ألف ليلة وليلة: الرحلة الأسطورية للنص الساحر

لنفترض أن الحضارات الإنسانية الكبرى، قد أصابها تعقل مباغت، فقرّرت الكف عن التصارع، والتعاون معًا على إنتاجٍ عمل حضاري واحد، ماذا سيحدث؟ ستنتج بالطبع عملاً عملاقًا لم يشهد مثله البشر نظيرًا، وهو ما حدث بالضبط مع كتاب «ألف ليلة وليلة».

تلك الحكايات العربية، مجهولة الراوي، جابت الدنيا شرقًا وغربًا كقطار لا تعرف عجلاته التوقف، وجمعت في قائمة معجبيها عمالقة أدب وفكر من كافة الجنسيات؛ بداية من روائي مصري زُينت رقبته بنوبل مثل نجيب محفوظ، وفيلسوف فرنسي أضاء القرن الـ18 بآرائه مثل «فلوتير»، وممثل أسمر خفيف الظل مثل «ويل سميث»، وغيرهم كثير وكثير.

هام الجميع عشقًا بمغامرات علاء الدين وعلي بابا والسندباد البحري، وبجولات هارون الرشيد متخفيًّا في ليل بغداد يتفقد رعيته، وبشهريار الملك المجنون الذي لا يكفّ عن سفك دم النساء حتى أوقفته عند حدّه أفضل حكّاءة عرفتها الأراضي العربية: شهرزاد.

اعترف الأديب جابريل جارثيا ماركيز بأن أكبر تأثيرين على أدبه، جاءا من مصدرين، هما: «حواديت جدته» وقراءته لألف ليلة وليلة. كما رأى فولتير أنه لم يُصبح قاصًّا إلا بعد أن قرأ «الليالي العربية» 14 مرة. قرأها الشاعر الألماني غوته فاستلهم من حكاياتها عمله الروائي «فيلهلم مايستر»، وقرأها باولو كويلو فأوحت له بروايته الشهيرة «الخيميائي».

إنها عمل أدبي تمتزج فيه الخرافة بالأسطورة بالسحر بالأحلام الوقعية، وتُعبِّر عن رؤية شمولية لحياة المجتمعات الإنسانية في حضارات متعددة -متعاقبة ومتزامنة- بأحلامها ومصائبها وأحزانها وخيباتها وتناقضاتها.

يقول محمد عبد الرحمن يونس في أطروحته «المدينة والسلطة في ألف ليلة وليلة» -المجازة من كلية الآداب بجامعة البحرين- إن جرأة نصوص «ألف ليلة» وخروجها عمّا هو سائد من نصوص خجولة متزمتة اعتادها القارئ، تمثل نسقًا معرفيًا حكائيًا واقعيًا قلّ نظيره في الأدب العربي القديم والحديث. ويرى أن قارئ ألف ليلة وليلة يجد نفسه أمام حقل ثقافي متعدد المشارب يتوغل إلى أبعد الحضارات، يتثاقف ويتأثر، ثم يتلاقي ويتجاور، لينسكب هادئًا عذبًا على المدن والحضارات العربية والإسلامية.

لا عجب في ذلك، فالكتاب ضم بين دفّتيه لمساتٍ عالمية عِدة؛ اللمسة الهندية تمثلت في مجموعة من قصص الحيوان التي تعكس تأثيرًا من الخرافات السنسكرتية القديمة، واللمسة الفارسية تمثلت في الإطار العام لقصة شهرزاد والملك شهريار التي تداولتها عددٌ من الأساطير الفارسية القديمة، واللمسة البغدادية في قصص الخلفاء العباسيين، واللمسة القاهرية في قصص معروف الإسكافي، كما حظي العمل بلمسة جاهلية هي قصص «إرم ذات العماد» المستمدة من أساطير الجزيرة العربية قبل الإسلام.
دار كل هذا في خلاطٍ واحدٍ وأنتج «الليالي الألف».

فما قصة هذا الكتاب؟ وكيف نال كل هذه الشهرة؟

قاص عربي يهزم شكسبير

قد تندهش إذا علمتَ أن الفضل الأول لشُهرة «عُمدة الكتب العربية» ليس لأديب أو باحث عربي وإنما للأوروبيين، وفي أغلب الظن، لولا هوسهم بهذا المُؤلَّف لبقي محفوظًا في دُرج النسيان إلى الأبد.

