هجرة الكيميائيين

03-10-2015

هجرة الكيميائيين

أياً كانت الأسباب الكامنة خلف هذا الضجيج العالمي بقضية اللاجئين السوريين، وأياً كانت الأسباب الحقيقية التي تدفع بآلاف السوريين للمغامرة بأنفسهم وأولادهم إلى حدّ الموت، وأياً كانت التحليلات والمواقف والاتهامات والمرثيات السياسية والإنسانية، فإن كل ذلك لا يغيّر من الحقيقة شيئاً: سوريا تفقد أبناءها، وتخسر كفاءاتها وكوادرها الشابة.

ليس في ذلك أي مبالغة أو تهويل، فالانتقال من قراءة التقديرات الإحصائية الإجمالية المتعلقة بعدد السوريين المهاجرين واللاجئين، إلى البحث في تفاصيل الخصائص العلمية والفنية لهولاء، يكشف عن حقيقة المأساة التي تعيشها سوريا اليوم، وستعيشها غداً.
في البداية كان يشار بألم وخوف إلى ظاهرة نزوح الأطباء للتحذير من هجرة الكفاءات الوطنية، لكن بمزيد من التدقيق والبحث سنجد أن هناك ما هو أخطر من هجرة الأطباء والمهندسين، أو لنقل إن الظاهرة باتت تنخر بعمق في «جسد» جميع الاختصاصات والمهن، ويبدو أن هذا ما دفع أخيراً بالاتحاد العام لنقابات العمال إلى مخاطبة القيادة القطرية لحزب البعث، محذراً من ظاهرة هجرة كثير من كوادر المؤسسات العامة، الذين وصل الأمر ببعضهم إلى مرحلة ترك العمل والهجرة من دون تقديم طلب استقالة أو مجرد إجازة بلا أجر.

فرص عمل ودراسة

فمن بين عشرات الاختصاصات العلمية الرفيعة التي تشهد هذه الأيام نزفاً حاداً، تحضر هجرة الكيميائيين السوريين، الذين كان يقدّر عددهم قبل الأزمة بنحو 22 ألف شخص، يتوزعون في عملهم على مجالات عديدة أبرزها: التحليل في المجال الصناعي والمخبري، فهم عمدة مخابر التحليل في جميع الصناعات الكيميائية، بما فيها صناعة الأدوية والنفط وكذلك مخابر التحليل الكيميائي والطبي، إدارات الإنتاج في القطاعات الصناعية، الأبحاث الصناعية الخاصة بالصناعات الكيميائية بمختلف فروعها التحويلية والاستخراجية، وبعض القطاعات الزراعية المرتبطة بالمعالجة الكيميائية، والأبحاث التقنية بالطاقة.

25% فقط من الكيميائيين المقيمين داخل البلاد يعملون في اختصاصهم


وبحسب الصناعي محمد الشاعر، عضو مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق سابقاً وعضو الجمعية الكيميائية السورية، فإن أوضاع الكيميائيين السوريين قبل الأزمة كانت تشير إلى أن 40% من المقيمين داخل البلاد كانوا يعملون في اختصاصهم و60% يعملون في مجالات عمل أخرى. أما على صعيد العمل خارج البلاد، فإن 30% من الكيميائيين كانوا يعملون خارجاً، ونحو 5% كانوا يتابعون تحصيلهم العلمي في دول عدة، منها ألمانيا، التي كانت تستقبل وحدها نحو 800 طالب.
وكما هي حال الحياة السورية برمتها، فقد كان للأزمة أثرها المباشر في أوضاع الكيميائيين، إذ وفق استطلاعات شخصية للمهندس الشاعر، فإن 25% فقط من الكيميائيين المقيمين داخل البلاد يعملون في اختصاصهم و75% في غير اختصاصهم. أما خارجاً، فالتقديرات تشير إلى أن ما لا يقل عن 40% من الكيميائيين باتوا يعملون خارج البلاد، وما لا يقل عن 10% يدرسون أيضاً خارج البلاد، إذ ارتفع عددهم مثلاً في ألمانيا إلى نحو 1200 شخص، وفي السويد إلى 180 شخصاً.
هذا يعني أن عدم وجود مشاريع تستوعب مثل تلك الاختصاصات قبل الأزمة وخلالها كان سبباً أساسياً في هجرة الكفاءات والكوادر الوطنية. وبتفصيل أكثر، يوضح المهندس محمود عنبر، نائب رئيس الفريق التنفيذي للحكومة الالكترونية سابقاً، أن هناك «مبالغة في موضوع الهجرة، فإن خريجي الهندسة المعلوماتية مثلاً ظلوا لسنوات يبحثون في سوريا عن فرص عمل كريمة، وعندما لم يجدوا كانوا يهاجرون تدريجياً. أما الآن، فهم يهاجرون بالجملة». ويضيف  أن «هذا الموضوع نوقش في إحدى ورشات الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية، وكان الطلب الرئيس هو وضع تمويل لمشاريع تستقطب هؤلاء وتدفعهم إلى البقاء في وطنهم. ويومها شاركت مع زملائي في تأسيس منتدى صناعة البرمجيات لنضع الأطر اللازمة للقيام بذلك، لكن لم تتفاعل معنا الحكومة آنذاك، وللأسف هذا حدث في الوقت الذي صدر فيه قرار حكومي بتمويل المسلسلات الدرامية. لقد الأمر كان محبطاً».

