الثورة والإصلاح .. ولحظة العقل العابرة

الجمل ـ عبدالله علي:   الثورة التي قامت ضد الخليفة "عثمان بن عفان"، وهي أول ثورة شعبية ضد حاكم إسلامي بعد العصيان المدني الذي شهدته خلافة "أبي بكر الصديق" والمسماة تاريخياً بـ "حروب الردة"، لم تنجح هذه الثورة في رفع المظالم التي كان يشكو منها الثوار في ذلك الزمن تجاه الخليفة عثمان رغم أنها نجحت في إسقاطه وقتله. بل يمكن اليوم لمن ينظر إلى التاريخ نظرة محايدة أن يقول: أن أهم نتيجة ترتبت على هذه الثورة هي التورّط دون قصد في نقل الحكم صراحة من صيغة الخلافة إلى صيغة الملك العضوض، ونقول الصيغة لأن الجوهر في الحالتين واحد رغم اختلاف التسميات.
ونرى أن فشل هذه الثورة يكمن في أنها لم تستند إلى مرجعية فكرية ثورية حقيقية، لذلك بقيت محكومة بسقف "شخص الخليفة" ولم تستطع أن تتعدّى إسقاطه إلى إسقاط الإطار التوافقي لكبار الصحابة الذي يقف وراء قيام مؤسسة الخلافة بالشكل الذي عرفته آنذاك.
وقد تكرّس فشل الثورة بعد ذلك من خلال انتصار القوى المناوئة لها واستلامهم الحكم في الدولة الاسلامية وجعله وراثة في أبناء العائلة الواحدة، بعد أن كان تداوله يتم وفق التعيين تارة أو وفق أسلوب شكلي ساذج للشورى.

*****
واليوم إذ نشهد ما يسمى عصر "ربيع الثورات العربية" فإنني لا أراه إلا استنساخاً لتلك الثورة الأولى. ففي مصر نجحت الثورة في إسقاط الرئيس حسني مبارك وإحالته إلى المحاكمة، أي قتله معنوياً بدل قتله مادياً. وكذلك الأمر في تونس، وكذلك في ليبيا. لكنها لم تستطع أن تفعل أكثر من ذلك أي أكثر من إسقاط الشخص.
والوقائع، بعد إسقاط مبارك على سبيل المثال، تدلنا بوضوح على بقاء المؤسسة العسكرية ماسكة يدها بزمام السلطة وراسخة أقدامها على عتبة القصور، وعدم تأثرها بالثورة وشعارات الثوار، إلا من جهة واحدة وهي أنه في عهد مبارك كانت تحكم من وراء ستار وفي عهد الثورة تحكم دون ستار.
أليس ثمة تشابه بين ربيع الثورات العربية والثورة الأولى؟
قبل التسرع في أخذ الانطباع الأولي الذي سيكون شاجباً لطرح مثل هذا السؤال، نؤكد أن هذا السؤال ليس من قبيل الكيد أو النكاية، وإنما نقصد به أن نمنح أنفسنا لحظة تأمل في نتائج الثورة التي لا ننكر أنها نجحت في إسقاط الشخص لكنها فشلت في إسقاط الإطار التوافقي الذي أتى به ويستطيع أن يأتي بأمثاله في أي وقت. فهل يعتبر هذا فشلاً أم نجاحاً؟
لقد تحولت الثورة ضد عثمان والتي انتهت بقتله، إلى "فتنة" شرخت المسلمين ووسعت الهوة بين أطيافهم، ويذكر المؤرخون هذه الفتنة على أنها السبب وراء ظهور الطوائف والمذاهب في الاسلام، وأنها ما زالت تشكل النبع الثرّ الذي يغذي اختلافاتهم وصراعاتهم بالحقد والضغينة رغم مرور مئات السنين. فإذا كانت ثورة غير معد لها جيداً وغير مدروسة عقائدياً قد أدت إلى الفتنة التي أدت بدورها إلى خلق المذاهب وتأجيج الصراع الدموي بينها، فماذا نأمل من ثورة غير معد لها جيداً وغير مدروسة عقائدياً أن تفعل في ظل الوجود المسبق للطوائف والمذاهب .. وفوقها الأحزاب؟.
*****
الشبه بين الثورة ضد عثمان والثورات الحالية لا يقتصر على وجهي شخصنة الثورة والفشل الذي لحق بها، بل هو أعمق من ذلك ويكاد يبلغ حد التطابق في الوقائع والمجريات.
فالثورة ضد عثمان بدأت كمسيرات منظمة احتجاجية و"شبه مسلحة"، ومن المؤكد أن الهدف في البداية لم يكن قتل عثمان ولا حتى خلعه، بل كان مجرد تقديم لائحة مطالب ومطاعن والطلب إليه بحزم أن يعترف بها أو يتقبلها، وكان بين هذه المطالب والمطاعن ما هو محلي يتعلق بسياسة الأمصار (تقابل المحافظات حالياً) وما يشوبها من ممارسات قمعية وظالمة، وتركزت المطالب على عزل بعض ولاة الأمصار وبشكل خاص والي مصر عبدالله بن سعد. والبعض الآخر من هذه المطالب كان يشمل الأمة برمتها: ابتزازات من بيت المال، تعيين عثمان أفراد أسرته على الأعمال، إحراق مصاحف القرآن ما عدا مصاحف النسخة العثمانية ... وغيرها. وباختصار كان الهدف إلزام الخليفة بالتراجع عن "انحرافاته" فإذا رفض ذلك "سوف يرون الرأي فيه"، فعلى الرغم من استعراض الثوار لقوتهم إلا أنه لم تكن لديهم نية لاستعمال القوة.
وقد جرى تطور الأحداث على مرحلتين: مرحلة سلميَّة تضمنت طلب حسابات ومفاوضات ووساطات انتهت إلى موافقة عثمان على مطالب المعترضين وتوقيع وثيقة بذلك مضمونة من قبل الصحابة. ومرحلة ثانية عنفيَّة بعد أن حدث انقلاب مفاجئ على الصلح السابق وطفت على السطح مجموعة من العوامل أدت إلى تشنيج الموقف المشحون أساساً بالمخاوف والأحقاد وانعدام الثقة جراء الحيل والمكائد، فقام الثوار بحصار منزل عثمان وقطع الماء عنه وآل بهم الأمر إلى قتله.
والأمر لا يخرج عن أحد احتمالين: إما أن توقيع وثيقة "الاصلاحات" من قبل عثمان كان خدعة الهدف منها امتصاص نقمة الثوار وتهدئة خواطرهم، وأدّى اكتشاف الثوار لهذه الخدعة إلى التصعيد والقتل، وإما أن الثوار أو بعضهم كانوا يخططون منذ البداية لخلع الخليفة أو قتله ولا يرضون دون ذلك بإي إصلاحات قد يتعهد بها.
*****
لقد كان اللجوء إلى الحوار والمفاوضات وتوقيع وثيقة "الاصلاحات" المطلوبة لحظة سامية من لحظات العقل السياسي العربي استطاعت أن تكبح جماح الغضب العارم وأن تحقق التوازن بين مطالب الثورة من جهة ووحدة الأمة وسلامتها من جهة أخرى. إلا أنها للأسف لم تكن سوى لحظة عابرة لم يتسنى لها أن تستمر، إذ سرعان ما عادت الأمور إلى جدلية الغالب والمغلوب وتصلبت المواقف من الطرفين وتصاعدت الأحداث حتى وصلت إلى القتل.
ألا نقف اليوم أمام مثل هذا المفترق الخطير، إما إعمال العقل وإما اللجوء إلى العنف؟ وهل سيكون بمقدورنا أن نأخذ العبرة والعظة أم أن التاريخ سيعيد نفسه؟