كانت البداية مع الباحث الأدبي والدبلوماسي الفرنسي «أنطوان جالان» (1646-1715) الذي وفد على القسطنطينية، عاصمة الدولة العثمانية، سكرتيرًا للسفير الفرنسي في أواخر القرن السابع عشر الميلادي.

لم يُطلب من الرجل المهام الدبلوماسية المعتادة، وإنما انحصر عمله في مهمة واحدة؛ جمْع كل ما يُمكن الوصول إليه من مخطوطات وإرسالها إلى خزانة الملك. سافر جالات إلى تركيا والشام من أجل هذا الغرض، حيث حصل على مخطوطات لـ«ألف ليلة»، ما زالت المكتبة الوطنية بباريس تحتفظ بأجزاء منها حتى الآن. ثم عاد إلى فرنسا بالمخطوطات، حيث عكف على ترجمتها بطريقته الخاصة.

لكن جالان لم يكن مترجمًا أمينًا، وإنما كان أديبًا ذا قلمٍ جميل، ما دفعه للقيام بأعمال «تصرُّف واسعة» في النصّ العربي، اختصر ما رآه مملاً، وهذّب من بعض المشاهد الجنسية، وخفّض مساحة وصف الأماكن والشخصيات، وألبس المخطوط ثوبًا أوروبيًّا، وطُرحت أجزاؤها الـ12 في المكتبات بعنوان «ألف ليلة وليلة»، تباعًا، بدءًا من العام 1704م، وصدر آخر أجزائها عام 1717م، بعد عامين، تقريبًا، من وفاة جالان.

في هذه الفترة، كان القرن الـ18 يشهد معارك فكرية حاسمة، وراجت النزعات الفلسفية في كل شيء وجرفت الأدب معها. وعلى الرغم من أن هذه النزعات الفكرية حرّرت الإنسان الفرنسي من أوهام العصور الوسطي وقادته إلى ما عُرف بعدها بـ«عصر التنوير»، فإنها أفقدت الأدب واحدة من أهم سماته وهي «صفة الأحلام» والخيال الجامح، وأصبح مجرد أداة لنقل الأفكار إلى الناس.

يقول الكاتب الإسكتلندي «روبرت هيرون»: في النصف الأول من القرن الثامن عشر، كانت رومانسيات الفروسية قد فقدت شعبيتها التي دامت عصورًا […] لقد رحّب بقصص ألف ليلة وليل كل من رغب في أن يهرب من واقعية الحياة دون أن يسف بخياله عن طريق تأمل خشوة ووحشية الملذات».

إضافة إلى ذلك، كانت نظرة الفرنسيين، ومن بعدهم الأوروبيين، إلى الشرق وأهله ضبابية للغاية وصدّقوا ما قاله جالان في مُقدمة ترجمته من أن ألف ليلة وليلة «هي الشرق بعاداته وأخلاقه وأديانه وشعوبه من الخاصة إلى السوقة، فمن قرأها فكأنه رحل إلى الشرق، ورآه ولمسه لمس اليد»، وهكذا اعتبر الفرنسيون أن هذا المخطوط هو أسهل وسيلة للتعرف على أهل الشرق وعالمهم المفعم بالسحر دون تجشّم مشقة السفر إلى أراضيهم.

جاءت «الليالي العربية» في جوٍّ مُغاير تمامًا لمحتواها، يفتقد إلى الرومانسية ويشتاق إليها، يحنُّ إلى الخيال الجامح والمغامرات الصاخبة ولا يجدها في الأدب الأوروبي، وفي الوقت الذي كانت فيه المرأة تنال مكانة كبيرة في الحياة الثقافية الأوروبية، أتت «ألف ليلة» لتحكي عن المحظيات والجواري الحِسان والملك الذي يذبح الفتيات كيفما شاء.


حقّقت «ترجمة جالان» نجاحًا سريعًا وراجت في كل أنحاء فرنسا، حتى أن المارة كانوا يتجمهرون تحت نوافذ بيته يصيحون صيحة شهرزاد عند طلوع الصبح والسكوت عن الكلام المباح. وطُبعت عشرات المرات خلال عصر التنوير الفرنسي (القرن الثامن عشر)، بل ظلّت على مدى قرنٍ كامل الترجمة الوحيدة التي عرفها بها العالم الغربي، وجرت ترجمتها إلى باقي اللغات حتى لم يبق شعبٌ أوروبي، تقريبًا، لم يترجمها بِلُغتِه.

