آلاف الجنود الأتراك في إدلب… ترسيخ الوجود العسكري لغاياتٍ سياسية

في توقيت حساس يسعى فيه جميع اللاعبين لحصد مزيد من نقاط التأثير والفاعلية في الملف السوري على ضوء عملية سياسية معقدة ومتعثرة، يعود ملف إدلب إلى صدارة المشهد، مع تحول المحافظة السورية الحدودية مع تركيا إلى صندوق بريد تبعث عبره أنقرة برسائل سياسية وميدانية، عبر تعزيز وجودها العسكري تارةً، وإدارة فصائل مسلحة لها أذرع خارجية وارتباطات إقليمية تارة أخرى، سواء من خلال إعادة هيكلة تلك الفصائل وتأطيرها، أو عبر حلها والتخلي عنها، لتقول أنقرة بالفم الملآن أنها صاحبة اليد الطولى هناك.

وتسعى أنقرة في هذا التوقيت لصرف واستثمار نفوذها لصالح عقد تفاهمات سياسية سواءً مع الروس أو الأمريكيين، لتلجاً إلى تكثيف وجودها العسكري لغايات متعددة، فبعد تعزيزات عسكرية غير مسبوقة دامت لأشهر، دفعت عبرها أنقرة بالمزيد من العناصر والآليات والدبابات، اتجه الجيش التركي إلى إنشاء نقاط حماية وحراسة، في عدة مواقع بدءاً من منطقة الترنبة القريبة من مدينة سراقب في الريف الشرقي، وصولاً إلى منطقة عين حور داخل الحدود الإدارية لمحافظة اللاذقية.

وكما هي العادة ذهبت قيادات عسكرية معارضة في “الجيش الوطني” التابع لأنقرة لتدعم التحرك الجديد إعلامياً عبر الحديث أن الانتشار العسكري الجديد الذي سمي بالخطة “ب”، سيقطع الطريق أمام أي عمليات للجيش السوري في المنطقة، حيث قال أحد القياديين في “الجيش الوطني” لقناة “الحرة” الأمريكية مؤخراً بأن “جبل الزاوية” وحده بات يحوي على أكثر من ستة آلاف عسكري تركي، وبأن أبواب إدلب الجنوبية باتت مغلقة تماماً أمام أي عمل عسكري للجيش السوري وإن كان مدعوماً روسياً.

وتتوازى تلك التعزيزات مع العديد من التطورات الميدانية داخل محافظة إدلب وخارجها، حيث جُمدت الجبهات بظروف غامضة في مدينة عين عيسى شمال الرقة التي كانت تتعرض لهجمات تركية، أما داخل المحافظة فتزايدت تعقيدات المشهد بين الفصائل المسلحة وعلى رأسها “هيئة تحرير الشام”، في ظل انتظار إدارة بايدن التي ألمحت بأنها لن تقبل بالوضع السائد في المحافظة التي تفرض “تحرير الشام” سيطرتها على معظم أجزاءها.

وتذهب بعض القراءات إلى أننا نشهد الأيام الاخيرة لـ”هيئة تحرير الشام”، وهو ما أكده مركز “الإمارات” للسياسات، بنشره تقريراً يتحدث عن أن احتمالات تفكك “هيئة تحرير الشام”، “واردة خلال الفترة المقبلة، سواء كان ذلك بفعل تفاهمات روسية- تركية جديدة، أو نتيجة دور أمريكي أكبر منفرد أو مشترك”، وتشي التحركات التركية أن قراراً اتخذ بإنهاء محاولات إضفاء صفة اعتدال ما على “الهيئة”، سيما بعد تقليص أنقرة مستوى التنسيق الأمني مع “الجولاني” بخصوص حمايته الطريق الدولية “M4″، وهو قرار ذهبت إليه أنقرة بعد رفض واشنطن مراراً إزالة إسم الجماعة من قوائم الإرهاب ضاربة بعرض الحائط كل الجهود والتحولات التي قدمها زعيمها لنيل الرضا الأمريكي.

ويقول الكاتب الصحفي “صهيب عنجريني” إن أنقرة، عبر تعزيز وجودها العسكري في هذا التوقيت بمحافظة إدلب، تهدف إلى “ضرب عصافير عدة بحجر واحد”، سواء منع أي عمليات وشيكة للجيش السوري، أو تحسباً لارتدادت أي تخلٍ تركي عن تنظيمات مسلحة في إدلب، أو إطاراً سياسياً بحتاً تقدمه أنقرة كأرضية للتفاهم مع الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة بايدن، والتي من المتوقع أن تنتج تغيراً في المقاربة الأمريكية للملف السوري.

لكن “عنجريني” ذهب إلى أن القوات التركية لن تستخدم هذا الوجود للدخول بمواجهات مباشرة سواءً لحماية نفوذها في إدلب، أو لتفكيك بعض المكونات غير المرغوب فيها أمريكياً، متوقعاً أن تشهد الأيام المقبلة اغتيالاً لقائد “تحرير الشام” أبو محمد الجولاني بالتوازي مع دفع تركيا للفصائل المسيطرة عليها لشن هجمات ضد الأخيرة بدعم لوجستي، تقدمه لها خلال تلك المعارك في حال حدوثها، وبالتالي تصبح محافظة إدلب تحت نفوذ تركي خالص بصورة مشابهة لمناطق عفرين وشمال الحسكة، وهو – أي نفوذها الخالص وفاعليتها المطلقة على الأرض- ما تسعى أنقرة لاستثماره سياسياً، عبر البعث برسالة للإدارة الأمريكية الجديدة، بأنه من غير الممكن القفز فوق رغباتنا، مؤكداً أن دعم بايدن للأكراد لابد أن يقود نحو ربط الملفين ببعضهما (عين عيسى وإدلب).

وأنهى عنجريني حديثه مع أثر بخلاصة مفادها أن حالة “ستاتيكو سياسية” تسيطر على المشهد السوري، تفرض حالة من الجمود لأشهر أربعة أو ستة قادمة لن تحمل أي تحولات، سوى بعض التطورات المحدودة لتحسين شروط تفاوض لاحقة سواء كان تفاوضاً بالنار أو سياسياً بين اللاعبين الفاعلين.

 

 


رضا توتنجي