الجولاني : البقاء تحت عباءة تركيا أو الفناء

22-12-2023

الجولاني : البقاء تحت عباءة تركيا أو الفناء

حالت قوّة تركيّة دون القبض على المسؤول المالي في «الهيئة»، جهاد عيسى الشيخ، الملقب بـ«أبو أحمد زكور»، أثناء عملية نقله من إعزاز، حيث كان يختبئ، إلى إدلب، وبعد أن تمكّن مسلّحون تابعون للجولاني من القبض على الشيخ إثر مواجهات استمرّت بضع ساعات، استطاع خلالها المسلحون اقتحام مزرعة على أطراف إعزاز قرب الحدود التركية كان يقيم فيها «زكور»، تدخّلت قوّة عسكرية وأمنية تركية، وأنزلت الرجل من سيارة كانت تنقله، ووجّهته إلى تركيا.

ويُعتبر الشيخ أحد أبرز قياديي «جبهة النصرة» التي تحوّلت في ما بعد إلى «هيئة تحرير الشام»، حيث ظهر أوّل مرّة في صورة نشرها تنظيم «داعش» عام 2016، كشف عبرها عن الشخصية الحقيقية للجولاني (أحمد حسين الشرع)، والتي كانت تخفيها قناة «الجزيرة» التي انفردت منذ ظهوره بإجراء لقاءات معه، قبل أن يكشف عن نفسه إلى العلن بعد إحكام «النصرة» قبضتها على إدلب، ويظهر في صورة إلى جوار الجولاني، عندما لم يكن حينها معروفاً.

بعد بزوغ نجمه، انتقل الشيخ من العمل في الظل إلى الواجهة، حيث نشط بشكل كبير على موقع «X» (تويتر سابقاً)، ونشر سلسلة تغريدات للتعريف بنفسه. فهو، وفقاً لما أورده على حسابه، يحمل شهادة التعليم الأساسي فقط، وقد انتقل للقتال في العراق في الغزو الأميركي، حين انضمّ إلى «أنصار السنة» ثمّ إلى «التوحيد والجهاد» التي بايعت تنظيم «القاعدة»، حيث تمّ القبض عليه وإيداعه في سجن صيدنايا. وبعد إلغاء سوريا محاكم «أمن الدولة» و«قانون الطوارئ»، تمّ نقله إلى السجن المدني، ليقضي محكوميته قبل الإفراج عنه، ويقوم بعد خروجه بالانخراط في عملية جمع شتات المقاتلين المرتبطين بـ«القاعدة»، ومنهم «الجولاني»، الذي شكّل «جبهة النصرة»، والتي برزت فيها بعد تحوّلها إلى «الهيئة» إثر سيطرتها على إدلب، ثلاث كتل رئيسية: «كتلة حلب» التي يقودها الشيخ، و«الكتلة الشرقية» التي كان يقودها القحطاني، بالإضافة إلى ما يُعرف بـ«كتلة إدلب» التي يتحكّم فيها الجولاني. وبالإضافة إلى مهمّة المسؤول المالي في «الهيئة»، تولّى «الشيخ» إدارة ملفّ التهام «الهيئة» ريفَ حلب، ضمن مخطّط تركي كان يهدف إلى توحيد الشمال السوري، حيث تمكّن من استمالة فصائل عديدة إلى صفّ الجولاني عن طريق تقديم مغريات مالية ودعم عسكري لهذه الفصائل، الأمر الذي وسّع دائرة نفوذ زعيم «تحرير الشام»، ومكّنه من احتكار معابر التهريب وسوق النفط في تلك المناطق.