وعلى الرغم من ظهور ترجمات أكثر دقة وحرفية لـ«الليالي» من نسخة جالاند على أيدي المستشرقين إدوارد لين وريتشارد فرانسيس إلا أن القارئ الأوروبي لم يعترف إلا بالترجمة الأولى، ولا يزال الفضل بأسره يُنسب لصاحبها الفرنسي.


وخلال العام 1705م ظهرت لترجمته ترجمة إنجليزية بعنوان «تسالي ليالي العرب» (The Arabian Nights Entertainment)، حيث حقّقت نجاحًا ساحقًا في بلاد الإنجليز. لقد وجد الإنجليز في قصص ألف ليلة وليلة كنزًا ألهب خيالهم ومشاعرهم، وأصبحت قصصه من الخالدات في التراث العربي، ولم يقف المسرح البريطاني موقف المتفرج من هذا الإعجاب الشديد، فنظّمت خشبته عددًا مهولاً من العروض المسرحية المقتبسة من قصص الكتاب، مثل: «علاء الدين والولد الشيطاني الرائع» و«الحصان المسحور» و«علاء الدين» وغيرها.

وكان من تقاليد المسرح البريطاني، خلال القرن الثامن عشر والتاسع عشر، عرض مسرحيتين في نفس الحفل؛ الأولى جدية والثانية خفيفة للتسلية والمتعة كطريقة لإبهاج الناس وإضحاكهم بعد البؤس الذي أحاط بهم في المسرحية الأولى. فاحتلّت «مسرحيات الليالي العربية» مكانًا شبه ثابت في المسرحية الثانية الممتعة، وحققت شعبية كبيرة فاقت مسرحيات شكسبير ذاته!

عندما علم بذلك الممثل المسرحي «غاريك» غضب وأعلن أن كل من يغادر قبل عرض المسرحية الثانية سيحصل على نقوده، والمفاجأة لم يغادر أحد! لقد جاؤوا لمشاهدة ألف ليلة وليلة، لا مآسي شكسبير.


العرب: أن تأتي متأخرًا..

على الرغم من اكتساح «ألف ليلة وليلة» لأوروبا، تأخّرت الأراضي العربية في العناية بنبت أرضها، وهو ما فسّره أحمد حسن الزيات عضو المجمع العلمي العربي في محاضرة ألقاها بخصوص «ألف ليلة» عام 1932م، بأن العرب امتلكوا «نظرة أرستقراطية» للأدب حصرته في جمال الصياغة وأخبار الملوك، معتبرًا أن انتشار الديمقراطية أعاد الاعتبار لـ«أدب الدهماء» بدلاً من حكايات الأمراء، والتي مثّلت «ألف ليلة وليلة» أوضح صورها عالميًا.

الطبعة العربية الأولى للكتاب لم تظهر بين ظهرانينا، وإنما في مدينة كلكتا الهندية عام 1818م، بينما تأخرت مطبعة بولاق المصرية عن دورها التاريخي في العناية بالتراث العربي، ولم تخرج طبعتها الأولى من «ألف ليلة وليلة» إلى النور إلا عام 1835م.

لم تظهر أول دراسة نقدية عن «الألف ليلة» إلا عام 1939م على يدي الباحثة سهير القلماوي في رسالة دكتوراه أجازتها جامعة القاهرة، تحت إشراف عميد الأدب العربي طه حسين. ثم كرّت المسبحة، فتتالت الإبداعات العربية التي استلهمت أحداثها من «ألف ليلة»، مثل: «أحلام شهرزاد» لطه حسين (١٩٤٣م)، و«القصر المسحور» لتوفيق الحكيم وطه حسين (١٩٣٧م)، و«سر شهرزاد» لعلي أحمد باكثير، و«على جناح التبريزي وتابعه قفة» لألفريد فرج (1969م)، و«شهر زاد ملكة» لعبد الرحمن جبير، وغيرهم الكثير.

وفي العام 1982م قام الروائي نجيب محفوظ بالتماهي الأكبر مع «ألف ليلة» بروايته «ليالي ألف ليلة» التي استكمل بها أحداث ما بعد نيل شهرزاد الرضا الملكي الأبدي، وشكل الحياة الذي ستعيشه المملكة بعدما ظفرت عذراواتها بالعفو الشهرياري، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتأثر فيها نجيب بـ«الليالي»، وإنما استلهم من حكاية مدينة النحاس قصة «الشيطان يعظ» وهي قصة قصيرة وردت ضمن مجموعة قصصية حملت نفس الاسم صدرت عام 1979م.