أزمة من قبل الأزمة

تتباين الآراء بين من يقلل من مخاوف الهجرة مستشهداً بالقول «إن هجرة الأتراك الماهرين إلى ألمانيا ساعدتهم في بناء بلدهم، وهجرة الهنود إلى الغرب ساعدتهم في نقل التكنولوجيا»، وبين من يعتقد أن كل شخص يخرج اليوم مهاجراً أو لاجئاً فإن سوريا تخسره بشكل شبه نهائي. لكن هناك اتفاقاً على أن الغرب وبعض الدول العربية تولي اهتماماً خاصاً باستثمار الكفاءات السورية؛ فبحسب المهندس الشاعر فإن «ألمانيا تستقطب بقوة الكيميائيين، سواء في مجال الدراسة أو في العمل. فالصناعة الكيميائية تشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد الألماني، وتالياً فهي بحاجة إلى أدمغة ناشطة، وقد وجدت ضالتها في الكيميائيين السوريين»، والدليل على ذلك أن «إحدى الشركات المختصة في الصناعات الدوائية استقطبت خلال هذا العام نحو 10 كيميائيين سوريين، وخلال ستة أشهر فقط قامت بمنحهم علاوة مجزية لنشاطهم وتميّزهم». وحتى على الساحة العربية، فإن دولة كالإمارات العربية المتحدة «استطاعت استقطاب ما يزيد على 1000 كيميائي سوري، معظمهم يعملون في المنشآت الصناعية».
ويبدو أن ما ينطبق على الكيميائيين ينطبق كذلك على المهندسين المعلوماتيين وغيرهم من الاختصاصات العلمية الرئيسية. فكما يؤكد المهندس عنبر، فإن «كليات المعلوماتية تخرّج طلاباً معدّين للتصدير، بسبب عدم وجود فرص عمل مقبولة داخل البلاد. وهذه المشكلة حدثت في السبعينيات بالنسبة إلى الاختصاصات النادرة، وعالجها آنذاك الدكتور واثق شهيد من خلال تأسيسه لمركز الدراسات والبحوث العلمية، الذي كانت إحدى مهماته استقطاب الكفاءات أو نسبة منها، لضمان بقاء كتلة حرجة من الخبراء ضمن سوريا».
وعلى عكس ما يتوقعه البعض، فإن التعويضات المالية الممنوحة خارجاً لمهندسي المعلوماتية ليست مغرية دائماً، خاصة إذا ما قورنت بمستوى المعيشة في تلك الدول. وهنا يشير المهندس عنبر إلى أن «الخريج الجديد يحصل في الإمارات على راتب يتراوح ما بين 3-4 آلاف دولار، وفي حال كانت له تجربة عمل في سوريا لبضع سنوات قبل سفره فإن راتبه يصل إلى 6 آلاف دولار، أي إن الدخل السنوي لمهندس البرمجيات يبلغ نحو 79 ألف دولار». وليس هذا فحسب، فسابقاً، معظم الفتيات كن لا يسافرن بل يفضّلن العمل في المؤسسات الحكومية السورية لأسباب اجتماعية، ولكن بعد الأحداث الكل أصبح يسافر، وعلى ذلك فالقضية ليست في عدد من سافر، بل في عدم وجود فرص جدية في سوريا للأسباب التي ذكرتها سابقاً».


زياد غصن

المصدر: الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...