خيارات عرض التعليقات

اختر طريقتك المفضلة لعرض التعليقات و اضغط "حفظ الإعدادات" لتفعيل تغييراتك.

بطاقة حمراء

((( الشبه بين الثورة ضد عثمان والثورات الحالية لا يقتصر على وجهي شخصنة الثورة والفشل الذي لحق بها، بل هو أعمق من ذلك ويكاد يبلغ حد التطابق في الوقائع والمجريات.
فالثورة ضد عثمان بدأت كمسيرات منظمة احتجاجية و"شبه مسلحة"، ومن المؤكد أن الهدف في البداية لم يكن قتل عثمان ولا حتى خلعه، بل كان مجرد تقديم لائحة مطالب ومطاعن والطلب إليه بحزم أن يعترف بها أو يتقبلها، وكان بين هذه المطالب والمطاعن ما هو محلي يتعلق بسياسة الأمصار (تقابل المحافظات حالياً) وما يشوبها من ممارسات قمعية وظالمة، وتركزت المطالب على عزل بعض ولاة الأمصار وبشكل خاص والي مصر عبدالله بن سعد. والبعض الآخر من هذه المطالب كان يشمل الأمة برمتها: ابتزازات من بيت المال، تعيين عثمان أفراد أسرته على الأعمال، إحراق مصاحف القرآن ما عدا مصاحف النسخة العثمانية ... وغيرها. وباختصار كان الهدف إلزام الخليفة بالتراجع عن "انحرافاته" فإذا رفض ذلك "سوف يرون الرأي فيه"، فعلى الرغم من استعراض الثوار لقوتهم إلا أنه لم تكن لديهم نية لاستعمال القوة.
وقد جرى تطور الأحداث على مرحلتين: مرحلة سلميَّة تضمنت طلب حسابات ومفاوضات ووساطات انتهت إلى موافقة عثمان على مطالب المعترضين وتوقيع وثيقة بذلك مضمونة من قبل الصحابة. ومرحلة ثانية عنفيَّة بعد أن حدث انقلاب مفاجئ على الصلح السابق وطفت على السطح مجموعة من العوامل أدت إلى تشنيج الموقف المشحون أساساً بالمخاوف والأحقاد وانعدام الثقة جراء الحيل والمكائد، فقام الثوار بحصار منزل عثمان وقطع الماء عنه وآل بهم الأمر إلى قتله.
والأمر لا يخرج عن أحد احتمالين: إما أن توقيع وثيقة "الاصلاحات" من قبل عثمان كان خدعة الهدف منها امتصاص نقمة الثوار وتهدئة خواطرهم، وأدّى اكتشاف الثوار لهذه الخدعة إلى التصعيد والقتل، وإما أن الثوار أو بعضهم كانوا يخططون منذ البداية لخلع الخليفة أو قتله ولا يرضون دون ذلك بإي إصلاحات قد يتعهد بها. )))
يبدو لي أنك ترى بعين واحدة وتقرأ بعين واحدة وتكتب باتجاه واحد .
هل قرأت التاريخ ؟ هل تعرف ابن سبأ ؟ هل تعرف ابن ملجم وووو ومن كان معهم من غوغاء ؟؟
انا شخص ليبرالي لكن لا تتعدى حدود الله في من هم أفضل منك ؟ هناك رقيب عتيد وهناك من يقرأ لك من الجيل فاتقي الله في نفسك وفي عباده

خيارات عرض التعليقات

اختر طريقتك المفضلة لعرض التعليقات و اضغط "حفظ الإعدادات" لتفعيل تغييراتك.

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.