رحلة البحث عن الكاتب

لم تنقطع الغرائب عن مُلاحقة «كتاب الغرائب»، فباستثناء جهود الأوروبيين لإحياء مخطوطاته، فنحن تقريبًا لا نعلم عنه أي شيء؛ لا ندري مَن مُؤلِّفه، ولا متى كُتب (افترض «لين» واضع الترجمة الثانية للمُؤلَّف أن عملية الكتاب جرت بين عامي 1475م و1525م)، ولا غرض كتابته، وعلى الرغم من احتفاء كتب التراث العربي بمرويات الكُتب وأصحابها إلا أنها لم تتحدّث عن هذا العمل إلا بأقل القليل.

أقدم ذّكر لـ«الليالي» في كتب التاريخ العربية جاء على لسان ابن النديم بالقرن العاشر في كتابه «الفهرست»، الذي تحدث عن مجموعة من القصص الإيرانية التي حكت عن ملك إيراني متعطش للدم اعتاد الزواج بالنساء الواحدة تلو الأخرى، واعتاد أن يقتل الواحدة منهم عقب قضاء الليل معها، حتى أتت «محظية» ذات ذكاء وحصافة راحت تروي له قصة شيقة كل مساء فيضطر لتأجيل إعدامها لليوم التالي لمدة «ألف ليلة». يتفق ذلك مع المسعودي الذي أكّد في كتابه «مروج الذهب»، أن أصول الحكايات تعود إلى كتاب «هزار أفسانة» الفارسي، ويعني «ألف خرافة»، وتمت ترجمته إلى «ألف ليلة».

يضيف «ديفيد بينولت» في كتابه «تقنيات السرد في الليالي العربية»، بأن باقي شذرات المرويات العربية التي أتت على ذِكر «ألف ليلة وليلة» هي مخطوطة من القرن التاسع عشر، يُحتمل أن تكون سورية الأصل، تحمل عنوان «كتاب فيه حديث ألف ليلة»، كما ذاعت في مصر الفاطمية مجموعة قصصية بعنوان «ألف ليلة وليلة» في القرن الثاني عشر، ظهرت في عهد الخليفة العاضد الفاطمي (555-567هـ= 1160-1171م).

أما عن الحكايات التي اشتملت عليها ألف ليلة، فلقد كانت في الأصل من أسمار الليالي الشفاهية، وكان القصد من وضعها إلقاؤها خلال المجالس الليلية وتسلية الحضور. يقول شريف الجيار في أطروحته «أثر ألف ليلة وليلة في السرد المصري المعاصر: رواية ألف ليلة لنجيب محفوظ»: ظلت نصوص ألف ليلة وليلة في طور الشفاهة عصورًا طويلة، قبل أن تنتقل إلى الكتابية والتواتر النصي، حيث بلورها الحس الشعبي عبر مجموعة من الرواة المجهولين، الذين حوّروا وغيّروا وحذفوا وأضافوا إلى هذا الخطاب الشفاهي؛ كي يُسلّوا العامة حكيًا.

يعتبر بينولت أن المرونة التي تمتّع بها النصّ عندما كان في طور الحكاية ظلّ يتمتّع بها بعدما صار نصًّا مكتوبًا على المخطوطات، وأن قصص «الألف ليلة» ظلّت تنمو من العصر الوسيط وحتى أواخر القرن الثامن عشر، فكلما اعتنى ناسخ بتنقيحها أضاف إليها قصصًا أخرى، بما في ذلك جالان نفسه، الذي أضاف على نص المخطوطات التي عثر عليها حكايات سمعها شفاهة من صديق ماروني من حلب يُدعى حنّا، قيل إنه يحفظ الليالي عن ظهر قلب، وألقى على مسامعه مرويات ملأت مجلدين كاملين لم تأتِ المخطوطات على ذكرها.

في جميع الأحوال، لم يبلغ النص «الألف ليلة» أبدًا، ولم تُقارب حواديته هذا الرقم مُطلقًا، فطبعة بولاق بلغت 122 حكاية أما طبعة كلكتا الثانية بلغت 132 حكاية، وهو ما فسّره المستشرق الألماني «إينو ليتمان» بأنه خلال الفترة العباسية (من القرن الثامن وحتى القرن الـ 13 الميلادي) كان العدد 1001 يعني ببساطة كلمة «الكثير جدًا»، ومن ثم فإن المؤلفين الأوائل لهذه الليالي لم يكونوا يعنون الرقم حرفيًا وإنما فقط «الكثير من الليالي والحكايات».

 



أحمد متاريك -إضاءات