من دمشق ينبع زمان العالم
قبل الإنسان لم يكن قد وجد الزمان: النور والديجور وكرة تدور حول نفسها قبل أن تدور حول فكرة الإنسان الذي خرج من طينها، فالزمن ينبع من داخلنا ولا يأتي من الخارج، حيث الكواكب تدور حول شموسها في حلقات مفرغة خارج الزمن البشري، وكذا الرب خالق الكون: فهو قديم أزلي أبدي بلا بداية أو نهاية..بينما الزمن البشري ينقسم إلى زمنين: الزمن العلمي الذي يقاس بالساعات والدقائق، والزمن الذاتي أي الساعة البيلوجية التي تحدد عمر الإنسان ..فكلما أخذت شهيقا وأخرجت زفيرا تقدمت خطوة نحو أجلك، لهاذا يبدو الإحتفال بانصرام العام نوعا من التحدي البشري للموت القادم حيث يخلد الإنسان ذاته بالأعمال الجيدة.. فهل أنجزتم أعمالا جيدة هاذا العام لتستحقو الإحتفال ؟ إذا كنتم قد فعلتم فكل عام وأنتم باقون في الزمان ومزهرون في المكان .. هنا دمشق، مركز الساعة ونقطتها التي تدور حولها عقارب الدول..
غير أن زمن دمشق الآن يعرقله السلفيون المحنطون في الماضي التليد، مثلهم كمثل سائر الأصوليين في العالم، ممن يرغبون بعكس عقارب الزمن، بينما العلمانيون يعملون على تذويب الفكر الجامد لكي تتدفق مياه نهر الزمن في عقول الناس وبين أيديهم ..فقبل أربعة عشر قرنا قام محمد بن عبدالله بثورة فكرية بين ذؤبان المجتمعات الصحراوية فأنبتت مياه الإسلام حقولا خصبة في العقل الشرقي تلونت بخضرتها حواضر جزيرة العرب، قبلما يوجه طاقتها القتالية ليفتح آفاقا جديدة لآيديولوجيا الثورة الإسلامية آنذاك، وعندما تمدد المسلمون باتجاه الشمال وصولا إلى دمشق وجدو مجتمعا مدنيا غنيا بثقافات الأمم الغابرة التي مرت عليه، فنهلو من علومها وثقافتها كما اغتنو بتجارتها، ما جعل من الإسلام دولة مدنية أموية استقطبت علماء الأمم ومثقفيها حتى غدت دمشق قبلة الدارسين وباتت بلاد الشام هي مركز الإسلام الجديد وليس مكة أوالمدينة.. وبعدما بلغت الثقافة الإسلامية ذروتها في بغداد العباسيين بدأت بالإنحدار منذ عهد الأمين والمأمون فعصر المماليك وصولا إلى العثمانيين، حيث عادت موجة التصحر إلى العقل الإسلامي فأقحل وتيبس بعدما توقف نهر الزمن عن التدفق في بحيراته، فتسلفن المجتمع وتراجع التفكير الحر فيه حيث مال العقل الإسلامي إلى تصنيم السلف الصالح وعبادة إرثهم وكأن الإسلام لم يمر عليهم، فارتد إلى البداوة بعد التحضر، وباتت واحاته تنبت خضراء الدمن التي راحت قطعان الوهابية ترتع منها بقيادة قبيلة آل سعود منذ بداية القرن الثامن عشر وصولا إلى داعش القرن الواحد والعشرين في بلاد الشام والعراق، حيث تم إلغاء العقل لصالح النقل خصوصا في الأرياف التي لم تصلها مياه الحداثة فتمكنت منها قوة النفط الأسود وثقافة البدو وأخلاقهم التي تمجد القتل والتكفير وأنتجت لنا كل هاذي العصابات السلفية التي دمرت سورية لولا البقية الباقية من مجتمع الحداثة الذي كان قد أنتج جيشا متنوع الثقافات والمذاهب منفتحا على العصر الحديث، حيث باتت حربنا صراعا بين زمنين، أحدهما جامد والآخر متدفق، وبالطبع فإن منطق العصر يوافق زمنه المتدفق وجيشه المتمدن الذي سيعيد تخصيب ماتصحر لينتج لنا إسلاما موائما يواكب هاذا العالم وهاذي الحضارة التي أنتجها بحر العقل البشري الذي تصب فيه أنهار الأمم المتمدنة..لهاذا فإن العالم المتمدن الذي ناصر الإسلاميين المتسترين بلبوس الثورة في البداية قد بدأ بالتخلي عنهم مؤخرا، فمهما كانت مصالح زعماء الغرب متطابقة مع الإسلام السياسي فإن شعوبهم المتضررة تضغط باتجاه التخلي عنهم بل ومحاربة مصادر الإرهاب السلفي، كما أن العالم بدأ بتقبل دور الجيش السوري العلماني لتعود عقارب ساعة دمشق تسير باتجاه المستقبل الذي تمشي نحوه الأمم المتقدمة..إنه الرهان على الزمن الذي ينبع من فكر الإنسان المتجدد..وهي حربنا القديمة الجديدة مع الزمان في هاذا المكان الممتد شرق المتوسط..
نبيل صالح
التعليقات
زمن دمشق الواقف
إضافة تعليق جديد