لمنع الاختلاف وتطبيق سياسة الاستنساخ. فهناك صيغ كثيرة يمكن اللجوء إليها في النضال السياسي من شأنها تكريس الاختلاف دون تهديد الوطن.
فالمطالبة بإسقاط النظام أو أيّ مطلب آخر، هو حقٌّ مشروع لكل فريق لا يلبي النظام طموحه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، إلا أنَّ امتلاك الحق لا يجيز التعسف في استعمال هذا الحق، وهذا ما وقعت به "الثورة" السورية. وبالمقابل فإن تأييد النظام هو أيضاً حقٌّ، ولكن لا يجوز التعسف باستعماله بهدف إلغاء حقوق الأطراف الأخرى المعارضة، وهذا ما وقعت به السلطة السورية.
 لكنني وخلافاً لكل من سبق وحمَّل القيادة السورية المسؤولية الكبرى عما يحدث بسبب سوء إدارة الاختلاف، فإنني أحمِّل المعارضة وخاصة أولئك القيّمين على الثورة المسؤولية بنسبة عالية، وهذا ليس انحيازاً مني أو افتئاتاً على الثورة، لأن الثورة هي التي حملت نفسها المسؤولية عندما طرحت شعار التغيير الديمقراطي وألزمت نفسها بالتالي باستعمال أدوات الديمقراطية. ومن يحمِّل نفسه مثل هذه الأمانة عليه أن يكون أشدَّ حرصاً في احترام الآخرين وآرائهم، وأن يكون قدوة تحتذى في السلوك الديمقراطي كي يعطي لفئات الشعب فرصة أن ترى حقيقة هذا السلوك ويولِّد لديها الدوافع لاتباعه والاقتناع بأحقية التغيير الديمقراطي. أمَّا أن نطالب بالديمقراطية ونتجاهل في نفس الوقت أصولها، فهذا تصرف منافق لا يليق بالثورة ولا أهلها.
لقد صمَّتْ الثورة آذانها وهي تردد شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" عن الشعار الآخر الذي هدر به فريق من السوريين المطالبين بإصلاح النظام فقط دون إسقاطه. وأعمت عيونها عن الكثير من المشاهد التي تثبت أن مطلبها الإسقاطي لم يستطع أن يجذب أغلبية أفراد الشعب. وتجاهلت دون وجه حق إرادة فريق من المواطنين قد لا يكونون الأقل عدداً ولا الأقل ثقافة، وأطلقت لنفسها العنان في اتهام كل من لا يؤيدها، في تناقضٍ صارخ مع مبادئ الديمقراطية وحرية التعبير التي تدَّعي أنها تطالب بهما. لكن من أجل الدقة علينا توضيح أن المسؤولية المقصودة هنا هي المسؤولية عن إدارة الاختلاف فقط وليس عما حدث بعد ذلك من أفعال وردود أفعال سالت بسببها الدماء وتتحمل كافة الأطراف المسؤولية المشتركة عنها.
*****
اليوم، هل يمكننا القول أننا نعيش حالة اختلاف حول موضوع النظام؟ أم تجاوزنا ذلك ودخلنا في صراع بين طرفين يريد كل منهما إلغاء الآخر لأنه يهدد وجوده؟
أستطيع القول منذ الآن، سلام على الحرية وسلام على الديمقراطية وسلام على الجيرة والعيش المشترك وسلام على إعلان حقوق الإنسان وسلام على الدستور ... لأنَّ الدم سال بين أهل البيت الواحد ... وعندما يسيل الدم علينا أن نعرف أن ما ينتظرنا ليس الحرية ولا الديمقراطية.


خيارات عرض التعليقات

اختر طريقتك المفضلة لعرض التعليقات و اضغط "حفظ الإعدادات" لتفعيل تغييراتك.

سوريا الصمود الجميلة بتعددة الأطياف

السلام عليكم يا أخوتي .. هالشغلة بدها طولة بال و تفكير و الأمور لا تؤخذ جزافا
منشان كم أحمق عم يعرعر و كم واحد مفزلك و مدعي للثقافة و هو لا يعرف منها إلا قياس ...لسانه و كم خائن لوطنه و كم مسلح لا يمتون للإنسانية بصلة فنحن يجب أن نصبر و لا نؤخذ غلابا .. فسوريا أغلى و تستحق الأكثر و الأرقى و الأنبل دائما .
أولا لا يوجد أرقى من سوريا وفي الكثير من دول العالم حق التظاهر محفوظ والقانون يحميه ولكن يا أخوتي بدون موافقة مسبقة و بدون تحديد للمكان و للشعارات و للوقت قد يذهب بالمتظاهر إلى غياهب المجهول و هذا ابسط شيء .
سوريا جنة الله بأرضه سوريا مهد الحضارات و ارض الأنبياء و الأبجديات .. سوريا التاريخ و الحاضر و المستقبل وهي باقية باقية باقية إلى ابد الدهر .
هؤلاء المرتزقة سيرمي بهم الشعب السوري الأصيل إلى مزابل التاريخ .
البعض يظن نفسه معارضا و لكنه لا يجد ما يعارضه إلا ما نحن نقوله و هو الإصلاح و نحن نؤكد على الإصلاح و أما من يقف و يقتل الشعب الآمن و الجيش و يمثل و يذبح و يحرق الأملاك العامة و الخاصة فلا يليق به إلا جهنم و بئس المصير و لا أسف عليه .
هؤلاء يجب أن يزاحوا من طريقنا لأنهم حجر عثرة في تطورنا و ارتقائنا حضاريا و أخلاقيا و سلوكيا .
هؤلاء ضد الإنسانية و بالتالي هم ضد الله و التشريع يقضي بالقضاء عليهم لان ما فعلوه لا ينتمي إلى أي تشريع أو تاريخ أو إجرام .
أعود و أقول بالصبر و العزيمة و النفس الطويل تؤخذ الحقوق و سوريا باقية و تستحق الأفضل منا جميعا فليبارك الله بجيشنا و بقائدنا و بشعبنا الواعي الذي فاجئ أعدائه برقيه و تجاوزه للمؤامرة القذرة التي كانت تريد رميه بمستنقع الفرقة و الانقسام .. و اثبت بأنه شعب واعي يؤمن بسوريا واحدة أبية صامدة ممانعة .
تحيا سوريا و يحيا الشعب العربي السوري الأبي و يحيا الرئيس بشار الأسد الذي أذهل العالم بتعامله الراقي و الهادئ و باصطلاحاته في هذا الزمن الصعب .

أحسنتَ!!!

أحسنتَ قولاً أستاذ عبد الله :الدم سال بين أهل البيت الواحد ... وعندما يسيل الدم علينا أن نعرف أن ما ينتظرنا ليس الحرية ولا الديمقراطية.

خيارات عرض التعليقات

اختر طريقتك المفضلة لعرض التعليقات و اضغط "حفظ الإعدادات" لتفعيل تغييراتك.

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.