وقبل اعتقال الشيخ ونقله إلى تركيا، نشرت مواقع ومنصّات معارضة و«جهادية» تسجيلات صوتية له تفضح بعض أسرار «الجولاني القذرة».إذ كشف في أحد التسجيلات، أن التفجير الانتحاري الذي وقع في منطقة أطمة الحدودية مع تركيا عام 2017، والذي أودى بحياة العشرات من مقاتلي الفصائل نفّذته «الهيئة»، وليس «داعش» الذي تبنّى الهجوم حينها، بالإضافة إلى كشفه قيام «تحرير الشام» بتنفيذ عشرات الهجمات الانتحارية على مواقع كانت تسيطر عليها «حركة نور الدين الزنكي» المعارضة في ريف حلب الغربي، والتي أودت بحياة نحو 70 مقاتلاً في الحركة. أيضاً، كشف الشيخ، في التسجيلات، أن زعيم «الهيئة» يتواصل بشكل يومي مع الاستخبارات البريطانية والأميركية ويتفاخر بذلك؛ إذ قدّم الجولاني معلومات تمكّنت عبرها واشنطن من تنفيذ هجمات على مقاتلين تابعين لما يعرف باسم «جماعة خراسان»، والتي تمّت تصفيتها في إدلب، بالإضافة إلى معلومات عن المقاتلين غير السوريين الموجودين في «تحرير الشام»، خلافاً لما يحاول الجولاني إشاعته حول وجود خلية كانت تقوم بتسريب هذه المعلومات من دون علمه.

وبعيداً من صحّة المعلومات التي ذكرها الشيخ، تكشف هذه التسجيلات عن حجم الشرخ الموجود في «تحرير الشام»، وتعدّد الأطراف التي تتعامل مع الاستخبارات الغربية، وسط محاولة الجولاني الاستئثار بتلك العلاقات، علماً أن اكتشاف الخلية التي شنّ على إثرها زعيم «الهيئة» حملة الانقلاب الداخلية تمّ بعد تلقّيه معلومات استخباراتية من إحدى الدول، تشير مصادر جهادية إلى أن مصدرها الاستخبارات التركية، في وقت يقول فيه معارضو «الهيئة» إن مصدرها فرنسي. كذلك، تكشف التطورات الميدانية، في الساعات الماضية، وعلى رأسها تمكّن جماعة الجولاني من اقتحام معاقل الفصائل في ريف حلب والقبض على الشيخ الذي كان يحتمي فيها، حجم السيطرة التي بات يتمتّع بها رجل «القاعدة» السابق في ريف حلب، والتي وصلت إلى هذه الدرجة نتيجة جهود الشيخ نفسه.

ويعني ما تقدّم، أن الجولاني، في حال تجاوز أزمته الداخلية التي تعصف به في الوقت الحالي، بات على أبواب التهام كامل ريف حلب الشمالي. وهي خطوة، إن تمّت، لا تتعارض مع رغبة تركيا في توحيد هذه المناطق، خصوصاً أن أنقرة أبدت، أكثر من مرة، إعجابها بنموذج «تحرير الشام» الذي يعتمد على التمويل الذاتي، ولا يكلّفها أيّ مدفوعات مثل تلك التي تطلبها الفصائل. ولعلّ ما يؤكد ذلك تدخل تركيا التي نقلت الشيخ للتحقيق معه في سجونها، علماً أنه مدرج ضمن قائمة عقوبات تركية – أميركية مشتركة بتهم تتعلّق بدعم «الإرهاب»، فضلاً عن أنه أصبح، في الآونة الأخيرة، أحد أبرز الأصوات المزعجة لأنقرة، حيث انتقد مواقفها بشكل علني، واتّهم أجهزتها الأمنية بـ«الغدر والعمالة»، على حدّ وصفه.

بالنتيجة، تفتح التطوّرات الأخيرة الباب أمام سيناريوات عديدة يواجهها الجولاني، من بينها تفكيك «هيئته» في حال اكتشاف تركيا، أثناء التحقيق مع الشيخ، وجود مشاريع مناوئة لها، في ظلّ الاختراقات الغربية الكبيرة لها، أو مساعدته في إنهاء جميع خصومه الداخليين وإحكام قبضته بعد التأكد من موثوقيته ومن طاعته المطلقة، فضلاً عن سيناريوات أخرى عنوانها اندلاع مواجهات عسكرية داخلية في صفوف «تحرير الشام» قد تتوسّع لتشعل الشمال كاملاً، وهو ما لا تريده تركيا في الوقت الحالي.

 الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...